"إندبندنت" تحقق في اغتيال "إسرائيل" للصحفية مريم أبو دقة واستهداف مستشفى ناصر

كانت الشهيدة أبو دقة البالغة من العمر 33 عاما تعمل لدى "إندبندنت عربية" و"أسوشيتد برس"- منصات التواصل
كانت الشهيدة أبو دقة البالغة من العمر 33 عاما تعمل لدى "إندبندنت عربية" و"أسوشيتد برس"- منصات التواصل
شارك الخبر
نشرت صحيفة "إندبندنت" تحقيقًا مفصلًا حول استشهاد الصحافية مريم أبو دقة، التي استهدفت في غارة جوية مزدوجة في 25 آب/أغسطس 2025 على مستشفى ناصر في قطاع غزة، متسائلة عما إذا كانت ملابسات الهجوم ترقى إلى ارتكاب جريمة حرب.

وفي التحقيق، الذي شاركت في إعداده بيل ترو وعز الدين أبو عيشة ونضال حمدونة، ذكرت الصحيفة أن أبو دقة كانت، وسط دوي مدافع الدبابات الإسرائيلية، تقضي ما تبقى من وقتها الثمين وهي تحتسي القهوة مع صديقتها الصحافية براء لافي.

وكان ذلك يوم الإثنين، وسط الحرب المستمرة على قطاع غزة. وكانت أبو دقة، البالغة من العمر 33 عامًا، وتعمل لدى "إندبندنت عربية" و"أسوشيتد برس"، موجودة في مبنى مدمر جزئيًا تتقاسمه مع صحافيات أخريات في خانيونس، جنوبي القطاع.

وكانت الجرافات العسكرية الإسرائيلية قد اخترقت، في وقت سابق من الحرب، جانبًا من جدار المبنى، قبل أن يعمد أصحابه إلى ترميمه بالأنقاض والأسمنت والصخور. ولذلك وصفت لافي الغرفة بأنها "محطمة ومشوهة"، لكنها كانت منزلهما في ذلك الوقت.

وناقشت الصحافيتان، اللتان كان يجمعهما حب العمل معًا، أحدث تقرير مشترك لهما حول الاكتظاظ في مستشفى ناصر، الواقع على الجانب الآخر من الشارع. وأجرتا مقابلة مع صديقتهما أماندا، وهي ممرضة كندية فلسطينية متخصصة في طب الطوارئ ومتطوعة دولية، وصادف أن يكون اسم عائلتها ناصر. وخلال حديثهما، اتصلت والدة براء للاطمئنان عليهما، فأكدتا لها أنهما بخير.

اظهار أخبار متعلقة


لكن مريم لم تكن بخير منذ أسابيع. فقد كانت تفتقد بشدة ابنها الوحيد غيث، البالغ من العمر 14 عامًا، الذي تمكنت من إرساله من غزة إلى الإمارات العربية المتحدة، كما كانت لا تزال تعاني فقدان والدتها، التي توفيت بسرطان في خضم القصف خلال أيار/مايو 2024، ويعود ذلك جزئيًا إلى نقص العلاج. وكان والدها، الذي تبرعت له بإحدى كليتيها قبل الحرب، يعاني أيضًا من متاعب صحية.

وفقدت العائلة، مثل غيرها من عائلات غزة، منزلها في خانيونس، واضطرت إلى النزوح قسرًا عدة مرات، كما نجت من المجاعة.

وفي ظل الموت الذي كان يحيط بها، تركت مريم سرًا وصية لابنها لدى صديقتها براء. وقبل ذلك بثلاثة أيام، أرسلت أيضًا رسالة صوتية إلى هادي طرفي، رئيس تحريرها في "إندبندنت عربية"، حذرته فيها من احتمال اضطرارها إلى الفرار للمرة الرابعة.

وفي المستشفى، كانت أماندا ناصر، المتطوعة مع منظمة "غليا" الطبية الخيرية الكندية، تشعر بالإحباط بسبب اضطرارها إلى مغادرة عملها للانضمام إلى قافلة، بعدما أُبلغ جميع المسعفين الدوليين في مستشفى ناصر، في الليلة السابقة، بضرورة حضور دورة تدريبية إلزامية تنظمها منظمة الصحة العالمية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، خارج مقر المستشفى.

وكانت أجنحة المستشفى تفوح منها رائحة الموت والتحلل، كما كانت مكتظة للغاية، ولذلك بدا خروج أي مسعف من المستشفى أمرًا غير مبرر.

وتتذكر أماندا قائلة: "عادة ما نحصل على التدريب من خلال دروس عن بعد عبر الإنترنت. العنف القائم على النوع الاجتماعي مشكلة قائمة أيضًا، لكن من الواضح أننا نعيش في خضم إبادة جماعية".

وتساءل متطوع دولي آخر مع منظمة "غليا"، هو طبيب التخدير الدكتور ترافيس ميلين، عن جدوى الدورة التدريبية أيضًا، إذ كان ذلك آخر يوم له في غزة. وقال: "لماذا يحتاج إلى حضور هذا التدريب الآن؟ عادة ما يخططون للأمور مسبقًا، وما أثار استغرابنا هو أنهم فجأة قالوا: هناك تدريب إلزامي الآن".

وفي الخارج، كانت ساحة المستشفى، التي تحولت إلى مدينة خيام صاخبة، تستيقظ وسط حرارة صباح صيفي لاهب.

وأقام المدنيون الذين فروا من منازلهم المدمرة في أنحاء القطاع الممتد على طول 40 كيلومترًا مخيمًا في أرض مجمع يفترض أن يكون محميًا بموجب القانون الدولي. ونشأت في المكان بيئة متكاملة؛ فعند البوابة الرئيسية كان الناس يبيعون ما لديهم من مؤن، ومن بينهم علي أبو لطيفة.

وكانت أكبر خيمة داخل الساحة طويلة ومغطاة بقماش مشمع أزرق زاهٍ، وتمتد على طول الجانب الشرقي من المجمع. وكانت مخصصة للصحافيين الذين نزحوا أيضًا، وأصبحوا يعيشون فيها فعليًا.

ومن بين الصحافيين الموجودين فيها، كان حسام المصري، مصور "رويترز" البالغ من العمر 49 عامًا، وهو أب لأربعة أطفال، يخشى أن تتسبب الشمس الحارقة في ارتفاع حرارة كاميرته الموجودة على الدرج الخارجي في الجهة الشرقية من المستشفى، ما يؤدي إلى انقطاع البث المباشر. وقبل أسبوع ونصف، أظهرت صورة التقطتها مريم ونشرها حسام وهو يقف بجوار كاميرته المغطاة بسجادة صلاة خضراء وبيضاء لحمايتها من الحرارة.

كما أمضت مريم معظم أيامها هناك، تتفقد منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي وتكتب تقاريرها. ويبدو أن المبرر الإسرائيلي لاستهداف المستشفى لاحقًا كان وجود كاميرا قال الجيش إنها تابعة لحماس وتعرض حياة الجنود الإسرائيليين للخطر، رغم أن وكالة "رويترز" أكدت لاحقًا أن الكاميرا كانت تستخدم للبث المباشر من خانيونس، وأن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود فرق تابعة لها تعمل في مستشفى ناصر.

وقبل الضربة، كانت سماهر، زوجة حسام البالغة من العمر 39 عامًا، تتحدث مع زوجها بينما كان يقف بجوار كاميرته على الدرج. وكانت قد تمكنت للتو من العثور على بعض الخضراوات وشرائها بسعر باهظ، ولذلك كانت بحاجة إلى تحويل مبلغ مالي إلى حسابهما. وكان حسام متعبًا ومرهقًا في الآونة الأخيرة، ما أثار قلق سماهر، التي كانت تكافح سرطان المبيض في المنطقة المحاصرة التي لا يتوافر فيها العلاج. وقال لها مرة أخرى بيأس: "أريد فقط أن أرتاح، أريد أن أُستشهد لأرتاح أخيرًا".

اظهار أخبار متعلقة


ثم انقطع اتصالهما فجأة، ودوى انفجار هائل، وانقطع الخط، قبل أن يدوي انفجاران هائلان في السماء. واصطدمت قذيفة بالجانب الشمالي من المستشفى، ممزقة ما يعرف بـ"التيتانيك"، وهي منطقة مشتركة محاطة بنوافذ كبيرة بالقرب من غرفة العمليات، حيث يستريح الأطباء والمسعفون بين العمليات الجراحية. واخترقت قذيفة ثانية الدرج الخارجي الشرقي في الطابق الرابع.

وهزت الانفجارات المباني المقابلة أيضًا. عندها أمسكت براء بسترتها الصحافية، وبسرعة تفوق سرعة مريم، هرعت خارج الشقة وهي لا تزال ترتدي خفيها. وبينما كانت تغادر، نادت على صديقتها التي كانت لا تزال تجمع أغراضها قائلة: "سأخرج قبلكِ، حسنًا؟".

وتجمع الصحافيون والمدنيون للبحث عن الجثث، وبدأوا صعود الدرج نحو جثة حسام.

وفي خضم الفوضى، بدأ الناس يلاحظون طائرة هليكوبتر إسرائيلية تحلق في السماء، فصرخ أحدهم: "هناك طائرة أخرى، قد تقصف، انزلوا!". وخوفًا من غارة وشيكة أخرى، هرع إلى أسفل الدرج، حيث التقى بجارته وصديقته مريم، التي كانت منهمكة في التغطية الصحافية. وكانت ترتدي وشاحًا أبيض ومعطفًا أسود. وكما جرت العادة، كانت مريم من أوائل الواصلين إلى مكان الحادث.

وساد الارتباك مع وجود أكثر من 20 شخصًا في طوابق مختلفة من الدرج، بالإضافة إلى عدد أكبر في الطابق الأرضي. وكان الحدث يُصور مباشرة ومن زوايا متعددة، فيما كان صحافيون يعملون لدى بعض أكبر وكالات الأنباء في العالم موجودين في المكان.

وعندما اختفت مريم في الضربة الثانية، قالت أماندا: "عندما سمعت أن مريم كانت من بينهم، انهرت تمامًا. ظللت أقول: لا، علينا العودة إلى المستشفى الآن". إلا أن منظمي الدورة قرروا أن عودة الأجانب في تلك الليلة كانت شديدة الخطورة، ربما خشية غارة أخرى، أو خشية أن يعتقد المجتمع المحلي أن الأجانب كانوا على علم مسبق بالأمر وغادروا عمدًا.

وأضافت أماندا: "بكيت لساعة كاملة. غمرتني مشاعر جياشة من الخوف والغضب". وتابعت: "من الواضح جدًا ما حدث، ولماذا تم استدراجنا إلى الخارج حتى يُستهدف المستشفى. شعرت وكأنها رسالة تحذير: بإمكانهم فعل ما يشاؤون".

وأظهرت الأدلة التي جمعتها الصحيفة رواية مختلفة عن تلك التي قدمتها إسرائيل. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقًا أن لواء غولاني، أحد ألوية المشاة النخبة في إسرائيل، رصد كاميرا "وضعتها حماس" لمراقبة القوات. لكن وكالة "رويترز" أكدت مجددًا أنها كانت كاميرا للبث المباشر، وهو ما أكده أيضًا ستة صحافيين وشخصان من المجتمع المحلي وأطباء دوليون يعملون في المستشفى، تحدثوا إلى الصحيفة. وكانت مريم قد التقطت صورة للكاميرا، التي كانت مغطاة ببطانية صلاة، ونشرتها بنفسها في الأيام السابقة. كما ذكرت "رويترز" أن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود فرق تابعة لها داخل المستشفى.

وقال الدكتور محمد صقر، رئيس قسم التمريض، للصحيفة إن إسرائيل كانت على اتصال مباشر مع طاقم المستشفى، وكان بإمكانها بسهولة إثارة أي مشكلة تتعلق بأي كاميرا.

وتحدثت الصحيفة إلى سبعة شهود عيان في موقع الهجوم، أفادوا برؤية طائرات استطلاع مسيرة تحلق فوق المنطقة فور وقوع الهجوم الأول. وشعر جميع من تحدثت إليهم الصحيفة بأنهم كانوا مراقبين عن كثب، فيما تجمعت مجموعات على الدرج لتقديم المساعدة والإبلاغ.

كما تحدثت الصحيفة إلى اثنين من المبلغين الإسرائيليين، وكلاهما من جنود الاحتياط الذين خدموا في جنوب غزة. وقال أحدهما، الذي خدم في وحدة دبابات، إن طبيعة الهجوم أظهرت أنه لم يكن "متعمدًا" فحسب، بل "يبدو أنه كان مخططًا له بدقة".

وقال أحد الأفراد إن "أسلوب إطلاق النار بقذيفتي دبابة" استُخدم بعد نحو عشر دقائق من الهجوم الأول، ما يعني، بحسب قوله، "أنهم رأوا الحشد بالتأكيد"، وهو ما يعزز الاعتقاد بأنه كان قصفًا مزدوجًا متعمدًا.

وشرح لورانس أبو حمدان، مؤسس منظمة "إيرشوت"، أن منظمته أجرت تحليلًا صوتيًا معمقًا وحددت مواقع اللقطات التي سجلتها خمس كاميرات على الأقل للطلقة الثانية التي أودت بحياة مريم. وبفضل تحليل الصوت ومسار المقذوفات والمسافة بين لحظة الارتطام وصوت انفجار الفوهة، تمكن الفريق من تقدير المسافة وموقع الدبابة التي أطلقت القذيفة، وقدرها بنحو 2.5 كيلومتر شمال شرقي المستشفى.

اظهار أخبار متعلقة


وفحصت الصحيفة صورًا التقطتها أقمار اصطناعية تابعة لشركة "بلانيت لابز" في 25 آب/أغسطس 2025، أظهرت وجود قاعدة للدبابات مزودة بسواتر ترابية على بعد 2.5 كيلومتر شمال المستشفى. وكانت عدة دبابات متمركزة هناك.

كما أجرت الصحيفة مقابلات مع خبيرين آخرين في مجال الأسلحة، هما كريس كوب سميث وإن. آر. جينزن جونز، من "أرمامنت ريسيرش سيرفيسز". وحدد كلاهما شظايا عُثر عليها في موقع الحادث وصورتها وكالة "أسوشيتد برس"، وخلصا إلى أنها أجزاء من قذيفة دبابة إسرائيلية عيار 120 ملم.

وقال إن. آر. جينزن جونز إن اللقطات المصورة في موقع الحادث "تشير أيضًا إلى استخدام مقذوفات شديدة الانفجار أو مقذوفات متعددة الأغراض، كما هو متوقع في حالة استهداف نيران الدبابات للأفراد داخل المباني".

وقال كيفن جون هيلر، أستاذ القانون الدولي في مركز الدراسات العسكرية بجامعة كوبنهاغن، للصحيفة، بعد دراسة جميع الأدلة، إنه يمكن للمدعي العام أن "يستنتج بشكل معقول" أن الجناة ارتكبوا جرائم حرب "تمثلت في مهاجمة المدنيين عمدًا وشن هجوم غير متناسب، لا سيما فيما يتعلق بالهجوم الثاني".

وأضاف: "على سبيل المثال، لم تُبذل أي محاولة لتحذير المستشفى على الإطلاق، ويلزم القانون الدولي الإنساني بإبلاغ المستشفى ومنحه الوقت الكافي لمعالجة أي مشكلة مزعومة".

كما أثيرت مسألة التناسب، بالنظر إلى الميزة العسكرية المحدودة التي حققتها إسرائيل من هدفها المعلن المتمثل في تدمير كاميرا، مقارنة بحجم الأضرار الجانبية التي خلفها الهجوم المزدوج. وتساءل هيلر: "هل تحتاج حقًا إلى قذيفتي دبابة شديدتي الانفجار لتدمير كاميرا؟".
التعليقات (0)