مقالات مختارة

المجموعات العربية المنهَكة: اختفاء النموذج

كمال القصير
عربي21

أن نصف الواقع من خلال علم الاجتماع، أفضل بكثير من أن نحلل التحولات الجارية فقط بأدوات السياسة المحدودة جدا.


نعم، ذهنية الجمهور الواسع وسلوكه أكبر من أي أداة تحليل أخرى. لكنْ، هناك تركيز شديد على بحث النتائج السياسية الخاصة بمرحلة ما بعد الثورات العربية، بشكل يفوق بكثير أي بحث حول سوسيولوجيا المجتمعات العربية، وردود الأفعال والنتائج السلوكية والنفسية للجمهور الإسلامي، بعد كل تلك التحولات التي أوصلته إلى حالة التعب والإنهاك. ويعود السبب في طغيان التحليل السياسي على التحليل بناء على المعطيات الاجتماعية والنفسية إلى ضعف أدوات علم الاجتماع في المنطقة، وميل الكثيرين إلى التحليلات اليومية السريعة. المنهوك في لغة العرب هو من تظهر عليه علامات الهزال وينتقص لحمه.

الهزال والإنهاك

ظهر الإنهاك على مجموعات كثيرة، تضم عددا من الفاعلين السياسيين والمثقفين الذين لم يعودوا قادرين على اقتراح أي شيء جديد على الناس في المنطقة.


إن كثيرا من الأدباء والشعراء المتعبين أيضا لم يعودوا قادرين على قول مثل ما كان يقول أقرانهم سابقا، ممن كانت تنعش قرائحهم حرارة القضايا الكبرى في المنطقة. نعم، لقد تغير المزاج الثقافي الناشط في المنطقة بعد الثمانينيات، من حالة التفاعل مع القضايا الكبرى، إلى حالة مرح ثقافي في معالجة الأوضاع والتحولات.


لم تنعم المجتمعات العربية بعد الاستقلال بلحظات راحة، ووضوح في الوجهة والهوية الوطنية والخيارات المستقبلية. حيث أُنهكت تدريجيا القوى الأساسية مثل اليسار ثم الإسلاميين.


لقد تضاعفت درجة الإنهاك بالنسبة للمجتمعات والقوى الفاعلة في المنطقة العربية، بسبب حالة الاستقطاب الشديد التي أفشلت خيار بناء نموذج توافقي بعد مرحلة الثورات. نعم، غياب الحلول والخيارات أمر يرهق الجميع.

تنشيط الشعور العام

لا بد من التأكيد أن حالة الإنهاك تشمل جميع القوى الفاعلة في المنطقة، سواء المجتمعات، أو الأنظمة والقوى المعارضة لها.


ويحدث في التاريخ بشكل دوري، أن تصل المجموعات والقوى على اختلاف أفكارها ومواقعها إلى لحظة التعب، بعد سلسلة من المعارك السياسية والفكرية. تكون تلك المجموعات قد فقدت خلالها كثيرا من قدراتها وإمكاناتها لإحداث أي تقدم في وضعها.


إن كثيرا من المجموعات الإسلامية المنهكة حاليا، لا تقوم بأي جهود لإعادة استرداد قوتها وأنفاسها، بل على العكس تتجه نحو الانقسام والتفتت. في حين نلاحظ أن المشهد قد أنتج لنا نوعا من ”السلفية المعتزلة”، التي لم تتعرض للتحطيم في عدد من الدول، حيث نال منها التعب من غير مبرر مقنع. لقد كان السلفيون يتمتعون بقدرات كبيرة على إنهاك خصومهم وإتعابهم، وفي حين أصبحت مجموعات منهم منهَكة، فقد باتت مجموعات أخرى منهم ”مُنتهِكة”، تنتهك التوافق في المنطقة.


إننا لم نسمع عن مراجعات جادة لنتائج المراحل السابقة، تصلح لقيام أي نقاش حقيقي حول رؤية المستقبل. والحقيقة أن المراجعات لن يكون لها فائدة كبيرة، إن لم تول الاهتمام بإعادة تنشيط الذهنية والشعور الجمعي للناس في المنطقة.


الدول بأجهزتها ينال منها التعب أيضا، بل إن المجتمعات تنال حظها الوافر من الإنهاك، وينعكس ذلك على سلوكها، حيث تستحوذ ثقافة اللامبالاة على المساحة الأكبر من ذهنية المجتمعات.


وعندما يحس الناس بالتعب، فإن أول ما يفعلونه هو الدخول في مرحلة استراحة وخمول، وانشغال بكل ما هو غير جدي. عندما يصاب الناس بالإنهاك فاعلم أن عودتهم إلى وضع النشاط يستغرق وقتا ليس بالقليل. إن جملة “لقد تعب الناس” أساسية في فهم تاريخ المجتمعات وحركتها، خاصة إذا كان هناك من يدفع نحو إحداث المزيد من حالة الإنهاك، مع افتقاره إلى أي نموذج للمنطقة.

سيطرة اللانموذج

في لحظات تاريخية معينة، قد تختفي الأيديولوجيات التي تعتبر مجرد قراءات وتأويلات للدين والواقع وحركة التاريخ. ويصبح البديل هو مجموعة أفكار فرعية، لتدبير المرحلة إلى حين ظهور أفكار كبرى قادرة على خلق تيار اجتماعي حولها. لكن مشكلة الأفكار الفرعية السائدة حاليا، هي أنها لا ترقى إلى مستوى وقيمة النموذج من حيث التأثير وخلق شعور ذهني ونفسي لدى الناس.


بعد الثورات العربية التي أحدثت من الفوضى ما لم تحدث مثله من التغيير، خرج الجميع منها منهكا، سواء الأنظمة أو القوى المعارضة لها. لا أحد في المنطقة بإمكانه أن يقترح أفكارا جديدة، ولا أحد حاليا يمتلك نموذجا يمكن أن يعيد تنظيم الاجتماع الإسلامي الكبير. الجميع يشعر بالإنهاك، سواء المجموعات الإسلامية التي فقدت جاذبية نموذجها عقب انخراطها في مسار الثورات، أو القوى المعارضة للثورات، التي في الحقيقة لا تمتلك نموذجا، لكن فكرتها الأساسية هي إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.


لا يمكن أن تكون الثورات المضادة استثناء من حالة الإنهاك العام، فهي في النهاية في حاجة أيضا إلى نوع من الاستقرار. إنها لم تنجح حتى اللحظة في اقتراح الجديد، رغم المساحات الواسعة والفراغ الكبير الذي تركته القوى الإسلامية المنهكة أو المحطمة. هي نفسها لم تستثمر غياب القوى الثورية. وبعد أكثر من عشر سنوات لم تقم باقتراح أي بديل لأيديولوجيا الإسلاميين، التي تمت إزاحتها من المشهد. حيث كانت هذه الأيديولوجيا هدفا دائما للنقد.


لازالت أدوات السياسات الدينية في المنطقة بشكلها التقليدي مفتقرة إلى الجاذبية؛ حيث تمضي بوتيرة وسرعة ما قبل الثورات، بمضمون فكري أقل وأضعف تأثيرا وجاذبية لشعوب المنطقة. وحتى بعض الأفكار التي تروج في المنطقة لا يصح وصفها بالنموذج الثقافي أو الديني، بسبب جدليتها ونتائجها الانقسامية، والأهم ضعف رموزها الشخصية وجاذبيتهم.


الناس في المنطقة الآن لا يستقبلون أفكارا جديدة، لا في السياسة ولا في الدين والثقافة. كان الناس في السابق يسمعون من اليسار كلاما، ومن الإسلاميين كلاما، ومن الأنظمة كلاما. لم يعد أحد يسمع كلاما من أحد.

مشكلة النموذج

بعد فترة إنهاك كبيرة بفعل مواجهة الاستعمار في المنطقة، وُلد نموذج تحرري ورؤية لإعادة بناء الدولة العربية واستقلالها الاقتصادي والسياسي، شاركت فيه النخب السياسية والفكرية. وبعد حرب 67 كان النموذج العام في المنطقة يتأسس على مواجهة إسرائيل.


وبعد عام 1990 واتفاقيات السلام العربي الإسرائيلي، أصبح النموذج السائد في الخطاب السياسي في المنطقة هو ضرورة الانخراط في عملية السلام.


في كل التحولات التي ذكرنا كانت فكرة النموذج حاضرة في المنطقة، لكن بعد الثورات العربية لم ينشأ شيء جديد بعد أكثر من عشر سنوات يستحق أن يسمى نموذجا، سواء اتفقنا معه أو عارضناه. وبعد كل الصراعات الداخلية التي نشأت في السنوات الماضية، أصبحت فكرة الديمقراطية نفسها كنموذج فاعل في إدارة المجتمعات، بالغة الغموض في مخرجاتها، ومدى كفايتها وقدرتها على تنظيم الاختلاف.


نحتاج في مقام الحديث عن الذهنية الإسلامية العامة في المنطقة، أن ندرك أن الإيمان بالسلام والديمقراطية والحرية والتعددية ليس تحليلا سياسيا، لكنه اقتناع نفسي وبنية شعورية، قبل أن يكون قرارا عمليا تلتزم به المجموعات الفاعلة في المنطقة.


إن ما يجعل الجيل الإسلامي الحالي في المنطقة منهكا، قضايا عديدة؛ على رأسها تردي أحواله الاجتماعية والنفسية، وفقدان الأمل في نموذج ناجح اجتماعيا واقتصاديا. القضايا التي تصيب النخب السياسية والثقافية بالتعب ليست نفسها ما يصيب الناس العاديين بالإنهاك. كثير من التحولات الكبيرة التي تبدو سياسية هي في حقيقتها لحظة نفسية وشعور جماعي، يوجه الناس نحو غاية محددة. الناس لا يحللون الواقع سياسيا، بل يتفاعلون معه ذهنيا وشعوريا.


لا شك أنكم تتذكرون مقولة ذلك الرجل التونسي “هرمنا من أجل هذه اللحظة” التي اختزلت حالة شعورية. إنها كلمات تفوقت على باقي الشعارات السياسية التي طبعت المرحلة. لكن الكثيرين يعلمون أن نفس ذلك الرجل بعد مدة بات لا يشعر بتأثير وقع تلك الكلمات نفسها في خضم الفوضى والفشل.


إنه ببساطة أصبح منهكا؛ ذلك أن الكلمات السائدة لحظة التحولات كلمات مستوحاة من القاموس الاجتماعي لا السياسي.

 

نقلا عن "القدس العربي"

 

0
النقاش (0)