بينها بطاقات التموين ورخص البناء.. مصر تحرم الأزواج المطلقين من 34 خدمة حكومية

تظاهر عدد من الآباء أمام مقر "مجلس الدولة" للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية - جيتي
تظاهر عدد من الآباء أمام مقر "مجلس الدولة" للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية - جيتي
شارك الخبر
تواصل الحكومة المصرية فرض قراراتها الإدارية وإقرار تعديلاتها على القوانين بما يفاقم الأزمات الأسرية والمجتمعية وخاصة في ملف "الطلاق"، إحدى أكثر الأزمات المتصاعدة بقوة في عهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي.

والأحد، وفي قرار لاقى غضبا شعبيا واسعا، وبعد شهر واحد من تعيينه بمنصب وزير العدل المصري، نُشر القرار (رقم 896 لسنة 2026)، للوزير محمود الشريف بالجريدة الرسمية، والذي يقضي بتعليق استفادة المحكوم عليهم في قضايا النفقة، من 34 خدمة حكومية ومهنية، في إجراء يظل ساريا حتى سداد المستحقات، أو تقديم ما يثبت براءة الذمة من دين النفقة.

من الخدمات المعلقة: إصدار البطاقات التموينية، واستخراج بدل فاقد أو تالف، وخدمات ضم المواليد للبطاقات، وتعليق خدمات تركيب عدادات الكهرباء، ومنع إصدار أو تجديد رخص القيادة المهنية، ورخص تشغيل المحال العامة ورخص إشغال الطريق، وتراخيص البناء والتشغيل، والتصالح، وتخصيص الأراضي، وخدمات المرافق والإعلانات.

وإيقاف إصدار أو تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، وصرف الأسمدة الزراعية، وخدمات كارت الفلاح، وخدمات تسجيل الحصر الزراعي، ووقف إصدار أو تجديد رخصة مزاولة مهنة التخليص الجمركي، وتصاريح الحفر الخاصة بمد كابلات الكهرباء.

مراقبون ومتحدثون لـ"عربي21"، قالوا إنها قرارات تهدد حياة ملايين المصريين، ووصفوها بـ"غير الإنسانية"، واعتبروها امتدادا لقانون "الكيانات الإرهابية" في حرمانها المصريين من 9 من أهم حقوقهم ومصادرة أموالهم، محذرين من مسار حكومي خطير في هذا الاتجاه، وفلسفة عقابية جديدة تفاقم معاناة المصريين.

اعتراف حكومي مثير

واستند قرار وزير العدل، بتعليق استفادة المحكوم عليهم في قضايا النفقة من 34 خدمة حكومية في 10 وزارات إلى نص (المادة 293) من "قانون العقوبات" المعدلة بالقانون (رقم 6 لسنة 2020)، حول أحكام الحبس بسبب الامتناع عن دفع النفقة وأجر الحضانة والرضاعة، ما يمنحه حجة قانونية للتنفيذ.

وفي أول رد فعل لها ثمنت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، قرار وقف الخدمات الحكومية للمحكوم عليهم بالنفقة، وأكدت أنه جاء ترجمة لنتائج لقائها ووزير العدل قبل شهر رمضان، والذي تطرق لعدد من الموضوعات منها "صندوق نظام تأمين الأسرة" التابع لـ"بنك ناصر الاجتماعي".

اظهار أخبار متعلقة


وقبل لقاء مايا مرسي، ومحمود الشريف، كانت وزيرة التضامن قد ترأست في 26 كانون الثاني/يناير الماضي، اجتماع مجلس إدارة "صندوق نظام تأمين الأسرة"، ومناقشة قوائمه المالية للعام المالي الحالي، وشددت على ضرورة تحسين الموقف المالي للصندوق بما يضمن استدامة موارده، لتجتمع مع وزير العدل في 18 شباط/فبراير الماضي، والذي أصدر قراراته 10 آذار/مارس الجاري، ونُشرت بالجريدة الرسمية، الأحد الماضي.

وهنا يشير متابعون إلى دور وزيرة التضامن، في القرارات السابقة، ملمحين إلى أن "تصريحها الأخير يمثل اعترافا حكوميا كاشفا عن أن هدف تلك القرارات هو إجبار الأزواج السابقين على دفع المتأخرات وبالتالي زيادة موارد الصندوق"، الذي لم تتوصل "عربي21"، لقوائمه المالية، والذي أنشئ عام 2004، لضمان صرف نفقات العدة، والمتعة، ومصاريف التعليم للزوجة، والمطلقة، والأبناء حال امتناع الملزم بالنفقة عن السداد.

ويؤكد الرؤية القائلة بأن هدف منع 34 خدمة يأتي لابتزاز مصريين ولدعم الصندوق هو أن الحصيلة المالية لذلك الصندوق تأتي من المبالغ التي يلتزم الزوج بدفعها كنفقة تنفيذا للقانون (رقم 11 لسنة 2004)، إلى جانب حصيلة الاشتراكات والرسوم المفروضة على وثائق الأحوال المدنية (زواج، طلاق، ميلاد، وفاة).

وتواجه مصر أكبر أزماتها المجتمعية مع تفاقم نسب الطلاق في عهد السيسي، إذ ارتفعت بنسبة 35 بالمئة خلال 10 سنوات من 180 ألف حالة عام 2014، إلى 274 ألفا عام 2024، لتحتل البلاد الترتيب الـ 15 في نسب الطلاق عالميا، وتسبق في ذلك الهند أكبر دول العالم سكانا، حيث يبلغ معدل الطلاق من إجمالي الزيجات، نحو 30 بالمئة.

وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أكدت النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، ارتفاع حالات الطلاق إلى 3.1 بالمئة؛ حيث بلغ عددها 273.892 ألف حالة مقابل 265.606 ألفا عام 2023، ما يرجعه خبراء لأسباب عديدة بينها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وصعوبة الأحوال المعيشية مع زيادة معدلات الفقر والبطالة وتراجع الدخول والقيمة الشرائية للجنيه والتضخم والغلاء.

زبون وجب استنزافه

وفي رؤيته لدور مثل تلك القرارات الحكومية في تفاقم أزمات المصريين، تساءل السياسي المصري المعارض محمد حمدي: "من قال إن النظام في مصر يستمع إلى مشاكل المواطنين ويسعى لحلها؟"، مجيبا بقوله: "المواطن ليس في حسابات الدولة، وهو بالنسبة لها مجرد (زبون) يحاول النظام استنزافه بكل ما أوتي من قوة ويجرده من حقوقه بأي حجة تخفف من أعباء الدولة".

نائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، وفي حديثه لـ"عربي21"، تساءل مجددا "ما علاقة تلك القرارات بأشخاص عليهم أحكام أسرية أو غيرها؟"، موضحا أن "الفكرة هنا أن عدد قضايا الأسرة في مصر آخر 10 سنوات وصل قرابة 7 مليون قضية، بينهم 3 ملايين قضية نفقة فقط، في حين يبلغ متوسط قضايا الأسرة ومنها النفقة سنويا من 700 إلى 800 ألف قضية".

ولفت إلى النتيجة من هذا القرار تكشف عن الهدف منه مبينا أن "تطبيق القرار يعنى رفع دعم التموين عن ملايين المصريين في وقت واحد بحجة تلك القضايا"، ملمحا إلى أن "الحرمان من استخراج رخصة مهنية أو تجديدها يعد تعمد إفقار وبطالة، فإن حرمان المواطن من خدمات مرافق مثل تركيب العدادات الجديدة، يجبر المواطن على استخدام الممارسة يعني دفع شريحة أعلى للكهرباء".

وأكد أن "القرار الذي قدمه وزير العدل لم يقدم شيئا؛ ولكن خفف عن الدولة الأعباء وسلب حقوق المواطن؛ ولكن الغريب هنا هو خروج بعض الألسنة النسوية التي وصفت القرارات بأنها إنصاف لحقوق المرأة ولا أعرف ما هي الاستفادة للمرأة من هذه القرارات، التي تأتي لخدمة النظام على حساب المواطن".

اظهار أخبار متعلقة


ويرى أنه "أصبح من الواجب أن تكون هناك وقفة حاسمة متصاعدة حال التجاهل ضد تلك القرارات ويجب إعادة النظر في العديد من قوانين الأسرة التي أغلبها حولت الأب إلى شيطان وجعل المرأة متحكمة بكل ما يخص الأبناء دون النظر لحقوق الأب؛ والنتيجة للأسف تقع بالسلب على الأطفال ثم يخرج علينا جيل ضحية لقرارات غير مدروسة يرعاها فاسدون".

غضب الآباء

وعلى الجانب الآخر، تظاهر عدد من الآباء المصريين أمام مقر "مجلس الدولة" بالقاهرة للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية، وتطبيق نظام استضافة الأبناء بدلا من الرؤية، وتغيير ترتيب أولوية حضانة الطفل، ليصبح الأب هو الثاني في قائمة الترتيب بدلا من الجدة، وهي الأزمة التي يعاني منها أغلب الأزواج المطلقين.

وكان مسلسل "كان ياما كان" في النصف الأول من شهر رمضان للممثل ماجد الكدواني، والممثلة يسرا اللوزي، قد عرض لتلك الأزمة، مشيرا للأزمة النفسية التي يعاني منها الأب مع منعه من لقاء ابنته أو الحديث معها، وذلك إلى جانب قضية النفقة وابتزاز الزوج ومحاولة الحصول على شقته وسيارته، وفق أحداث العمل.



عرض ذلك العمل المكون من 15 حلقة مثل دافعا لبعض الآباء المتضررين للمطالبة بحقهم في رؤية أبنائهم، في حضانتهم، ولأزمة النفقة، ليتفاجأ الجميع بقرار وزير العدل السابق، والذي أحدث ضجة وجلبة ونقاشات واسعة عبر مواقع التواصل.

قرار مجحف

وفي حديثه لـ"عربي21"، يقول صحفي مصري منفصل عن زوجته منذ 9 سنوات، إن "تعديلات القوانين أتت على كل رجل قرر اتخاذ قرار الطلاق أو أُجبر عليه، فبين تعرضه للحبس والإهانة وعشرات القضايا الملفقة ودفع مبالغ لا يقدر عليها لا يستفيد منها أولاده بل يتم دفعها للمحامين ليقيموا قضايا جديدة ضددنا، وحتى أزمة الحضانة".

وتساءل: "كيف أترك ابنتي وهي في عمر المراهقة ليربيها زوج أمها؟"، مبينا أن "القانون يعطي الجدة للأم الحق في الحضانة بعد زواج الأم، ويتم التحايل ويعيش الأبناء مع زوج الأم بينما الأب محروم من الرؤية الشهرية".

اظهار أخبار متعلقة


ويضيف: أفاجأ كل فترة بقضية جديدة برفع النفقة الشهرية، وفي المقابل لا أستطيع دفع كل المطلوب مني، لأنه أصبح لدي بيت جديد وزوجة وابنة جديدة، وفي ظل هذا الغلاء كيف لي أن أفتح بيتين في وقت واحد".

باب لانتقام المطلقات

ويقول المحاسب مصطفى (30 عاما): "لم أر ابني ولم أجلس إليه أو ألعب معه منذ 5 سنوات، وحدثت مشكلات كثيرة بسبب الرؤية، وجلسنا جلسات عرفية لحل الأزمات وبينها النفقة، التي أقوم بدفعها بانتظام لوسيط، لكني بعد زواجي بزوجة جديدة فوجئت بعشرات القضايا منها عدم دفع النفقة".

ويضيف لـ"عربي21": "حاولت الحصول على مستندات تؤكد دفعي النفقة طيلة تلك السنوات ولم أجد، وتم الحكم علي بالحبس، واضطررت لدفع النفقة كاملة مرة أخرى في المحكمة".

ويشير إلى أن "النفقة هي الباب الخلفي لانتقام المطلقات من الأزواج السابقين"، منتقدا ما صدر من قرار إداري، ومؤكدا أنه "يعيد زرع الفتنة بين المطلقين ويدفع الزوج لرفع قضايا ومضايقة طليقته".

أشبه بقانون الكيانات الإرهابية

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، انتقد المحامي الحقوقي خالد علي، قرار وزير العدل، مؤكدا أنه جاء "تأكيدا لفلسفة عقابية بدأت في مصر منذ عام ٢٠١٥"، مشيرا إلى "آثاره الاجتماعية والسياسية ومدى ترسيخه لفلسفة عقابية يبدو أن المشرع المصري سيتوسع فيها تدريجيا".

وأكد أن "الإشكال يبدأ عندما تتحول وسيلة تنفيذ حق النفقة للزوجة والأولاد إلى آلية عقابية ممتدة قد تتجاوز غرض استيفاء الحق"، مضيفا: "وقد يكون حرمانه من هذه الخدمات يؤدى إلى تعجيزه عن الوفاء بالدين وليس العكس، وربما تعوق قدرته نفسها على الكسب والسداد"، مطالبا بـ"التمييز بين الضغط المشروع لتنفيذ حكم النفقة، وبين التوسع العقابي غير المتناسب".

اظهار أخبار متعلقة


وأشار إلى أن خطورة القرار "تمتد إلى ما يمكن أن يؤسس له من منطق تشريعي وإداري جديد في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن: منطق تصنيف المواطنين بحسب مدى امتثالهم المالي أو القضائي، وربط تمتعهم بالخدمات العامة بسلوكهم الشخصي أو مديونياتهم".

وبين أن "هذه الفلسفة العقابية تبناها المشرع المصري في قانون الكيانات الإرهابية (رقم ٨ لسنة ٢٠١٥) عندما رتب ٩ آثار خطيرة على هذا إدراج المواطنين على قائمة الإرهابيين".


وانتقد الحقوقي هيثم أبوخليل، القرار مؤكدا أن "من صدر ضده حكم نهائي بقضايا النفقة أو قضى محكوميته أخذ عقوبة ودفع الثمن"، مشيرا إلى أن "استحقاقات العدالة تقتضي أن تنتهي العقوبة بانتهاء مدة المحكومية"، واصفا الأمر بأنه "إعدام مدني وحصار اقتصادي وسد لأبواب الرزق يدفع السجناء للعودة للجريمة"، مشددا على أن "العدل هو التقويم وليس الانتقام".


التعليقات (0)