كاتب إسرائيلي: صراع اليمن يكشف تصدع "محور الحلفاء"

انهيار وهم “المحور العربي”.. اليمن كنموذج لفشل سياسة التحالفات - جيتي
انهيار وهم “المحور العربي”.. اليمن كنموذج لفشل سياسة التحالفات - جيتي
شارك الخبر
يرى الكاتب والمحلل الإسرائيلي تسفي برئيل، في تحليل نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن التطورات الدراماتيكية التي شهدها اليمن خلال الأيام الماضية لا تمثل مجرد اشتباك عسكري عابر، بل تكشف بوضوح انهيار فكرة “المحاور” التي لطالما راهنت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، وتفضح وهم التحالفات الصلبة، سواء في مواجهة إيران أو في إطار اتفاقيات أبراهام.

ويربط برئيل هذه التطورات بلحظة إقليمية شديدة الحساسية، إذ تزامنت مع لقاءات كان يجريها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه، لبحث ملفات غزة وسوريا ولبنان وسائر جبهات الحرب المفتوحة، بينما كانت “دراما غير مألوفة” تتفجر في اليمن.

هجوم سعودي على سفن إماراتية

بحسب برئيل، بدأت الأزمة عندما شنت السعودية هجوما على سفينتين إماراتيتين كانتا تنقلان أسلحة ومعدات عسكرية ومركبات مخصصة لميليشيا الحوثي، التي تسيطر على مناطق واسعة في جنوب اليمن. ويصف الكاتب هذه الخطوة بأنها نقطة تحول غير مسبوقة في مسار العلاقة بين الرياض وأبوظبي.

وفي تطور لافت، وبناء على تعليمات مباشرة من السعودية، أصدر رئيس المجلس القيادي الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قرارا يطالب فيه الإمارات بسحب قواتها من اليمن خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة، مع الإعلان عن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.

ورغم انسحاب القوات الإماراتية رسميا، يؤكد برئيل أن الفصائل الموالية لها، والمتمثلة في الميليشيات المنظمة تحت مظلة “المجلس الانتقالي الجنوبي”، سارعت إلى السيطرة على قواعد عسكرية ومطارات ومنشآت مدنية في محافظة حضرموت.

وفي يوم الجمعة الماضي، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي بيانا وصفه الكاتب بـ“الدستوري”، أعلن فيه قيام “دولة جنوب الجزيرة العربية”، بحدود تتطابق مع حدود جنوب اليمن قبل الوحدة مع الشمال عام 1990، في خطوة اعتبرها برئيل إعلانا صريحا للانفصال.

غارات سعودية وتراجع الانفصاليين

ردا على هذا الإعلان، شنت القوات الجوية السعودية غارات جوية على مواقع الانفصاليين، بينما تحرك الجيش اليمني باتجاه حضرموت لاستعادة السيطرة. وبحلول ظهر السبت الماضي، أعلنت الحكومة اليمنية أن قوات المجلس الانتقالي بدأت الانسحاب نحو معقلها في مدينة عدن الساحلية، مع عودة المطارات والمنشآت العسكرية إلى سيطرة الحكومة.

لكن برئيل يشدد على أن مدى إحكام الجيش اليمني سيطرته على تلك المناطق لا يزال غير واضح، كما أن مستقبل الصراع بين الحكومة المعترف بها دوليا والمجلس الانتقالي الجنوبي ما زال مفتوحا على احتمالات متعددة.

ويرجح الكاتب أن تكون الخطوة التالية عقد قمة في الرياض، تجمع الأطراف المتصارعة للتفاوض حول مستقبل اليمن، وتوزيع الموارد، والمناصب الحكومية، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تحول الانقسام إلى تقسيم دائم، رغم أن موعد القمة لم يحدد بعد.

غير أن الأزمة، بحسب برئيل، تكشف بوضوح اتساع الهوة بين السعودية، الداعمة لوحدة اليمن والحكومة المعترف بها، والإمارات التي تؤيد الطموحات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي.

اظهار أخبار متعلقة


حلفاء على الورق فقط

ويذكر برئيل بأن السعودية والإمارات تعدان شريكتين استراتيجيتين داخل مجلس التعاون الخليجي، وترتبطان بعلاقات تجارية تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، كما تصنفان كحليفين وثيقين للولايات المتحدة وركيزتين في ما يعرف بـ“المحور الموالي للغرب” في الشرق الأوسط.

وقد خاض البلدان معا الحرب ضد الحوثيين ضمن التحالف العربي الذي أطلقته الرياض عام 2015، بدعم أمريكي وأوروبي، بهدف دحر الحوثيين وإعادة تشكيل السلطة في اليمن.

لكن الكاتب يحذر من الافتراض المضلل القائل إن القرب الجغرافي أو الانتماء السياسي كفيل بصناعة كتلة استراتيجية متجانسة ذات أهداف موحدة.

ويعتبر برئيل أن اليمن يمثل المثال الأوضح على فشل نهج “المحاور” الذي تبنته واشنطن وتل أبيب لعقود، وينسحب هذا الفشل – بحسبه – على اتفاقيات أبراهام، التي روج لها باعتبارها قادرة على بناء تحالفات عسكرية صلبة وحزام أمني إقليمي موحد.

ويخلص إلى أن كل من يبحث عن “محور عربي موحد” في مواجهة إيران، عليه أن يتأمل المشهد اليمني بعمق.

من الربيع العربي إلى سيطرة الحوثيين

ويستعرض الكاتب جذور الأزمة، مشيرا إلى أن الربيع العربي أطاح بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح عام 2012، بعد أكثر من عقدين من حكم اليمن الموحد، إلا أن الحراك الشعبي فشل في بناء بديل ديمقراطي في دولة يغلب عليها الطابع القبلي.

وفي أقل من عامين، تمددت حركة الحوثيين، مستفيدة من ضعف الدولة وغياب جيش وطني فعال، وسيطرت بالقوة على نحو 40% من الأراضي اليمنية، التي تضم قرابة 60% من السكان، بما في ذلك العاصمة صنعاء عام 2014.

بعد ذلك بعام، شن وزير الدفاع السعودي آنذاك محمد بن سلمان الحرب على الحوثيين، ضمن تحالف عربي واسع ضم الإمارات ومصر والكويت والبحرين والسودان والصومال، بدعم أمريكي وأوروبي.

لكن برئيل يوضح أن مصطلح “التحالف” كان فضفاضا، إذ تقلص تدريجيا حتى اقتصر فعليا على القوات الجوية السعودية والإماراتية، بما فيها مرتزقة كولومبيون استأجرتهم أبوظبي.

ورغم التفوق العسكري الهائل، وانتهاء الحرب بمقتل أكثر من 150 ألف شخص، ووفاة 250 ألفا بشكل غير مباشر، انتهت المواجهة بهزيمة واضحة للسعودية وحلفائها، مع بقاء الحوثيين مسيطرين على مناطقهم.

الإمارات تغير بوصلتها

ويشير برئيل إلى أن الإمارات بدأت سحب قواتها من اليمن عام 2019، بعد هجمات الحوثيين على مطار أبوظبي، وتصاعد الضغوط الأمريكية، حتى وصلت إلى حد التهديد بفرض عقوبات على الرياض وأبوظبي.

في الوقت نفسه، فتحت الإمارات قنوات تواصل اقتصادي مع إيران، ظنا منها أن ذلك سيحد من خطر الحوثيين، لكن هذا الرهان فشل، إذ شن الحوثيون هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على أبوظبي مطلع 2022.

ويرفض برئيل اختزال الحوثيين في كونهم أداة إيرانية خالصة، رغم اعتمادهم الكبير على الدعم العسكري الإيراني، مؤكدا أن أولويتهم الأساسية هي ترسيخ سيطرتهم داخل اليمن وتوسيع نفوذهم.

وفي المقابل، يلفت إلى أن الجيش اليمني الموالي للحكومة ضعيف ومنهك، وولاءات جنوده قبلية أكثر منها وطنية، بينما تهيمن على أجزاء أخرى من البلاد ميليشيات، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي.

اظهار أخبار متعلقة


باب المندب… جوهر الصراع

ويخلص الكاتب إلى أن ما يجري في اليمن ليس صراعا محليا فحسب، بل مواجهة استراتيجية غير مباشرة بين السعودية والإمارات للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب وخليج عدن ومحور غرب المحيط الهندي.

ففي حين ترى السعودية أن دولة يمنية موحدة تضم الحوثيين هي السبيل الوحيد لضمان أمن الملاحة وأمنها القومي، تعتمد الإمارات استراتيجية معاكسة، تقوم على تفكيك الدولة ودعم ميليشيات محلية تضمن لها السيطرة على الموانئ والجزر الحيوية، بما في ذلك جزيرة سقطرى، حيث تشير مصادر أجنبية إلى وجود قاعدة إسرائيلية تحت حماية إماراتية.

من اليمن إلى السودان والصومال

ولا يقتصر هذا النهج، بحسب برئيل، على اليمن فقط، إذ تدعم الإمارات قوات الدعم السريع في السودان، وتعد الداعم الأبرز لصوماليلاند الانفصالية، التي لا تعترف بها سوى إسرائيل.

ويختتم برئيل تحليله بالتأكيد على أن أحداث اليمن الأخيرة تثبت عمليا أن ما يسمى بـ“المحور المشترك” ضد الحوثيين غير موجود، فالسعودية لا ترغب في العودة إلى الحرب، والإمارات لا ترى في الحوثيين تهديدا استراتيجيا مباشرا، فيما نجحت الجماعة في فرض نفسها كأمر واقع إقليمي، خاصة بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة في أيار/مايو 2025.
التعليقات (0)