مقالات مختارة

قراءة في معدلات شعبية بايدن المتدنية

جوناثان برنستين
1300x600
1300x600

على مدار شهور، احتل جو بايدن المركز الثاني من بين أسوأ معدلات الشعبية التي حظي بها أي رئيس في حقبة استطلاعات الرأي خلال المرحلة نفسها من رئاسته، ولم يتجاوزه في ذلك سوى دونالد ترمب.


وتجاوز بايدن، هذا الأسبوع، جيمي كارتر، لينتقل إلى المرتبة الثالثة بين الرؤساء الذين حظوا بأدنى معدلات الشعبية على الإطلاق. وفي غضون الشهر المقبل، من المحتمل أن يتقدم على جيرالد فورد هو الآخر.


اللافت أن هؤلاء ثلاثة من الرؤساء الأربعة الذين كانوا في مناصبهم (إلى جانب جورج بوش الأب) عندما خسروا الانتخابات الرئاسية خلال حقبة استطلاعات الرأي.


بدأ بايدن رئاسته بفترة استقرار استثنائي لمستوى شعبيته، وربما دخل في فترة ثانية على المنوال ذاته هذا العام. وبلغت نسبة شعبيته 41.9 في المائة في 20 يناير (كانون الثاني)، إيذاناً بنهاية عامه الأول في المنصب. ووصلت هذه النسبة إلى 41.8 في المائة، وقت كتابة هذا المقال، وكان على بعد نقطة مئوية من حيث هو الآن كل يوم تقريباً على مدار الأشهر الثلاثة الماضية. جدير بالذكر هنا أن 20 يناير شكل ذروة موجة «أوميكرون».


وعند إمعان النظر في الرسم البياني الموضح لمعدلات الشعبية اليومية (عبر موقع «فايف ثيرتي إيت»)، سنجد كيف ارتطم بايدن بالقاع بعد ذلك بفترة قصيرة، ببلوغه أدنى مستوى له على الإطلاق عند 40.4 في المائة نهاية فبراير (شباط). وعاودت معدلات شعبية بايدن الارتفاع مع انحسار جائحة فيروس كورونا. إلا أنه سرعان ما تضرر من جديد جراء الارتفاع الشديد في أسعار الغازولين في مارس (آذار)، الأمر الذي بدأ بايدن في التعافي منه قليلاً مع تراجع الأسعار.


وتبدو الأرقام متوافقة مع هذا التفسير، بيد أنها تتوافق كذلك مع وجهة النظر القائلة بأن معدلات شعبية بايدن ظلت مستقرة على امتداد الأشهر الثلاثة الماضية، وأي تقلبات لا تعدو كونها ضوضاء إحصائية.


بمعنى آخر، ربما تكون معدلات الشعبية المنخفضة لبايدن هشة في حقيقتها، بمعنى أن بضعة أشهر من الأخبار السارة حول الجائحة، والتضخم، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع قوي في شعبيته، وبالتالي لن يكون حينها عائقاً كبيراً أمام المرشحين الديمقراطيين هذا الخريف. ومع ذلك، ثمة احتمال آخر أن تكون معارضة بايدن قد اشتدت بحلول ذلك الوقت، ليصبح عاجزاً حينها عن تعزيز شعبيته حتى في ظل وجود سلسلة من الأخبار الإيجابية.

وينطبق الأمر ذاته على الجانب السلبي، فحتى هذه اللحظة لم يتمكن شيء من دفع بايدن أسفل مستوى الـ40 في المائة الذي بلغه 13 من سابقيه عند هذه النقطة من رئاستهم، ووصل إليه كذلك ثلاثة رؤساء آخرين قبل نهاية أول عامين لهم في الرئاسة. وربما يستمر هذا الحال، حتى حال تواتر مزيد من الأنباء السلبية، وربما يواجه بايدن مخاطرة الوصول إلى معدلات شعبية في الثلاثينات المئوية أو أدنى عنها مثلما الحال مع جميع الرؤساء السابقين.


من جانبي، أعتبر نفسي واحداً ممن أعتقد أنهم الأقلية الذين يعتقدون أن تحقيق معدلات شعبية بالغة الارتفاع أو شديدة الانخفاض لا يزال أمراً ممكناً.


وينبغي التنويه هنا بأن المشاركين في استطلاعات الرأي، وبهامش كبير، قالوا إنهم سيسعدون بدفع مزيد من المال لشراء الغازولين من أجل دعم أوكرانيا ومعاقبة روسيا. ومع ذلك، يبدو من المحتمل أن معدلات شعبية بايدن تراجعت عندما ارتفعت أسعار الوقود بشدة مطلع مارس، وتعافت معدلات شعبيته مع تراجع أسعار الوقود على امتداد الأسابيع الخمسة الماضية (رغم أنها لا تزال مرتفعة للغاية). ومن جديد، لم تكن التغييرات كبيرة لتثبت أي شيء بعينه، لكن ربما يشكل هذا مثالاً جيداً على أن الناس ليسوا بارعين في توقع ردود أفعالهم حيال الأحداث المحتملة المرتبطة بالأخبار.
وينبغي أخذ هذا الأمر في الاعتبار فيما يخص مجالات أخرى كذلك، فالناس يقولون مختلف الأشياء التي يدعون أنهم يريدون القيام بها بخصوص التضخم، لكن إذا تراجع التضخم، فسيكونون أكثر تأييداً لبايدن بغض النظر عما إذا كان قد اتبع سياساتهم المفضلة، وأياً ما كان ما توقعوه بشأن ردود أفعالهم الخاصة على السيناريوهات الافتراضية.


وينطبق الأمر نفسه على الجائحة، فربما يقول الناس إنهم يريدون الإبقاء على سياسات فرض ارتداء الأقنعة أو أي أمر آخر أو التخلص منها، لكن الاحتمال الأكبر أن النتائج - عدد الحالات ومعدلات التعافي والوفيات - ستحدد ما إذا كان الناس يعتقدون أن بايدن أبلى بلاءً حسناً أم لا في التعامل مع فيروس كورونا.


وبطبيعة الحال، فإن هذا لا ينطبق دوماً على كل ناخب وكل سؤال يتعلق بالسياسة. إلا أنه بشكل عام يمكن القول بأن النتائج، وليس السياسات، ما يؤثر على نحو بالغ على الشعبية الرئاسية، بغض النظر عن الأمور التي يعتقد الناس أنها تجعلهم يحبون أو ينفرون من شخص ما.


المؤكد أن الكثير من الأشياء، سواء كانت موقفاً سياسياً أو القدرة على إلقاء خطاب جيد أو مدى جودة عمل هذه الوكالة الحكومية أو تلك، لديها القدرة على التأثير على الشعبية الرئاسية على الهامش. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الأشياء تحت سيطرة الرئيس، في حين قد يكون التأثير على الكثير من نتائج الصورة الكبيرة أكثر صعوبة.


وعليه، من المنطقي أن يروج الرؤساء لإنجازاتهم، ويلقون خطباً مثيرة، ويؤكدون على سياساتهم التي تحظى بشعبية، في الوقت الذي يلتزمون الصمت نسبياً حيال سياساتهم التي لا تحظى بشعبية. ونميل عادة إلى قضاء الكثير من الوقت في التحقق من كيفية قيام الرئيس بمثل هذه الأشياء، لأنها هي ما يمكن للبيت الأبيض التحكم فيه، معظم الوقت.


أما ماذا سيحدث بوجه عام، فأخبرني أولاً ما الذي سيحدث للجائحة والاقتصاد - بما في ذلك التضخم ـخلال الأشهر الستة المقبلة، وبعد ذلك خلال هذه الفترة نفسها بعد عامين من الآن، وسأعطيك حينها تخميناً دقيقاً بشكل مدهش حول أداء الديمقراطيين في نوفمبر (تشرين الثاني) وفي انتخابات 2024.

 

(الشرق الأوسط اللندنية)


0
التعليقات (0)