شهدت مدينة دوفر في مقاطعة كِنت جنوب شرقي
إنجلترا، السبت، احتجاجاً مثيراً للجدل شارك فيه عشرات الأشخاص الذين ارتدوا ملابس
سوداء وأقنعة تغطي وجوههم، وأقدموا على إغلاق الطرق المؤدية إلى ميناء دوفر الحيوي
في الاتجاهين، ما تسبب في تعطيل حركة المرور وتأخير المسافرين والشاحنات المتجهة
إلى العبارات نحو القارة الأوروبية، قبل أن تنتهي عملية الإغلاق وتعود حركة الوصول
إلى الميناء إلى طبيعتها.
وقالت شرطة كِنت إنها كانت حاضرة في موقع
الاحتجاج وتتواصل مع المشاركين، فيما وصف ميناء دوفر ما جرى بأنه "حادث يتعلق
بالنظام العام". ولم تعلن الشرطة عن توقيف أي شخص على خلفية الواقعة حتى ظهر
السبت، في حين أشارت تقارير محلية إلى أن المحتجين رفعوا شعاراً معارضاً لعبور
القوارب الصغيرة للمهاجرين، ورددوا هتافات قومية خلال تحركهم.
وبحسب ما أظهرته مقاطع فيديو وصور متداولة
على وسائل التواصل الاجتماعي، اصطف عدد كبير من المحتجين في الطريق، وربط بعضهم
أذرعهم لتشكيل حاجز قطع حركة السيارات والشاحنات، فيما ظهرت مركبات الشرطة إلى
جانب الطريق والشاحنات متوقفة في طوابير طويلة.
وأفادت هيئة الطرق الوطنية البريطانية بأن
إغلاق الطريق A20المؤدي إلى الميناء تسبب في توقف حركة
المرور في الاتجاهين، مع تسجيل تأخيرات وصلت إلى نحو 30 دقيقة وامتداد الازدحام
لمسافة تقارب أربعة أميال.
احتجاج تحت شعار "أوقفوا القوارب"
ولم يتضح على الفور العدد الدقيق للمشاركين،
إذ تحدث أحد الأشخاص الذين كانوا يبثون الاحتجاج مباشرة عن سيره إلى جانب مئات
الأشخاص، بينما قدرت وكالة الصحافة البريطانية عدد المشاركين بالعشرات، في ظل عدم
إصدار الشرطة تقديراً رسمياً لعدد المحتجين.
وأظهرت المقاطع المتداولة المحتجين وهم
يهتفون "أوقفوا القوارب"، في إشارة إلى القوارب الصغيرة التي يستخدمها
مهاجرون لعبور القنال الإنجليزي من فرنسا إلى
بريطانيا، كما رددوا هتاف "إنجلترا
حتى أموت" أثناء تحركهم في الطريق العام.
وبدا أن مجموعة تسمى "Patriot Platform" قد تبنت تنظيم الاحتجاج أو الدعوة إليه عبر منصات
التواصل الاجتماعي. وتقدم المجموعة نفسها باعتبارها حركة ذات "حب شديد
للوطن"، بينما ارتبط اسمها في التغطيات البريطانية بخطاب مناهض للهجرة ودوائر
اليمين المتطرف.
كما أعاد الناشط اليميني المتطرف تومي
روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون، نشر مقاطع من الاحتجاج، ووجه متابعيه
إلى بث مباشر للفعالية، داعياً المزيد من الأشخاص إلى التوجه إلى دوفر ودعم
المشاركين.
وقال روبنسون في منشور آخر إن
"الوطنيين" تحركوا في مواقع عدة داخل دوفر بهدف إغلاق الميناء، متحدثاً
عن خطط لتنظيم تحركات إضافية.
ويأتي ذلك بعد تصريحات نشرها مؤسس Patriot Platform، داني
توماس، المعروف أيضاً باسم داني تومو، قبل أيام، تحدث فيها عن التحضير لتحرك وصفه
بأنه سيبعث "رسالة" إلى الحكومة البريطانية، داعياً أنصاره إلى التحرك
ضد ما وصفه بتدهور أوضاع البلاد بسبب
الهجرة.
ميناء حيوي تحت الضغط
ويكتسب الاحتجاج أهمية خاصة بسبب موقع دوفر
ودور مينائها في حركة النقل بين بريطانيا وأوروبا. فالميناء يمثل أحد أهم منافذ
العبور البحري بين المملكة المتحدة وفرنسا، ويشهد حركة كثيفة للمسافرين والشاحنات،
ما يجعل أي إغلاق للطرق المحيطة به قادراً على إحداث تأثير سريع في حركة السفر
والنقل.
وقال ميناء دوفر في وقت سابق من السبت إن
الاضطرابات أثرت في جميع طرق الدخول والخروج من الميناء وكذلك الطرق المحيطة
بالمدينة، مؤكداً أنه كان على اتصال بالشرطة أملاً في إنهاء الوضع سريعاً.
وبحلول وقت الظهيرة، أعلن الميناء أن
المحتجين تفرقوا وأن الطرق المؤدية إليه أصبحت "تسير بانسيابية" من جديد.
كما أعلنت شركات العبارات العاملة على الخط
بين دوفر والقارة الأوروبية أنها ستتعامل مع المسافرين الذين حالت الاضطرابات دون
وصولهم في مواعيدهم، عبر نقلهم إلى الرحلات التالية المتاحة.
"مخيف للغاية"
وأثارت طريقة الاحتجاج، ولا سيما ارتداء
المشاركين الأقنعة والملابس السوداء، مخاوف وانتقادات من مسؤولين محليين، خصوصاً
أن التحرك جرى من دون وضوح كامل بشأن الجهة التي تقف وراءه في بدايته.
وقال كريس فينسون، زعيم مجموعة المحافظين في
مجلس منطقة دوفر، إن الاحتجاج بدا مرتبطاً بملف الهجرة غير النظامية، لكنه أشار
إلى أن المحتجين لم يكونوا يحملون على ما يبدو لافتات أو شعارات واضحة.
وأضاف أن رؤية رجال يرتدون ملابس سوداء ذات
طابع شبه عسكري ويضعون أقنعة على وجوههم وهم يغلقون الطريق يمكن أن تكون "مخيفة
للغاية" بالنسبة إلى السكان وسائقي السيارات، خصوصاً في ظل عدم معرفة الناس
مسبقاً بما يجري.
وأشار أيضاً إلى أن بعض العاملين في
الميناء، وبينهم أشخاص أنهوا نوبات عمل ليلية، واجهوا صعوبة في مغادرة المنطقة
بسبب مخاوف تتعلق بسلامتهم.
وفي السياق ذاته، دعا عضو محلي من حزب
الإصلاح البريطاني السكان إلى تجنب منطقة الميناء، قائلاً إنه تلقى معلومات تفيد
بأن التحرك احتجاج ضد القوارب التي تنقل المهاجرين عبر القنال.
الحكومة: حق التظاهر لا يعني تعطيل البلاد
أما الحكومة البريطانية فأدانت تعطيل حركة
السفر، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن الحق في الاحتجاج السلمي يمثل جزءاً أساسياً
من النظام الديمقراطي في البلاد.
وقال متحدث باسم وزارة الداخلية إن الحكومة
تدين السلوك الذي شهدته دوفر والاضطرابات التي تسبب بها للمسافرين والمجتمع
المحلي، معرباً عن تفهمه لغضب الأشخاص الذين تأثروا بالاحتجاج.
وأضاف أن الوصول إلى الميناء استُعيد وأن
حركة المرور عادت إلى التدفق، لكنه نصح المسافرين بإتاحة وقت إضافي للوصول إلى
الميناء واتباع تعليمات شركات النقل.
ويأتي الموقف الحكومي في وقت تحولت فيه قضية
الهجرة عبر القنال الإنجليزي إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة
البريطانية، بعدما أصبحت عمليات عبور القوارب الصغيرة من فرنسا مادة أساسية في
الجدل السياسي الداخلي، وخصوصاً بين المحافظين وحزب الإصلاح البريطاني والقوى
اليمينية المناهضة للهجرة.
الهجرة تتحول إلى وقود للاحتجاج
وفي مقابل الخطاب الذي رفعه المحتجون في
دوفر، أشار النائب العمالي عن دائرة دوفر وديل، مايك تاب، إلى أن أعداد عبور
القوارب الصغيرة انخفضت بنسبة 40%، معتبراً أن تعطيل الميناء لا يقدم حلاً للمشكلة.
وقال إن
احتجاجات من هذا النوع لا تؤدي سوى
إلى تعطيل حياة السكان والمسافرين، مشيراً إلى إلغاء فعالية رياضية محلية بسبب
الاضطراب الذي شهدته المنطقة.
وكانت فعالية الجري الأسبوعية "Dover Waterfront parkrun" قد ألغيت صباح السبت، بعدما اعتبر منظموها أن المسار غير
آمن أو مغلق بسبب الاحتجاج.
وهكذا لم يقتصر أثر التحرك على حركة
العبارات والشاحنات، بل امتد إلى الحياة اليومية في المدينة، التي وجدت نفسها أمام
احتجاج مفاجئ شارك فيه أشخاص ملثمون، وفي منطقة ترتبط بصورة مباشرة بواحدة من أكثر
القضايا السياسية استقطاباً في بريطانيا.
ما وراء دوفر
ولا تبدو واقعة دوفر مجرد احتجاج محلي عابر،
إذ تكشف عن درجة التصعيد التي باتت تحيط بملف الهجرة في بريطانيا، وعن انتقال
الخطاب المناهض للهجرة من ساحات الاحتجاج التقليدية إلى أساليب أكثر صدامية تسعى
إلى التأثير المباشر في حركة النقل والحياة الاقتصادية.
كما أن اختيار دوفر تحديداً يحمل دلالة
رمزية واضحة؛ فالمدينة تمثل بوابة بريطانيا البحرية إلى أوروبا، بينما أصبح القنال
الإنجليزي خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لواحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة
بين بريطانيا وفرنسا، بسبب تدفق المهاجرين عبر القوارب الصغيرة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة البريطانية
حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، فإن إغلاق الطرق وتعطيل الميناء يضع السلطات
أمام معادلة صعبة: كيف تحمي حق التظاهر من جهة، وتحول دون تحول الاحتجاج إلى وسيلة
لتعطيل المرافق الحيوية وترهيب السكان من جهة أخرى؟
وإذا كانت حركة المرور قد عادت إلى طبيعتها
في دوفر خلال ساعات، فإن الرسالة السياسية التي حملها الاحتجاج قد تكون أبعد مدى
من الازدحام الذي خلفه على الطريق؛ إذ يعكس المشهد اتساع مساحة الاستقطاب حول
الهجرة، وصعود جماعات تسعى إلى تحويل الغضب الشعبي من سياسات الهجرة إلى تعبئة
ميدانية مباشرة، في وقت تستعد فيه بريطانيا لمزيد من النقاشات الحادة حول الحدود
واللجوء والعلاقة مع أوروبا.
وبذلك تبدو دوفر، في هذه الواقعة، أكثر من
مجرد ميناء تعطلت طرقه لساعات؛ إنها نقطة تتقاطع فيها أزمة الهجرة، وصعود اليمين
المتطرف، والاستقطاب السياسي، والاحتجاج في الشارع، بما يجعل أي تحرك جديد في
المدينة قابلاً للتحول سريعاً من قضية محلية إلى اختبار أوسع لقدرة الدولة
البريطانية على إدارة واحدة من أكثر قضاياها انقساماً.
اظهار أخبار متعلقة