استيقظ
العراقيون فجر الأحد، على مشهد لم يألفوه من قبل، دبابات ومدرعات تجوب شوارع المنطقة الخضراء في قلب
بغداد، وطائرات مروحية تحلق فوقها، فيما أغلق جهاز
مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة مداخل المنطقة ومنعت حتى حاملي البطاقات التعريفية الخاصة من الدخول.
لم يكن انقلابا، بل كان شيئا لم يجربه العراق منذ سقوط صدام حسين عام 2003، حملة اعتقالات واسعة تستهدف قضايا فساد عن مليارات الدولار.
وتراكم الفساد في العراق عقدا بعد عقد منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، حتى بات جزءا بنيويا من طريقة عمل الدولة لا استثناء فيها، حيث تعد ملفات الفساد في مرحلة ما بعد التأسيس واحدة من أسوأ المراحل التي مرت على العراق في تاريخه الحديث.
وجاءت الحملات الإصلاحية السابقة خطابية في معظمها، فلطالما تعهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بملاحقة الفاسدين، وهو الذي لاحقته اتهامات بالتورط في قضايا فساد واختفاء ميزانية عام 2014 دون محاسبة، ليخرج اليوم مؤيدا بقوة لحملة رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي.
"الأيادي النظيفة" على الطريقة العراقية
على طريقة الإيطالي الشهير أنطونيو دي بيترو الذي قاد عملية "الأيادي النظيفة" في التسعينيات، والتي أسقطت نظاما كاملا من الرشاوى والفساد السياسي في إيطاليا، جاءت ليلة الأحد لتضع العراق أمام لحظة مشابهة، وإن كانت أبعادها وتحدياتها مختلفة.
اظهار أخبار متعلقة
وبدأت الأحداث فجر الأحد، حين تداولت مواقع التواصل مشاهد للانتشار العسكري المكثف في المنطقة الخضراء وسط بغداد وإغلاق مداخلها، إذ نفذت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي حملة اعتقالات بموجب أوامر قبض قضائية، طالت سياسيين ورجال أعمال وشخصيات نيابية. ولم تقتصر الحملة على بغداد، بل امتدت إلى محافظات ميسان وبابل وديالى وصلاح الدين.
وأسفرت العمليات عن اعتقال نحو 47 متهما من نواب ومسؤولين بتهم فساد، وأكد المتحدث بأسم رئاسة الوزراء أن الحملة مستمرة في بغداد والمحافظات.
وأعلن الزيدي الأربعاء الماضي أن "محاربة الفساد على رأس أولوياتي، وقد بدأتُ بالفعل إجراءات في كل وزارة ودائرة لتجفيف منابع الفساد." وأعلنت الحكومة العراقية في بيان الأحد أن عمليات الاعتقال مستمرة ضمن خطة
مكافحة الفساد.
أسماء ثقيلة ضمن ورقة الجميلي
جاءت الاعتقالات استنادا إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي المعتقل بتهم الفساد، وشملت أعضاء في مجلس النواب رُفعت عنهم الحصانة ومسؤولين وردت أسماؤهم في تلك الاعترافات.
الأسماء لم تكن عادية، اعتقل مثنى السامرائي، زعيم تحالف العزم ورئيس كتلة برلمانية تضم 19 نائبا، إلى جانب حسن الخفاجي وإبراهيم الصميدعي وعالية نصيف وبهاء النوري ومضر الكروي ومحمد الكربولي ومحمد فرمان.
كما أُوقف هند العباسي ومحمد سارمان، ومحمد الصيهود النائب السابق المقرب من رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، وداهمت قوات الأمن منزل النائب علاء سكر دون أن تعثر عليه.
واعتُقل أيضا علي معارج، وكيل سابق بوزارة النفط ومشمول بالعقوبات الأميركية، ومحمد المياحي، محافظ واسط السابق والنائب الحالي.
أما حسين مونس، النائب في البرلمان عن حزب الله، فقد داهم الأمن منزله دون أن يجده.
وكانت السلطات قد صادرت في وقت سابق من هذا الشهر أكثر من 100 مليار دينار عراقي وجدت في أماكن متفرقة تحت بلاط منزل الجميلي ومخزن مهجور ومزرعة يملكها، إلى جانب عشرات العقارات، كما صودرت 76 مليار دينار وُجدت في مزرعة خاصة لمدير كهرباء وسط العراق علاء سمير.
أبعاد تتجاوز الفساد
كشف مسؤول أمني عراقي رفيع أن "القضية تتعلق بملف تمويل الفصائل والنفط الإيراني وتهريب الدولار"، في إشارة إلى الفصائل المدعومة من طهران، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية، فيما وضع دبلوماسي في بغداد العملية الأمنية في إطار استعداد رئيس الوزراء علي الزيدي لزيارة واشنطن ولقائه بالرئيس دونالد ترامب.
اظهار أخبار متعلقة
ومن جانبها، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية مباشرة إجراءاتها الحازمة بصدد تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام.
وأكدت أن "هذا الإنجاز جاء ثمرة لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية مع جهود الهيئة".
وجددت الهيئة حرصها التام والتزامها الثابت بإطلاع الرأي العام على تفاصيل عملها وإجراءاتها بدقة وشفافية، وفقاً لما تسمح به القوانين والأنظمة النافذة.
متهمون بالفساد الأمس يؤيدون الحملة اليوم
في مشهد لافت، أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي دعمه الكامل للحملة، داعيا إلى الاستمرار بها حتى النهاية، فيما شدد ائتلافه على ضرورة استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
وتأتي هذه المواقف المثيرة للجدل؛ فالمالكي الذي حكم البلاد لسنوات تحت وطأة اتهامات فساد موثقة، يسارع اليوم إلى التصفيق لحملة يراها البعض دليلا على أن عصره صار في خانة الماضي.
وبدوره، أعلن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بدوره تأييده لإجراءات الحكومة، مطالبا بأن تكون مكافحة الفساد شاملة ومستدامة وتتحول إلى مشروع إصلاح بنيوي ينهي المحاصصة.
الزيدي أمام أول اختباراته
تبقى المعركة الحقيقية أمام رئيس الوزراء علي الزيدي لم تبدأ بعد: هل تتحول هذه الليلة إلى مسار قضائي مستدام يصل إلى "الرؤوس الكبيرة"، أم تبقى لحظة صادمة تسجَل في سجل طويل من الملفات المفتوحة؟.
وفي هذا السياق، وصف أستاذ العلوم السياسية علي أغوان الحملة بأنها تستهدف "ما يقارب الـ5 بالمئة من معادلة الفساد"، إذ كتب في حسابه على فيسبوك: "ما حدث هو أن فاسدا صغيرا بدرجة وكيل وزير اعترف على مجموعة كبيرة من شركائه في العملية السياسية، وهذه الاعترافات قادت لإصدار مذكرات قبض بحقهم".
ورأى أغوان أن الحملة لا تستهدف كل الفاسدين ولا تفتح كل الملفات، لكنها "خطوة شجاعة ومهمة، هندستها وخططت لها دوائر القضاء والنزاهة وأكملت أركانها القانونية".
من جهته، وصف الباحث والمحلل السياسي ناصر التميمي ما يجري بأنه "ليس حملة فساد عادية، بل معركة على الدولة والمال والسيادة"، مشيرا إلى أن اعتقال سياسيين ونواب ومسؤولين كبار داخل المنطقة الخضراء يوجه رسالة مباشرة مفادها أن الزيدي يريد كسر الحصانات داخل البرلمان والوزارات وقطاع النفط، وإثبات أن القرار العراقي لن يبقى أسير الفصائل وشبكات المصالح والنفوذ الخارجي.
وأوضح التميمي في حسابه على منصة "إكس" أن التوقيت هو جوهر القصة؛ إذ يواجه العراق أزمة مالية حادة في أعقاب اضطراب مضيق هرمز وتراجع صادراته النفطية، وحين تضيق الإيرادات يتحول الفساد من مرض مزمن إلى تهديد مباشر لاستقرار الحكومة.
ورأى أن الحملة تبدو أيضا محاولة لإدارة الغضب الشعبي ونقل السؤال من "لماذا فشلت الدولة؟" إلى "من نهب الدولة؟".
وأشار التميمي إلى أن البعد الخارجي حاضر بقوة في هذا الملف؛ فواشنطن ترى في ضرب شبكات النفط والتهريب والالتفاف على العقوبات فرصة لتقليص نفوذ إيران داخل العراق، وهي لا تبدو مديرة للحملة بالضرورة، لكنها مستفيدة منها وضاغطة في خلفيتها.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، كشفت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد الجانب الآخر من المعادلة؛ إذ تخشى طهران أن تتحول مكافحة الفساد إلى تفكيك تدريجي لقنوات نفوذها في ملفات النفط والتمويل والعقوبات، فيما تسعى بغداد إلى تقديم نفسها دولة توازن بين واشنطن وطهران لا ساحة تابعة لأي منهما.
أما دول الخليج، فرأى التميمي أنها لا تبدو طرفا مباشرا في إدارة الحملة، غير أنها معنية جداً بنتائجها وقد تنظر إليها فرصة استراتيجية، فالسعودية والإمارات وقطر تجد في إضعاف شبكات الفساد المرتبطة بالنفط والفصائل وسيلةً للحد من النفوذ الإيراني ومنح بغداد هامشاً أوسع للتوازن، لكنها في الوقت ذاته لا تريد انفجارا داخليا، إذ إن المطلوب خليجيا عراق أكثر سيادة وانضباطا، لا عراق يدخل فوضى جديدة قد تمتد إلى دول الجوار.