دخل التصعيد العسكري في
اليمن مرحلة جديدة مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله "
الحوثي" على عدة جبهات، بالتزامن مع إعلان القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني في الجوف والبيضاء وتعز، وتمسكها بمواصلة العمليات باتجاه استعادة مزيد من المناطق وصولاً إلى
صنعاء.
ووسّع الحوثيون نطاق هجماتهم إلى خارج الحدود اليمنية، مستهدفين، وفق الإعلان السعودي، مواقع ومنشآت في جنوب المملكة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ويأتي هذا التصعيد وسط تهديد التحالف الذي تقوده السعودية باتخاذ "كافة الإجراءات العملياتية اللازمة" للرد على الهجمات الحوثية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهة وانعكاساتها العسكرية والإنسانية والإقليمية.
المشهد العسكري
رأى الأكاديمي والباحث في الشؤون السياسية اليمنية عبدالملك اليوسفي أن المشهد العسكري في اليمن شهد خلال الأسابيع الأخيرة تحولاً من حالة الدفاع إلى الهجوم، مع توسع التحركات العسكرية لتشمل عدة جبهات، مرجحاً أن يستمر المسار العسكري، وإن كانت وتيرة العمليات ستبقى مرتبطة بتقييمات القيادة العسكرية والتطورات الميدانية.
وقال اليوسفي لـ"عربي21" إن الهدنة التي بدأت عام 2022 شهدت، بحسب تقييمه، تصعيداً متقطعاً من جماعة الحوثي في بعض المناطق، كانت القوات الحكومية تتعامل معه من خلال عمليات محدودة وإعادة تموضع القوات.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن تغيراً وصفه بـ"النوعي" طرأ على مسار الأحداث قبل نحو 27 يوماً من المقابلة، تمثل، وفق تقديره، في انتقال القوات المسلحة من الدفاع إلى الهجوم، عقب اجتماع لمجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.
وأشار إلى أن ذلك تزامن مع بدء عمليات باستخدام الطائرات المسيّرة، اعتبرها جزءاً من مرحلة تمهيد للعمليات العسكرية، قبل أن تنتقل التحركات لاحقاً إلى عمليات ميدانية على الأرض.
تحركات على جبهات متعددة
وبحسب اليوسفي، لم تقتصر العمليات على جبهة واحدة، بل امتدت إلى عدد من المناطق، مشيراً إلى تحركات في جبهة حرض بمحافظة حجة، وشمال الحديدة، وجنوب تعز، والضالع، والبيضاء، ومأرب.
وقال إن العمليات التمهيدية، التي شملت استخدام الطيران المسيّر والمدفعية، بدأت تتحول إلى تقدم ميداني، معتبراً أن ما يجري في حرض لا يمثل حالة منفصلة عن التحركات في بقية الجبهات.
وأضاف أن التحركات شملت مناطق في شمال الحديدة، بينها القراحي وقرب سقم ودباس ورأس عيسى، إلى جانب البرح ومقبنة والكدحة في جنوب تعز، فضلاً عن جبهات في الضالع والبيضاء ومأرب.
القدرات الحوثية
وفي تفسيره لمسار العمليات، قال اليوسفي إن القوات الحكومية اتبعت، بحسب تقديره، تكتيكات تهدف إلى استنزاف القوات الحوثية، مشيراً إلى أنها تركت في بعض الحالات مساحات محددة للتقدم قبل تنفيذ هجمات مضادة.
واستشهد بما قال إنها حالات في الكدحة وجبل دباس والكسارة، موضحاً أن القوات الحكومية، وفق روايته، كانت تسمح بتقدم القوات الحوثية ثم تعمل على تطويقها واستهداف التعزيزات التي تصل إلى مناطق مكشوفة.
ورأى أن هذا الأسلوب أدى إلى "إنهاك" القوات الحوثية بشرياً ومادياً، مشيراً إلى أن العمليات في حيس، بحسب وصفه، انتهت بسيطرة القوات الحكومية على المديرية بالكامل، قبل انتقال العمليات إلى مديرية الجراحي ومناطق أخرى.
وأشار إلى تقدم ميداني في مناطق سقم وقرب رأس، معتبراً أن هذه التحولات جاءت نتيجة ما وصفه بعمليات "استنزاف وإجهاد" للقوات الحوثية.
وفي محافظة الجوف، قال اليوسفي إن القوات الحكومية أمضت نحو 27 يوماً في مرحلة التمهيد باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية، قبل تنفيذ غارات استهدفت، وفق قوله، التحصينات والتعزيزات ومواقع المدفعية ومنصات إطلاق الصواريخ.
وأضاف أن العملية البرية التي أعقبت ذلك حققت، بحسب روايته، تقدماً سريعاً وسيطرت على مناطق واسعة، من بينها معسكر اللبنات وسوق اليتمة، مع استمرار القوات الحكومية في التقدم.
ورداً على التقديرات التي ترى أن الحوثيين يمتلكون قدرات عسكرية واستراتيجية مكنتهم من الاستمرار طوال السنوات الماضية، قلل اليوسفي من حجم هذه القدرات، معتبراً أن طبيعة الأسلحة التي تمتلكها الجماعة لا تمنحها، وفق تقييمه، القدرة على خوض مواجهة عسكرية طويلة على مستوى استراتيجي.
وأشار إلى أن الحوثيين حصلوا، بحسب قوله، على أسلحة ومكونات عسكرية عبر عمليات تهريب، بما فيها مكونات تستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، لكنه رأى أن ذلك لا يوفر كثافة نارية كافية لمواجهة ما وصفه بقدرات القوات الحكومية.
اظهار أخبار متعلقة
وقال إن العمليات العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة أظهرت، بحسب تقديره، تفوقاً نوعياً للقوات الحكومية في مجال الطيران التكتيكي، مشيراً إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة في عدد كبير من مسارح العمليات بالتزامن يمثل، من وجهة نظره، أحد أبرز عناصر الاختلاف في القدرات العسكرية بين الطرفين.
وفي ما يتعلق بالهدف النهائي للعمليات، قال اليوسفي إن تحديد توقيت الوصول إلى صنعاء يرتبط بعوامل جغرافية وميدانية، وبقرارات القيادة العسكرية، لكنه أشار إلى أن تصريحات قيادة الحكومة اليمنية حددت استعادة صنعاء هدفاً لهذه العمليات.
السعودية
وفي سياق حديثه عن احتمال انتقال الهجمات إلى العمق السعودي، رأى اليوسفي أن استهداف المنشآت النفطية السعودية لا يعني بالضرورة تغييراً في موازين القوة العسكرية.
واعتبر أن الهجمات التي تستهدف منشآت النفط في جنوب السعودية تحقق أثراً إعلامياً وسياسياً أكثر من كونها تغيراً في المعادلة العسكرية، وقال إن الهدف منها، بحسب تقديره، هو إعادة تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين الحوثيين والسعودية، بدلاً من كونه صراعاً داخلياً على السلطة والسيادة في اليمن.
وأضاف أن استمرار الهجمات، وفق رؤيته، قد يؤدي إلى زيادة الدعم السعودي للقوات الحكومية اليمنية، مشيراً إلى أن طبيعة العلاقات بين الطرفين تسمح بتقديم هذا الدعم في إطار ما وصفه بالتعاون والشراكة.
وقال إن القوات الحكومية باتت، بحسب تقييمه، تمتلك قدرة أكبر على تنفيذ عمليات جوية مستقلة، مشيراً إلى ما وصفه بكثافة في استخدام الطيران الحربي وتوزع العمليات على جبهات عدة، بينها الحديدة وتعز والضالع والبيضاء والجوف ومأرب والمنطقة العسكرية الخامسة.
ورأى أن تطور القدرات الجوية ودقة الاستهداف يمثلان، من وجهة نظره، تحولاً في الأداء العسكري للقوات الحكومية.
التحالف الثلاثي واختبار اليمن
وفي ما يتعلق باحتمال أن يمثل التصعيد اليمني اختباراً للتحالف الثلاثي الذي أُعلن عنه في إطار اتفاق مكة، استبعد اليوسفي أن يكون اليمن اختباراً بالمعنى التقليدي لتحالف دفاع مشترك.
وأوضح أن تقييمه يستند إلى ما وصفها بالمعطيات العسكرية التي تشير، بحسب رأيه، إلى وجود تفوق نوعي للقوات الحكومية من حيث أعداد المقاتلين والتسليح والقدرات الجوية والآليات العسكرية.
وأضاف أن هدف التحالف، وفق تصوره، يتجاوز الالتزام بالدخول في أي حرب إلى الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها ومواجهة ما يعتبره تهديدات مرتبطة بالإرهاب والفوضى.
الوضع الإنساني والنزوح
وفي الجانب الإنساني، قال اليوسفي إن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أصدر تعليمات للقوات المسلحة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك.
لكنه رأى في الوقت نفسه أن التداعيات الإنسانية للعمليات العسكرية لا تعني بالضرورة وقفها، معتبراً أن استمرار حالة النزوح في اليمن يمثل مشكلة قائمة منذ سنوات.
وأشار إلى وجود نحو 4.8 ملايين نازح داخلياً، بحسب الرقم الذي أورده، وقال إن كثيراً منهم لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
اظهار أخبار متعلقة
ورجح أن يؤدي أي نزوح جديد، في حال وقوعه، إلى زيادة الأعباء الإنسانية، لكنه اعتبر أن عودة النازحين إلى مناطقهم وإنهاء حالة الانقسام والسيطرة المسلحة يمثلان، من وجهة نظره، الهدف النهائي الذي ينبغي الوصول إليه.
وفي ختام حديثه، قال اليوسفي إنه لا يستطيع الجزم بالوتيرة التي ستتخذها العمليات العسكرية خلال الفترة المقبلة، لكنه رجح استمرار المسار العسكري الذي بدأ خلال الأسابيع الأخيرة.
وأشار إلى أن تصريحات رشاد العليمي تحدثت عن منح الدولة فرصة لصناعة السلام بطريقتها، معتبراً أن مفهوم السلام، وفق هذا الطرح، يرتبط بوجود سلطة الدولة واحتكارها للسلاح.
وأضاف أن الهدف المعلن للعمليات، بحسب ما أورده، هو استعادة صنعاء، لكنه أكد أن ذلك لا يعني بالضرورة استمرار العمليات بوتيرة مرتفعة بصورة دائمة.
ورأى أن مستوى التصعيد والزخم العسكري خلال المرحلة المقبلة سيبقى مرتبطاً بقرارات قيادة القوات المسلحة، وبالتقييمات العملياتية والمعلومات الاستخباراتية والمتغيرات الميدانية التي قد تؤثر في مسار المعارك.