قضايا وآراء

الإساءة للرموز الدينية: ما نفع التنديد بها؟

نزار السهلي
عربي21
بين فترة وأخرى، يجري اختبار ردود الفعل التي تعقب عملية المس بالإسلام وبالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ التي يلجأ إليها تيار عنصري في مشارق الأرض ومغاربها، أو التجرؤ على حرق القرآن الكريم. لم تقتصر عملية الاختبار عند حدود أكاذيب "حرية الرأي والتعبير" ولا التحريض العنصري الصادر عن مؤسسات دولية في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا وآسيا، بل شملت استهدافا مباشرا للأقليات المسلمة في مناطق عدة حول العالم، ارتفعت وتيرتها في الاستهداف المباشر للأقلية المسلمة في الإيغور الصينية وميانمار والهند.. مذابح وجرائم على الهوية بسبب الانتماء الديني، أودى بعشرات آلاف الضحايا في ظل صمت عربي وإسلامي عن هذه الانتهاكات المستمرة، وبعد الجدل المستمر حتى يومنا في أماكن عدة حول العالم عن ارتداء الحجاب وما يرافقه من فوبيا "الإسلام والإسلاموية".

لم تحسم المسألة التي تثور سياسيا وإعلاميا، بعد كل استهداف مسيء للإسلام والمسلمين، إن كان بالكاريكاتير أو بالمواقف العنصرية والعدائية التي تغذي روح التطرف والتعصب، لتدخل المواقف السياسية باتجاه معاكس ومناقض لمصالح العرب والمسلمين، وهو ما يجعل المسألة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه المواقف ضد تغريدة أو موقف سياسي أو سلوك إجرامي، في الهند أو الصين وميانمار، أو في فلسطين التي شكلت على الدوام الاختبار الفعلي لردود الفعل حول ما يتعرض له أبناؤها، مسلمون ومسيحيون وأصحاب أرض، لشتى أنواع الجرائم، وقاسمها المشترك الأيديولوجيا العنصرية.

فالمعزوفة العنصرية التي أدتها المتحدثة الرسمية باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ضد زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تتصل مع نشيد متواصل وعالٍ في باحات المسجد الأقصى، ويرددها المستوطنون كل صباح في شعار "الموت للعرب وللمسلمين"، وتتعالى الهتافات التلمودية ضد الفلسطينيين والعرب من على مدرجات كرة القدم في "إسرائيل"، وهي مرتبطة بالتعاليم العنصرية والفاشية التي تقام أيضاً في مدن وعواصم عربية؛ فتحت منابرها لهذا التحريف الخاص بتزوير التاريخ.

التعبير عن الغضب والشجب والإدانة ضد الإساءة للنبي، لن توقف الإساءة، كما أن التعبير عن الغضب من استهداف الضحايا المسلمين والعرب من قبل المشروع الصهيوني لم يستطع إيقافه أو لجم عدوانه. ومن الخطأ تفسير موجة العداء للمسلمين والعرب في الغرب والشرق على أنها مسألة تتعلق فقط بضغوط أحزاب يمينية وعنصرية، فالمسألة ليست وليدة اليوم بقدر ما أنها موغلة في القدم لعقود طويلة، وتتعلق ببنية الأنظمة الحاكمة في بلاد العرب والمسلمين ونظرتها الحالية لمجتمعاتها التي تعاد فيها صياغة التعاليم الدينية وفق الرغبات السياسية الحاكمة.

فمن السهل في هذه المجتمعات أن يوفر النظام الحاكم منابر وتجمعات وثقافة لا تسيء فقط للرموز الدينية ومعتقدات البشر، بل للنيل من الذات الإلهية، والطعن بمعتقدات البشر ووصفها بأقذع الأوصاف أقلها "الإرهابية"، بينما من الصعب أن تجد مواطناً في بلاد العرب والمسلمين يوجه نقداً لرجل المخابرات العربي أو للحاكم أو أنجاله ويبقى على قيد الحياة أو خارج الزنازين.

توفير مناخ العداء ومن ثم توفير بيئة للجرائم والتحطيم للمجتمعات العربية الإسلامية، أعطى أعداء العرب والمسلمين الجرأة القصوى، ليس بالتمادي على رموزهم الدينية فقط، بل النيل من كل موروث إسلامي أو وطني واجتماعي.

وفي الاستبداد والطغيان حقل شاسع للتجارب المعاصرة، وفي سوريا على سبيل المثال والحصر خط جيش الأسد على جدران المساجد التي اقتحمها ودمرها فوق رؤوس اللاجئين إليها: "سيسقط ربكم ولن يسقط الأسد". وفي مصر أيضاً على سبيل الحصر، يُتهم ثلاثة أرباع المجتمع بـ"الإرهابي الإخواني"، وتحت هذه التهمة يقدم النظام فهلوته لتغيير كتاب الله وسنته، وما إلى ذلك من انتهاكات واسعة بحق العقيدة ومن يتبعونها.

الإساءة للنبي سبقها انتهاك فظيع لأتباع النبي، وجرائم أفظع لأتباع الوطن وسكانه، وتُمارس المؤسسة الصهيونية جرائم قتل وتطهير عرقي، على مرأى ومسمع من يرفع شعارات الشجب والتنديد بالإساءة، لأن المصالح الصهيونية والغربية لم ولن تتضرر مع أنظمة تمتلك نفس الأهداف والسياسات التي تسهل وتمرر العدوان، وبعضها أصبح يتبنى الأساطير التلمودية ويسمح لرسلها بإلقاء خطب الجمعة في الإمارات ويقيموا صلواتهم العنصرية ورقصاتهم الداعية لحرق وقتل "الصراصير العرب"، كما يفعلون في أزقة القدس وباحات المسجد الأقصى وفي مستعمراتهم المقامة على الأرض الفلسطينية.

فهل كل هذه الجرائم والإساءة لشعب عربي أولاً، لا توفر مزيداً من الكوارث؟ بلى، لكنها مؤشرات تقود إلى أن "الإسلاموفوبيا" التي ساهمت في انتشارها بروباغندا ثقافة غربية، تستجيب لها بروباغندا أنظمة عربية وإسلامية ترفع لواء بث مخاطر هوية مجتمعاتها الواجب تدجينها بالقمع والتحطيم، فمن يرى المسلمين "رعاعا" و"بلهاء" يرى العرب كلهم إرهابيين، وفي كل الحالات ما نفع التنديد بإرهاب المحتل أو العنصري إن كنت مساهما بما يعجز عن فعله بمجتمعك ودينك وعقيدتك؟

أخيراً، تحديد مفهوم تغيير الصورة النمطية لصورة الإسلام والمسلمين، مسؤولية جماعية وفردية، تتحملها دول وحكومات وأفراد ينتمون لتلك الدول، ولفك عرى التحالف بين اليمين المتطرف وبين المعسكر الصهيوني مع بعض الأنظمة العربية وأقلامها وأبواقها، التي قدمت تشويها للعقل الذي أصيب بتشتت الانتماء وعجز القراءة للحاضر والمستقبل، إلا من خلال النافذة الإسرائيلية والأمريكية؛ الراعي الرسمي لاستمرار أنظمة الإساءة للشعوب العربية الإسلامية، وليبقى نفاق التنديد والشجب يواجه الاستهزاء المتعالي كلما تعلق الأمر بالمسلمين والإسلام والعرب عموماً.. وإلى إساءة قادمة طالما أنها لا تقترب من طاغية ومستبد، فالأمر سهل جداً.
النقاش (2)
مقال رائع
الجمعة، 10-06-2022 08:02 ص
سلمت يمينك
كاظم صابر
الأربعاء، 08-06-2022 04:02 م
توجد " منهجية مرتَبة " في الحملة الاستعمارية الفرعونية الشرسة التي انطلقت على أمتنا منذ سبعينات القرن الماضي و المستمرة حتى يومنا هذا و لم تكن الحملة إطلاقاً ضد الطراطير النواطير المتحكمين بأمتنا لأن هؤلاء مجرَد أدوات للاستعمار يتلقون أوامره فينفَذونها. تركزت الحملة "الممنهجة " على ثلاثة محاور لهدم : التعليم ، الأسرة ، الرموز الدينية . مع أن الجامعات أريد لها أن تكون "قلاعاً للاستعمار" في معركة " الغزو الثقافي" ، إلا أن هذا لا يكفي عند الاستعمار الحاقد الجديد فهو أراد أن تكون هذه كل شيء إلا جامعات ... بديعة المظهر خائبة الجوهر أو شكلاً من دون مضمون . لقد انتدب لهذا الغرض عصابات تطارد العلماء الحقيقيين المخلصين بالتضييق و التهميش و سلب الحقوق و إفقاد القدرة على التأثير البنَاء ، و ترفع من قدر المتعالمين الفارغين بمنحهم الترقيات و الجوائز و المناصب مع زيادة أعداد هذا الصنف المستعد لبيع نفسه بثمن بخس . كانت النتيجة التدهور المستمر في نوعية التعليم مما أدى إلى انحطاط في المنتجات " أي قطاع الخريجين " فصارت المجتمعات تستقبل عاهات و ليست كفاءات تقود للتراجع و ليس للتقدم . الأسرة ، لدى أمتنا ، هي الركيزة الأساسية للمجتمع فأراد الاستعمار هدمها من خلال قوانين و اتفاقيات ينفَذها المتحكمون و رصد لها أموالاً كثيرة لدعم مؤسسات و جمعيات تحمل أسماءً كاذبة مثل " حماية الأسرة ، حقوق المرأة ، محاربة العنف الأسري أو الوصاية الأبوية... الخ " و لدعم أجهزة "شرطة ، قضاء ... الخ " تضمن تنفيذ قوانين حقيرة مثل القانون المشهور "سيداو" الهادف إلى تفكيك الأسرة المسلمة و التمرَد على أحكام الإسلام الشرعية . تسير عملية الهدم بشكل متفرق خبيث خشية ردود فعل و يساعد في ذلك أصحاب لحى مأجورون ممن "اتخذ هواه إلهاً من دون الله " المستعد لفبركة أي فتوى . أما الرموز الدينية فهي إما تتمثل بأماكن العبادة " بيوت الله" أو بالعلماء الحقيقيين المخلصين لله تعالى ثم لهذه الأمة التي ينتمون إليها ، و هؤلاء "الأبرار" يشنَ عليهم الاستعمار حرباً ضارية لا هوادة فيها أقلَها تشويه السمعة و غياهب السجون حتى لا تجد الشعوب البسيطة من يرشدها إلى الصواب في القول و العمل و التفكير و التحليل . هؤلاء العلماء ، ورثة الأنبياء ، يراد لهم الطمس حتى لا تقوم للأمة قائمة و لكن يقول الحق سبحانه و تعالى " و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين " . المعذرة على الإطالة .