باحث يكشف موقعا ينشر أخبارا مضللة مدفوعة بإعلانات رغم واجهته المستقلة

قال الباحث جونز إنه رصد عملية تضليل تعمل عبر منصات متعددة وتستخدم ما وصفه بـ"مؤسسات إخبارية واجهة" -
قال الباحث جونز إنه رصد عملية تضليل تعمل عبر منصات متعددة وتستخدم ما وصفه بـ"مؤسسات إخبارية واجهة" -
شارك الخبر
برز مؤخراً موقع "Levantine Report" كمنصة إخبارية مستقلة تنشر تقارير ومقالات تركز على منطقة الشرق الأوسط بمظهر احترافي، قبل أن يتضح بأنه يتبع لشبكة إعلانية منظمة وممولة، بهدف تمرير وتضخيم ما يوصف بـ"السرديات السياسية" في الفضاء الإعلامي.

ومع تركيز الموقع في تقاريره على الترويج لمحتوى سياسي محدد وملفت، أطلق الباحث المتخصص في التضليل الرقمي مارك أوين جونز تحقيقاً للكشف عن شبكة من المواقع تبدو في ظاهرها مؤسسات إخبارية مستقلة، ليتضح ارتباطها بمنظومة إعلانية واحدة تدفع بأموال لترويج محتوى كان السودان والجيش السوداني من أبرز محاوره.

Image1_920269204543824157520.jpg

ويتخصص الأكاديمي مارك أوين جونز في مجالات التضليل والدعاية والاستبداد الرقمي في وسائل التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنجليزية، وتغطي أبحاثه عدداً من المواضيع، بدءاً من التعديل التاريخي ودراسات ما بعد الاستعمار إلى ضوابط المعلومات الرقمية ودراسات البيانات النقدية.

ووفق سلسلة من التدوينات التي نشرها الباحث على حسابه في منصة "إكس"، فقد بدأت خيوط التحقيق، بحسب جونز، عندما ظهر أمامه على منصة "لينكدإن" إعلان ممول لموقع يحمل اسم "Levantine Report".


وقال جونز إنه بعد تتبع مسارات الموقع والجهة التي دفعت تكلفة الإعلان، قاده البحث عبر شبكة من العلاقات والكيانات امتدت من هونغ كونغ ومقدونيا الشمالية إلى بروكسل ونيوجيرسي وإسرائيل ودبي والسودان.

Image1_920269204631757783954.jpg

وأوضح جونز أن الموقع الإلكتروني ظهر بعلامة تجارية من الشرق الأوسط، بدا محتواهم مُنتَجاً بشكل جيد جداً، وهذا ليس صعباً في عصر الذكاء الاصطناعي، ومع تتبعه حساباته على فيسبوك وإنستغرام، ظهر أشخاص يعرفهم وقد تابعوا صفحتهم على لينكدإن، مؤكداً أن الشكوك بقيت تراوده.

اظهار أخبار متعلقة


وقال إن ظهور إريك داماتو، وهو في الواقع مسؤول عام منتخب في الولايات المتحدة في نيوجيرسي تحديداً، وعضو مجلس المدينة للحي الأول في مونتكلير، أثار فضوله، حيث أرسل له لمعرفة المزيد عن تورطه مع "The Levantine".

Image1_920269204712555081761.jpg

واكتشف الباحث جونز أن الجهة التي دفعت مقابل الإعلان تحمل اسم "BM Web Solutions Limited"، وعقب البحث في أرشيف إعلانات "لينكدإن"، اتضح أن الشركة نفسها مولت إعلانات لمواقع إخبارية أخرى، من بينها "Global Reportz وFrontline Radar وDiplomat Post"، ما دفعه إلى تتبع الروابط بين هذه المنصات وتحليل طبيعة محتواها الذي يجري الترويج له بأموال الإعلانات.

كما من الأمور التي عدها جونز من الأكثر غرابة، هو ما ظهر في تقرير برز فيه لديهم محررون حقيقيون، بما في ذلك الصحفي الأمريكي جوزيف هاموند (رادار الخطوط الأمامية)، الذي لديه مقالات حديثة في واشنطن تايمز، والصحفي البلجيكي ليفن تاي.

لكن على ما يبدو فإن بقية الأسماء مختلقة، حيث هناك أربعة عناوين رئيسية مزعومة غير مترابطة، تتكرر عبرها خمسة أسماء وهي "Vance، Thorne، Mercer، Marcus & Julian".

وقال إنه وبعد إجرائه التنقيب أكثر من خلال تحليل معلومات مدير علامات جوجل والكود الآخر، تأكد لديه وجود روابط مشتركة بين المواقع، كما وجد حساباً آخر باسم دانيال ميرسر، الذي كان قد أنشأ سابقاً حساب أخبار مشابه آخر يُدعى "Noise Filter".

Image1_92026920482817505815.jpg

ولاحظ الباحث جونز أن معظم المواقع تم إنشاؤها في الوقت نفسه، وهو أيار/مايو 2026، وبدأت في النشر في الوقت نفسه، كما أنها جميعاً بدأت في الإعلان في الوقت نفسه في تموز/يوليو 2026.

كما اكتشف أن الشخص الذي كان يدير حساب دانيال ميرسر كان يستخدم صورة للصحفي هينز أبيل. لكن حساب ميرسر، مثل بقية الشبكة، كان يشغّل إعلانات على فيسبوك وإنستغرام (بالإضافة إلى لينكدإن).

وقال إنه بدأ في التحقيق في شركة "BM Web Solutions Limited"، ليعثر هناك على العديد من الشركات التي تحمل هذا الاسم، لكن كل صفحات "HTML" لمواقع الأخبار كانت تحتوي على بريد إلكتروني [at] bmwebsolution [.] com، ليصل في النهاية لشركة مسجلة في هونغ كونغ.

ومع إجرائه التحقيق من سجل الشركات في هونغ كونغ، ودفعه 11 دولاراً، تمكن من الحصول على معلومات المديرين، وهما شخصان يحملان جوازي سفر مقدونيين شماليين أسسا الشركة في نيسان/أبريل 2026، وأسماؤهما "مارتن ميتوشيف وبورشي إيفانوفسكي".

وعلى الرغم من أن الأخبار نشطة فقط منذ حزيران/يونيو، إلا أن المواقع قد أنتجت الكثير من المقالات، مرجحاً أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي، فالمحتوى مليء بوسوم الروابط الخاصة بـ ChatGPT.

فمن الناحية التحريرية، تبدو المواقع واسعة النطاق نسبياً: إيران، أوكرانيا، الصين، السياسة الأمريكية، الأمن الأوروبي، الشرق الأوسط. الكثير من التغطية العامة للنزاعات والأمن.


Image1_920269204848808089175.jpg

وأشار إلى أبرز ما وصفها بالتشوهات اللافتة للنظر، حيث قارن انتشار الإعلانات في 3,606 مقالات تم استرداد النص الكامل لها، ليتضح أن الترويج المدفوع يمثل بشكل مفرط، وبرزت عبارات "الإسلاميون - جماعة الإخوان المسلمين - السودان - القوات المسلحة - برهان - المملكة العربية السعودية".
 

السودان في قلب الحدث

اللافت في التحقيق الذي أجراه جونز هو بروز السودان باعتباره أحد الموضوعات الرئيسية التي يبدو أن القائمين على عملية التضليل يسعون لدفع الجمهور باتجاه مشاهدتها والتفاعل معها؛ اتضح ذلك بعد تحليل المواد التي اختارت الشبكة الدفع بأموال لزيادة عرضها.

وبحسب تحليله، فإن المواقع تنتج أعداداً كبيرة من المقالات، وهو ما يمنحها مظهر المؤسسة الإخبارية الطبيعية، بل ويعزز شرعيتها أمام القارئ، بينما تكمن الحقيقة في مجموعة محددة من المواد التي يجري اختيارها للترويج المدفوع على منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد جونز أن هذا الأسلوب يعد جزءاً من عملية تأثير معلوماتي مضلل لا تعتمد بالضرورة على نشر أخبار مزيفة بصورة مباشرة، وإنما على بناء واجهة إعلامية تبدو في ظاهرها مستقلة، ومن ثم استخدامها لدفع سرديات مختارة إلى الجمهور.

وأحد محاور كشف جونز هو إطلاق إعلانات مدفوعة الثمن بشأن مزاعم استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وذلك قبل نشر تقارير بارزة في صحف أمريكية كبرى مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، والتي تناولت هذه الاتهامات بإسهاب.

وأشار جونز إلى ما اعتبره نقطة حساسة، حيث إن المواد التي ظهرت في الصحافة الأمريكية كانت في الأساس نتيجة مباشرة لهذه الشبكة، ورغم عدم وجود دليل ملموس على استسقاء تلك الصحف معلوماتها منها، فإن التسلسل الزمني الذي رصده الباحث يثير تساؤلات حول كيفية زرع سردية سياسية على الإنترنت وتكرارها وتضخيمها قبل انتقالها إلى مساحات إعلامية أوسع.
 

شبكة متشعبة تتجاوز موقعاً واحداً

لم ينحسر التحقيق الذي أجراه الباحث حول موقع "Levantine Report" باعتباره حالة منفردة، إذ قادت عملية تتبع مصادر تمويل إعلاناته إلى المواقع الثلاثة الأُخر، ووفق جونز، فإن تشابه آليات العمل والروابط التي رصدها يدعم فرضيته بوجود عملية منظمة، لا مجرد مجموعة مواقع لا علاقة بينها.

واستخدم جونز في وصف هذه الممارسة المضللة مصطلح "Dysinfluence"، في إشارة إلى عمليات لا تقتصر على المعلومات الكاذبة بالمفهوم العام، وإنما ما يتم عبر المزج بين الدعاية والعلاقات العامة والإعلانات المدفوعة والمحتوى شبه الصحافي وتقنيات التلاعب الرقمي من أجل التأثير في الطريقة التي يفهم بها الجمهور قضية سياسية معينة.

اظهار أخبار متعلقة


وعبر هذا الأسلوب، فلن يكون القائمون على العملية بحاجة إلى إنشاء آلاف الحسابات الوهمية التي يسهل اكتشافها وبالتالي تعرضها للإغلاق، إذ يمكن عبر مواقع ذات تصميم احترافي واحد، نشر عشرات المواد الإخبارية العادية، ثم استخدام المال لترويج عدد محدود من القصص التي تحمل الرسائل السياسية المراد إيصالها.

وفي أيار/مايو الماضي، نشر مارك أوين جونز تقريراً لـ"اليونسكو" يفصل ثلاث شبكات تأثير واسعة النطاق تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز على السودان، وتضم هذه الشبكات أكثر من 27 ألف حساب مزيف، تنشر ما يزيد عن 250 ألف منشور تروج لروايات مؤيدة لقوات الجنجويد، وتصورها كجهة إنسانية، وتحمل القوات المسلحة السودانية مسؤولية الفظائع والمجاعة، وتشيد بتدخل #الإمارات .
التعليقات (0)