مقالات مختارة

الأردن بين "انتحارين": سلاح الجغرافيا

بسام بدارين
عربي21
كلما سألنا الرسميين الأردنيين عن العقدة الإسرائيلية قيل لنا إنها مسألتان:
الأولى – إن الرهان الرسمي والبيروقراطي على الكيان العميق فيما يسمى إسرائيل وليس على الحكومات بصرف النظر عن تطرفها وتشددها.
الثانية – إن المساعدات الأمريكية للاحتفاظ بها، مادامت اليتيمة والوحيدة اليوم، لا بد من البقاء في علاقة ود مع الكيان، وتلك المساعدات لا تتيح للأردن الرسمي مساحة مناورة في المتطلبات الجماهيرية مثل التقارب مع فصائل المقاومة أو الصدام مع الإسرائيليين.
يحتاج الأمر لنقاش تفصيلي أكثر، فالخضوع لشروط وقيود العلاقة مع إسرائيل ثم المساعدات الأمريكية مسألة باتت تحتاج إلى تأمل وطني وعميق أكثر، ولا يصلح القول بنقد الموقف الرسمي الأردني فقط بدون تقديم خيارات وسيناريوهات وبدائل.
من يطالبون الدولة الأردنية اليوم بالانتباه للانقلاب الإسرائيلي، قد ينطوي واجبهم المباشر بعد الآن على تقديم تقييم شامل من الفواتير والنتائج والتداعيات. وأضم صوتي للقائلين بأن من يقترح مواجهة إسرائيل اليوم عليه أن يضع أساسا للمشاركة في الخسائر والنتائج. ومن يقترح الاستغناء عن المساعدات المالية الأمريكية السنوية قائلا بأن الشعب الأردني مستعد لشد الحزام وأكل التراب مقابل الكرامة والحرية، واجبه أن يجري استطلاعا عاما للتوثق من سردية أكل التراب، فغالبية كبيرة من المواطنين اليوم تعيش في مأزق وضيق أصلا والأحزمة مشدودة من تلقاء نفسها.
قد لا يصلح القول بمطالبة الأردن الرسمي بمغامرة انتحارية فكرتها الانقلاب التام على الإسرائيلي والمجازفة بالحد الأدنى بالمساعدات الأمريكية لكن لا يصلح بالمقابل وضع القيادة أمام خيار استراتيجي واحد فتلك صيغة أقرب إلى خيانة.
ولا يصلح القول بأن الأردن عليه التمرغ دوما في الوحل الإسرائيلي، فذلك أيضا انتحار محتم يمس بكل ما هو مقدس ووطني ويستهدف قبل الشعب الدولة نفسها.
لو كانت أي حكومة بين انتحارين أي منهما ستختار؟
من يتصور بأن مواجهة إسرائيل بحلتها اليوم على أساس الدفاع عن المصير الوجودي عليه أن يؤسس مقاربة في إطار المواجهة تشمل الجميع ويحدد فيها كيف ومتى ولماذا؟
ومن يزعم بأن العمق الإسرائيلي سيبقى شريكا وسيحترم الثوابت الأردنية ولن يتغير، ينكر الحقائق والوقائع والاستمرار في إنكار المخاطر هو أقرب زاوية ممكنة فعلا وحقا للانتحار أيضا. لا مبرر للجلوس بين انتحارين.
المواقف السياسية في الدفاع عن الوطن والدولة والثوابت ليست خيارا أصلا، وقد تكون مكلفة أحيانا لكن الضغط على صانع القرار في اتجاهات غير متزنة ومجازفة بالمقابل تمهيد لمغامرة غير محسوبة أقرب إلى جدع الأنف، حتى بعد اكتشاف كبار الساسة وصناع القرار بأن عملية السلام ومعها اتفاقية وادي عربة أوهن من بيت عنكبوت.
وليس صحيحا أنهما تضمنان حدود المملكة الأردنية الهاشمية، وليس صحيحا أيضا أنهما ضامنتان اليوم لعدم التفكير بالوطن البديل أو لمنع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردنيين.
الموقف صعب ومعقد وقصة الشراكة مع العمق الإسرائيلي تحتاج لنقاش الآن، ليس لأن هذا العمق انقلب أو قد ينقلب لاحقا، ولكن لأن التقارير العميقة الرسمية قالت وتقول بأن اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يرفع خارطة المملكة باعتبارها جزءا من إسرائيل الكبرى زحف وانتهى على مواقع ومفاصل القرار في الكيان العميق، سواء فيما يسمى بعصابة جيش الدفاع أو في الأجهزة الأمنية الثلاثة المعروفة.
مواجهة العملاق الإسرائيلي المجرم طبعا انتحار، لكن السكوت والتواطؤ عن الحقائق والوقائع هو انتحار أيضا بطيء وذاتي.
شخصيا أصوت للرأي القائل بأن مصالح الأمريكيين التي يرعاها الأردن في المنطقة والإقليم لا تتطلب فقط استمرار ضخ المساعدات المالية والاقتصادية والعسكرية بل زيادتها أيضا شريطة وجود مفاوض وطني محترف في الإدارة. وتلك العلاقة الاستراتيجية الناتجة عن المساعدات وآفاقها ينبغي أن تتحول باحتراف ومهنية سياسية إلى ورقة بيد الأردني ضد اليمين الإسرائيلي المتحرش.
ذلك لن يكون انتحارا بل المطلوب من أجل إنجازه الاستعانة بأدوات محترفة من طبقة رجال الدولة وهي خطوة بالتأكيد لا يعيقها ولا يستطيع إعاقتها الكيان الإسرائيلي.
الإسرائيلي ليس سرا أنه يتعامل مع الأردن كجغرافيا سياسية فقط، لكن هذه الجغرافيا هي سلاح فتاك ومهم بيد الأردني، إذا ما أوصل رسائل واضحة الملامح يفهم من خلالها العمق الإسرائيلي بأن العبث مع الأردن مكلف وممنوع. ذلك أيضا لا يتطلب أكثر من وجود عمال مهرة لا يتشدقون بالإنكليزية والداتا شو فقط بل يحترفون إسقاط المصلحة الوطنية الأردنية وبقوة وثقة على الاتصالات والمفاوضات والصفقات مع الإسرائيلي أو الأمريكي أو غيرهما.
أول خطوة مهمة جدا لتجاوز المساحة الضيقة بين انتحارين هي التحرر من تلك المساحة.
ذلك عمليا وأوليا يبدأ بعد إدراك الحقائق المستجدة بإصلاح المؤسسة الأردنية في أعماقها ومداخلها، وبصيغة تعاظم من أوراق القوة، وتجعل الشعب طرفا في المفاوضات والاشتباكات بدلا من جلوسه على أرصفة الحيرة والتذمر.
القدس العربي اللندنية
التعليقات (0)