الجيش السوداني يضرب شرايين إمداد "الدعم السريع" بتشاد.. هل تتسع رقعة الصراع؟

الجيش السوداني يسعى لقطع شرايين إمداد الدعم السريع- الأناضول
الجيش السوداني يسعى لقطع شرايين إمداد الدعم السريع- الأناضول
شارك الخبر
في تطور ميداني جديد شن الجيش السوداني غارات داخل الأراضي التشادية، حيث استهدف مسيّرات تابعة للخرطوم رتلا من السيارات داخل الأراضي التشادية.

ووصفت هذه الضربات بالقاسية واستهدفت بالأساس قوافل عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع في المناطق المحاذية لتشاد وليبيا.

وقد أثار القصف الجوي الذي نفذه الجيش السوداني وطال مناطق تتجاوز 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية أزمة أمنية غير مسبوقة بين الخرطوم وإنجامينا.

اظهار أخبار متعلقة



وبينما يلمح الجيش السوداني إلى حقه المكفول دوليا في الدفاع عن النفس وتدمير ممرات الدعم اللوجستي لخصومه، تنذر هذه الضربات بإمكانية انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.

وتكشف هذه التطورات أن خطة تدمير شحنات السلاح والوقود باتت تفرض إيقاعها على المعادلة الإقليمية، محوّلة المنافذ الحدودية إلى ساحة استهداف مباشر.

ماذا حدث في "إيندي الشرقية"؟


وفقا لبيانات قيادة أركان الجيش التشادي فقد استهدف القصف الذي نفذه الجيش السوداني أرتالا كانت تتحرك في نطاق ولاية "إيندي الشرقية"، وهي منطقة محاذية للمثلث الحدودي الممتد بين السودان وتشاد وليبيا.

وأضافت الأركان العامة للجيش التشادي أن طائرات وطائرات مسيّرة، تابعة للقوات المسلحة السودانية وداعميها، لاحقت وقصفت رتلا من السيارات، بدءا من الأراضي السودانية، ثم امتد القصف إلى عمق يتجاوز 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية آثار احتراق ونقاطا سوداء جديدة لم تكن موجودة في المنطقة قبل تاريخ الحادثة يومي الخميس والجمعة، مما يرجح تعرض أهداف متحركة لقصف مباشر أدى إلى اشتعال النيران فيها.

في المقابل، أفادت منصات إعلامية سودانية أن الجيش السوداني نفذ عملية تتبع وتدمير لقافلة عسكرية ضخمة تضم نحو 200 مركب قتالية وشاحنات محملة بالوقود والذخائر والمعدات اللوجستية.

استنفار في إنجامينا


وتعليقا على هذه التطورات قال مدير الإعلام بالجيش التشادي، الجنرال الشانان إسحاق الشيخ، إن الجيش التشادي وضع كافة الوحدات العسكرية في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي مستجدات ميدانية.

وأكد أن المعطيات المتوفرة تشير بأصابع الاتهام للجيش السوداني أو الأطراف المساندة له، مشددا على أن الأركان العام التشادية تحتفظ بجميع خيارات الرد المكفولة قانونا لحماية السيادة الوطنية ومواجهة أي تهديد خارجي.

ووجهت هيئة الأركان التشادية تحذيرا شديد اللهجة لأطراف النزاع في السودان من ما سمته محاولة "تصدير الأزمة" أو نقل العمليات العسكرية إلى أراضيها، مؤكدة التزامها المطلق بحماية أمنها القومي.

وعلى الصعيد السياسي، عبر البرلمان التشادي عن إدانته بأشد العبارات للهجوم الجوي على مقاطعة إيندي الشرقية، واصفة إياه بـ "الانتهاك الخطير وغير المقبول للسيادة الوطنية".

وأعلن البرلمان دعمه الكامل للرئيس محمد إدريس ديبي وللقوات المسلحة التشادية في اتخاذ كل ما يلزم لحماية الأراضي التشادية، داعيا إلى احترام الحدود الدولية وتجنب التصعيد.

صمت في الخرطوم


على الجانب الآخر، فرضت القيادة العامة للجيش السوداني صمتا رسميا حيال الاتهامات التشادية، ولم تصدر أي بيان يتضمن تأكيدا أو نفيا لشن غارات جوية داخل الأراضي التشادية.

غير أن وسائل إعلام محلية أكدت أن الجيش السوداني شن عمليات مكنت من قطع شرايين إمداد قادمة من المثلث الحدودي مع ليبيا ومصر وتشاد، ودمرت عشرات الأرتال المسلحة قبل وصولها إلى مقاتلي الدعم السريع في إقليم دارفور والعاصمة الخرطوم.

وأشارت تلك المصادر إلى أن الجيش السوداني بات يملك تقنيات وقدرات استخباراتية وجوية متطورة تمكنه من رصد وتتبع وتدمير خطوط الإمداد القادمة عبر الحدود بفاعلية عالية.

شبكة الإمداد الإقليمي


تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل اتهامات سودانية متراكمة للحكومة التشادية بتسهيل تدفق العتاد العسكري والسلاح إلى قوات الدعم السريع منذ الشهور الأولى للحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

وتؤكد الخرطوم من حين لآخر أن مطارات أم جرس وأبشي وإنجامينا في تشاد، تحولت إلى محطات لوجستية رئيسية لاستقبال رحلات شحن جوي تنقل أسلحة وذخائر وطائرات مسيّرة ومرتزقة أجانب برعاية قوى إقليمية، أبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة.

ورغم النفي المستمر من جانب السلطات التشادية إلا أن تقارير دولية تؤكد أن الحدود الشرقية لتشاد باتت الممر الأساسي لشحنات الوقود والعتاد العسكري الثقيل المتجه نحو معاقل الدعم السريع في دارفور.

انقسام مجتمعي بتشاد


لا تقتصر أبعاد هذه الحادثة على التوتر العسكري بين تشاد والسودان، بل تمتد لتسلط الضوء على التصدع الداخلي الحاد داخل هيكل السلطة والمجتمع في تشاد.

ويشكل الملف السوداني نقطة تجاذب كبيرة في إنجامينا، إذ تبدي مكونات شعبية وقبلية نافذة في تشاد تربطها أواصر دم وعرق بالمكونات السكانية في إقليم دارفور، رفضا قاطعا لتقديم أي دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، نظرا للانتهاكات والجرائم الواسعة التي ارتكبتها هذه القوات بحق ذويهم في دارفور.

في المقابل تضغط القيادة السياسية وبعض مراكز النفوذ في إنجامينا باتجاه الحفاظ على التفاهمات الإقليمية ومصالحها مع الأطراف الممولة لشحنات الإمداد، مما يضع تشاد في موقف حرج للغاية بين التزاماتها الإقليمية وضغوطها الداخلية المتزايدة.

تحول في إدارة المعركة


ويرى الصحفي المتابع للشؤون الأفريقية محمد الأمين عبدوتي أن القصف الذي شنه الجيش السوداني داخل الأراضي التشادية يعد تحولا واضحا في إدارة الخرطوم للمعركة حيث انتقل الجيش السوداني من موقف الدفاع واقتصار المواجهة داخل حدوده الوطنية إلى تبني إستراتيجية الضربات الاستباقية في العمق الإقليمي.

اظهار أخبار متعلقة



وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن هذا التكتيك يعني صراحة أن خطوط توريد العتاد والوقود الموجهة لقوات الدعم السريع لم تعد آمنة فور تحركها، وأن الخرطوم مستعدة لتحمل الكلفة السياسية والدبلوماسية في سبيل تجفيف الشريان اللوجستي لخصومها.

ورأى أن امتداد العمليات الجوية إلى المثلث الحدودي الممتد بين السودان وتشاد وليبيا ستكون لها تداعيات كبيرة على استقرار المنطقة الهشة وسيفاقم من أزمة اللاجئين الإنسانية.

وتسببت الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 في مقتل عشرات الآلاف السودانيين ونزوح أكثر من 13 مليون آخرين داخل البلاد وخارجها، ليشكلوا أضخم أزمة نزوح على مستوى العالم.

وفي ظل لجوء مئات الآلاف من السودانيين إلى الأراضي التشادية، تدهورت الأوضاع الإنسانية على جانبي الحدود بشكل غير مسبوق، مع استمرار انتشار شبح المجاعة الذي يهدد سلال الغذاء في البلاد، وحاجة أكثر من 30 مليون سوداني لمساعدات إغاثية عاجلة.
التعليقات (0)