دعا البروفيسور إفرايم عنبار إلى المضي قدمًا في البناء
الإسرائيلي بمنطقة "E1"،
معتبرًا أن المنطقة تمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على
القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، وتأمين
حدود شرقية يرى أنها ضرورية في مواجهة أي تغيرات مستقبلية في المنطقة.
وفي مقال نشره على موقع "معهد القدس للاستراتيجية
والأمن"، قال عنبار إن إسحق رابين كان أول رئيس وزراء إسرائيلي يتبنى خطة البناء
في منطقة "E1"،
إلا أن تنفيذها تعطل لاحقًا بسبب المعارضة الأمريكية والدولية.
ورأى الكاتب أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستحق، بحسب
تقديره، الإشادة لبدئها تنفيذ قرار البناء في المنطقة، مشيرًا إلى أن طرح مناقصات لبناء
أول 1234 وحدة سكنية يمثل رسالة واضحة بشأن تمسك إسرائيل بالقدس، وبالحفاظ على حدودها
الأمنية في
غور الأردن.
واعتبر عنبار أن الظروف الحالية توفر فرصة مناسبة للمضي
في المشروع، مشيرًا إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تنتقد الخطوة، وهو
ما قال إنه يشير إلى أنها ربما كانت على علم مسبق بها. وأضاف أن الدول الأوروبية سبق
أن استخدمت، وفق رؤيته، أبرز أدوات الضغط التي كانت متاحة لها عندما اعترف معظمها بالدولة
الفلسطينية من دون الحصول على مقابل من الفلسطينيين.
وأشار الكاتب كذلك إلى أن رد فعل الدول العربية التي ترتبط
بإسرائيل باتفاقيات سلام لن يصل، في تقديره، إلى استخدام أدوات ضغط قوية، مضيفًا أن
أزمة مضيق هرمز تطغى حاليًا على معظم الملفات الأخرى في الشرق الأوسط.
"E1" والطريق إلى غور الأردن
وشدد عنبار على ضرورة أن تتحرك الحكومة الإسرائيلية سريعًا
نحو الاستيطان في المنطقة التي تربط القدس بـ"معاليه أدوميم"، موضحًا أن
المدينة الواقعة شرق القدس، والتي يقطنها نحو 40 ألف يهودي بحسب المقال، تمثل نقطة
مهمة على الطريق المؤدي إلى غور الأردن.
وأوضح أن أهمية هذه المنطقة لا ترتبط فقط بالاعتبارات الدينية
والتاريخية للقدس، وإنما بموقعها الذي يمنحها، وفق تقديره، قيمة استراتيجية كبيرة.
وبحسب الكاتب، فإن إقامة ممر يتراوح طوله بين 4 و5 كيلومترات،
تسكنه أعداد من اليهود ويربط القدس بـ"معاليه أدوميم"، ستوفر لإسرائيل طريقًا
آمنًا يمكن من خلاله نقل القوات العسكرية عند الحاجة من المناطق الساحلية، حيث تتركز
غالبية السكان اليهود والقواعد العسكرية، مرورًا بالقدس وصولًا إلى غور الأردن.
ولفت عنبار إلى أن القدس و"معاليه أدوميم" ومنطقة "E1" تسيطر على الطريق السريع
رقم 1، الذي وصفه بأنه الطريق الوحيد الذي يصل ساحل البحر المتوسط بغور الأردن، ويمكن
لليهود استخدامه دون عوائق كبيرة من المراكز السكانية العربية.
كما أشار إلى الموقع الجغرافي للقدس عند نقطة التقاء محاور
الجنوب والشمال والشرق والغرب، معتبرًا أن ذلك يمنحها أهمية عسكرية ويسمح، بحسب رؤيته،
بتحريك القوات شمالًا وجنوبًا دون الحاجة إلى عبور سفوح جبال يهودا التي يقطنها العرب.
لماذا تعارض أطراف فلسطينية البناء في "E1"؟
وقال عنبار إن المعارضين للاستيطان اليهودي في منطقة "E1" يركزون على تأثير المشروع
المحتمل على التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية بين رام الله وبيت لحم.
لكن الكاتب اعتبر أن هذه المخاوف لا تمثل عائقًا حقيقيًا،
مشيرًا إلى إمكانية إنشاء ممرات للحركة بين "السامرة" و"يهودا"
باستخدام الجسور والأنفاق.
وأوضح أن إسرائيل تخطط، بالتوازي مع أعمال البناء في "E1"، لإنشاء الطريق السريع 80 من الشمال إلى الجنوب،
بهدف تسهيل حركة الفلسطينيين من رام الله إلى بيت لحم، إلى جانب التخطيط لطريق يربط
بين الزعيّم والعيزرية.
ويرى عنبار أن الهدف الرئيسي للمعارضة يتمثل في منع إسرائيل
من قطع التواصل بين الأحياء العربية في القدس ، ومنع تهيئة المدينة لتصبح عاصمة
مستقبلية للدولة الفلسطينية.
وأضاف أن الفلسطينيين، بحسب رؤيته، يسعون إلى ضم منطقة "E1" بهدف تحقيق تواصل جغرافي
وديموغرافي بين بلداتهم الواقعة شمال شرق القدس والأحياء العربية في الجزء الشرقي من
المدينة، بما يحافظ على قدرتهم على تعطيل الطريق السريع رقم 1 وإحباط ما وصفه بـ"مخطط
ألون".
واعتبر أن ربط الأحياء العربية داخل المدينة يمثل أهمية
كبيرة للفلسطينيين في أي ترتيبات مستقبلية تهدف إلى تقسيم القدس، بينما يؤدي ربط
"معاليه أدوميم" بالقدس، وفق تقديره، إلى الحيلولة دون تقسيم المدينة.
القدس في قلب الصراع
ورفض الكاتب ما وصفه بالادعاء الفلسطيني بالسيطرة على الجزء
الشرقي من القدس، ولا سيما المنطقة التي تضم جبل الهيكل وحائط البراق.
وقال إن الفلسطينيين يسعون إلى بناء رواية جديدة تنكر الصلة
التاريخية لليهود بالقدس، وتحديدًا وجود الهيكلين على جبل الهيكل.
وأشار عنبار إلى أن اليهود يمثلون غالبية سكان القدس منذ
منتصف القرن التاسع عشر، وقال إن المدينة لم تكن عاصمة لكيان إسلامي.
اظهار أخبار متعلقة
كما استند إلى استطلاعات رأي قال إنها تشير إلى أن غالبية
سكان القدس العرب تفضل استمرار الوضع القائم، بسبب عدم رغبتهم في الخضوع لحكم السلطة
الفلسطينية أو حركة حماس، معتبرًا أن هذا الأمر حق لهم.
ولفت إلى أن إيهود باراك أنهى، خلال مفاوضات كامب ديفيد
عام 2000، ما وصفه بالمحظور الإسرائيلي المتعلق بالحفاظ على وحدة القدس، لكنه أشار
إلى استمرار وجود أغلبية يهودية كبيرة تؤيد بقاء المدينة موحدة.
وبحسب الأرقام التي أوردها الكاتب، فإن نحو 70 في المئة،
وفق صياغة السؤال في الاستطلاع، يؤيدون الحفاظ على وحدة القدس، فيما أجاب نحو 80 في
المئة من اليهود في إسرائيل بـ"لا" على سؤال بشأن إمكانية التخلي عن جبل
الهيكل ضمن اتفاق سلام.
ويرى عنبار أن سيطرة الفلسطينيين على منطقة "E1" ستؤدي إلى تقسيم القدس، وعزل
"معاليه أدوميم"، وإضعاف مطالبة إسرائيل بالسيطرة على غور الأردن.
وبناءً على ذلك، يخلص إلى أن الاستيطان اليهودي في المنطقة
هو الوسيلة الوحيدة، من وجهة نظره، لمنع تنفيذ المخطط الفلسطيني، محذرًا من أن إبقاء
المنطقة دون تغيير قد يعكس، بحسب تعبيره، ترددًا وضعفًا إسرائيليين يشجعان على محاولات
فرض السيطرة الفلسطينية على مناطق حيوية في المنطقة "C".
واستشهد الكاتب في هذا السياق بقضية خان الأحمر باعتبارها
دليلًا، وفق رؤيته، على هذه المساعي.
غور الأردن والتهديدات المستقبلية
ويناقش عنبار كذلك الرأي القائل إن إسرائيل لم تعد بحاجة
إلى غور الأردن كحاجز يحميها من الهجمات القادمة من الشرق، خاصة في ظل معاهدة السلام
مع الأردن، التي أنهت، بحسب هذا الرأي، خطر الجبهة الشرقية القريبة من التجمعات السكانية
والبنية التحتية الاقتصادية الإسرائيلية.
كما يشير إلى من يعتمدون على التطور التكنولوجي العسكري،
الذي يسمح بتنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة، باعتبار أن القدرات الدفاعية الموجودة
على الساحل يمكن أن تقلل الحاجة إلى السيطرة على غور الأردن.
لكن الكاتب يرفض هذه الرؤية، ويصفها بأنها قصيرة النظر
سياسيًا وعسكريًا، لأنها لا تأخذ في الاعتبار احتمال حدوث تغيرات سريعة في المنطقة.
وحذر من أن سيناريوهات مثل زعزعة استقرار الأردن أو السعودية،
أو تحول النظام في سوريا نحو مزيد من التطرف، لم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها
احتمالات مبالغًا فيها، لأنها قد تعيد، بحسب تقديره، التهديد البري من الجبهة الشرقية.
اظهار أخبار متعلقة
ويستند عنبار كذلك إلى تاريخ التكنولوجيا العسكرية، الذي
يقول إنه شهد تغيرًا مستمرًا في ميزان التفوق بين الهجوم والدفاع.
ويرى أن افتراض استمرار الظروف التكنولوجية الحالية، التي
تقلل مؤقتًا من أهمية التضاريس، يمثل خطأً استراتيجيًا محتملًا، مؤكدًا أن الاعتماد
على تفوق تكنولوجي مؤقت أو ظروف سياسية قابلة للتغير لا يكفي لبناء حدود دفاعية مستقرة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أن إسرائيل تحتاج إلى حدود دفاعية
على امتداد غور الأردن، وأن تأمين الطريق الذي يربط المنطقة بالساحل، عبر القدس الموحدة
و"معاليه أدوميم"، يمثل جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية.
البناء الانتقائي بدلًا من التوسع الشامل
ويقترح عنبار أن تحسين صورة إسرائيل دوليًا وتقليل المعارضة
الدولية للبناء في "E1" يمكن
أن يتحقق من خلال تقديم رؤية تقوم على التسوية الإقليمية لمستقبل بعيد، في حال أصبح
الفلسطينيون مستعدين للعيش كجيران صالحين.
وفي المقابل، يرى أن
الاستيطان الإسرائيلي الكامل في الضفة
الغربية وقطاع غزة لا يحمل، لأسباب ديموغرافية، حكمة استراتيجية واضحة.
ويشدد على أن القدس تمثل، بحسب رؤيته، أهم تلة في أرض إسرائيل،
مع الإشارة إلى عدم وجود أغلبية صهيونية فيها، بينما يعتبر أن التوسع السريع في مناطق
أخرى ذات أهمية استراتيجية أقل يمثل استنزافًا للطاقات والموارد الصهيونية التي يمكن
استخدامها بصورة أكثر انتقائية.
ويدعو الكاتب بدلًا من ذلك إلى مواصلة سياسة استيطان انتقائية
تركز على المناطق التي تقع في قلب الإجماع الإسرائيلي، وفي مقدمتها القدس ومحيطها،
إلى جانب "معاليه أدوميم" وغور الأردن، مع الحفاظ، بحسب تقديره، على إمكانية
تنفيذ ذلك دون اضطرابات خارجية كبيرة.
وبالتوازي مع هذه السياسة، يدعو إلى إخلاء البؤر الاستيطانية
غير القانونية الموجودة خارج مناطق الإجماع، وخاصة في المنطقتين "أ" و"ب".
ويقول إن هذه السياسة تتوافق مع تفضيلات غالبية الإسرائيليين،
لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة وقف أعمال الشغب التي يقوم بها مستوطنون يهود في
يهودا والسامرة، في إشارة إلى الضفة الغربية، معتبرًا أنها تمثل وصمة أخلاقية على إسرائيل
وتسبب أضرارًا كبيرة لها في الخارج.
وفي ختام مقاله، يؤكد البروفيسور إفرايم عنبار أن منطقة "E1" تمثل عنصرًا أساسيًا لمستقبل
القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، كما يراها حاسمة بالنسبة إلى قدرة إسرائيل على الحفاظ
على حدود دفاعية في الشرق.
ويأمل عنبار أن تواصل الحكومة الإسرائيلية المقبلة تنفيذ
مشروعات البناء في المنطقة، معتبرًا أن إقامة أحياء يهودية فيها تمثل، من وجهة نظره،
"ضرورة استراتيجية وسياسية".