قضايا وآراء

قنصلية إيرانية في حلب.. رسالة لتركيا!

أحمد موفق زيدان
1300x600
1300x600
ظلت مدينة حلب السورية توأم إسطنبول طوال فترة حكم السلاطين العثمانيين، فمع كل خدمة تفد إلى إسطنبول كانت حلب المدينة الثانية التي تحظى بها على الفور. ولعل هذا مردّه إلى كونها المدينة الأبرز في العقلية العثمانية التاريخية قبل سيطرة محمد الفاتح على إسطنبول؛ إذ كانت حلب المدينة الأكبر والأشهر في بداية ظهور العثمانيين.

تلك المقدمة مفتاح لإدراك واستيعاب ما يعنيه فتح قنصلية إيرانية في حلب، حيث مرّ خبرها مرور الكرام دون تعليق أو اهتمام إعلامي، وسط زحمة انشغال العالم كله بالغارة الصهيونية على الأقصى، والهولوكوست الصهيوني المتجدد على غزة، وترافق إعلان افتتاح القنصلية على لسان وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، مع إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني عن إطلاق سكة حديد من إيران مروراً بالعراق إلى سوريا فالمتوسط، وهو تهديد إيراني مباشر آخر ستكون له تداعياته على تركيا وأمنها لاحقاً.

إنّ المسافة بين حلب وغازي عنتاب تساوي تقريباً المسافة بين جلال آباد الأفغانية وبيشاور الباكستانية. مربط فرس الربط بين الحدثين والمكانين هو أن باكستان التي انضمت للتحالف الدولي عشية خلع حركة طالبان الأفغانية عن السلطة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، ظلت تساير التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في إسقاط حركة طالبان، وهي التي كانت تصفها بأمنها القومي، إلى أن وصلت السكين إلى الحلق الباكستاني بفتح الهند (عدوتها التقليدية) قنصلية هندية في جلال آباد، وهو ما شكل باعتقادي نقطة تحول كان لها ما بعدها في الموقف الباكستاني تجاه تعاونه وتنسيقه مع الأمريكي.

إذ رأت باكستان يومها أن وجود القنصلية غير مبرر مع انعدام وجود أي جالية هندية في  المدينة، ومن ثَمّ فمن الطبيعي أن تكون القنصلية وكرَ تجسس ومركزاً عملياتياً متقدماً للقوات الهندية للعبث في الأمن الباكستاني، لا سيما وأن الأذرع الهندية موجودة على الضفة الأخرى من الحدود، ممثلةً بأحزاب يسارية قومية أقرب إلى الهند، ومليشيات انفصالية بلوشية تحظى بعلاقات معها.

والأمر نفسه ينطبق اليوم على حلب، إذ إن إيران ليست بحاجة لقنصلية من حيث الخدمات القنصلية، نظراً لغياب أي جالية إيرانية فيها، باستثناء مليشيات طائفية عابرة للحدود ليست بحاجة لجوازات وتأشيرات سفر! مما يعني أن هذه القنصلية ستكون لها خدمات أمنية وعسكرية لتحريك أيادٍ داخل الحدود التركية، من خلال حزب العمال الكردستاني الذي يحظى بقيادات طائفية موالية لإيران أكثر مما هي موالية لشعاراتها وقاعدتها الاجتماعية.

لم تتردد باكستان في الوقوف بصمت وبهدوء ولكن بثبات ورسوخ ضد المخطط الجديد التي رأت فيها حصاراً لها، فزادت من جرعة الدعم لحركة طالبان الأفغانية وبدأت بالإفراج عن قياداتها، مع السماح لمقاتليها وقادتها بالدخول إلى الأراضي الباكستانية، والتحرك منها إلى داخل الأراضي الأفغانية، وهو الأمر الذي رأينا نتيجته بعد سنوات في انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مما يستتبع انسحاب كل من تلطى بها يوم دخل، وعلى رأسها الهند.

القنصلية الإيرانية في حلب رسالة مكتملة الأركان لتركيا بعد أن نجحت طهران في إبعاد تركيا عن ثلاثة أرباع الأراضي السورية، ودفعت بفائض كبير من اللاجئين والنازحين إلى أراضيها لتنشغل بهم تركيا خدماتياً وأمنياً. فقد تحولت المهمة الإيرانية اليوم لنقل المعركة بأشكال مختلفة إلى داخل تركيا لابتزازها في سوريا وربما خارج سوريا. قد يرى البعض مثل هذا التحليل بعيداً عن الواقع، ولكن جردة حسابات الممارسة الإيرانية البعيدة والقريبة تؤكد أن طهران التي نقلت المعركة اليمنية إلى داخل السعودية، لن تتردد في نقلها عبر أدواتها إلى داخل تركيا.
التعليقات (3)
أبو العبد الحلبي
الأربعاء، 19-05-2021 01:55 م
اسمح لي يا أستاذ أحمد أن أخالفك فيما قلت في السطر الأول من الفقرة الأخيرة ( نجحت طهران في إبعاد تركيا عن ثلاثة أرباع الأراضي السورية) حيث يتعارض هذا مع الواقع السياسي من جهتين : أولهما أن طهران بحرسها الثوري وبكافة مليشياتها فشلت فشلاً مدويَاً أمام ثوار سوريا الأحرار الأبطال مما جعل الثوار قاب قوسين أو أدنى من اقتحام العاصمة دمشق صيف 2015 (رغم حراستها من جيش الأفلام و فيلق الشيطان و العودة برعاية المحاميد برعاية دحلان و "سقايط الضفدع الخائن") و هذا جعل أوباما – كيري يتوسلان من بوتين أن يتدخل جيشه فاشترط التمويل بمليارات الدولارات فضمنت له أمريكا ذلك من الإمارات و غيرها و بدأ طيران روسيا عمله قرب دمشق فضرب الثوار و أبعد خطرهم ثم انتقل إلى شمال سوريا . يعني روسيا هي التي أحدثت الفرق و ليست مليشيات إيران المسطولة ، و هذا ينطبق على كل المناطق التي سقطت منذ خريف 2015 . ثانيهما أن تركيا ، في القراءة السياسية المتتابعة ، لم يكن لها مطمع بالسيطرة على ثلاثة أرباع الأراضي السورية و الدليل على ذلك نصائح الوزير أحمد داود اوغلو لبشار أكثر من مرة بأن يقوم بإصلاحات تؤدي إلى تهدئة الوضع . تمتلك إيران حدوداً مع تركيا ، بينما تبعد حلب عنها بمسافة شاسعة تتخللها العراق . إيران دولة وظيفية تعمل بحسب تعليمات من أوصل الكهنوت للتحكم بإيران عام 1979 بعد الانقلاب الذي قام بتدبيره الجنرال روبرت هايزر الذي طرد شاه إيران. هي إن جرى زيادة وظيفتها بالعمل ضد تركيا فالأسهل لها أن يكون ذلك عبر الحدود ، و بالفعل أرسلت جواسيس و جرى القبض عليهم . أما دعم الجماعات الإرهابية الكردية فهذا أكبر من إيران و تتولاه أمريكا بنفسها التي أرسلت لهم 50 ألف شاحنة أسلحة بعد مجزرة "الباغوز" . أعتقد أن فتح إيران لقنصلية في حلب هدفه الأساسي تشييع أهل حلب (أي أن يعتنقوا الدين الشيعي الفارسي) و مثل هذه القنصلية ستقوم بدورها الهدام بعدة وسائل محرمَة بحسب ديننا الحنيف ، علما بأن الكثير من أهلنا الحلبيين دراويش و يمكن خداعهم . أرجو الله أن يحمي أهل حلب من كيد الكائدين و مكر الماكرين . آمين .
ابوعدنان الحلبي
الثلاثاء، 18-05-2021 09:10 ص
تحليل قريب الى الواقع بشكل كبير
محمد ماضي
الثلاثاء، 18-05-2021 05:43 ص
هذا مقال اكثر من رائع من حيث دقة المقارنة بين الحدثين و صوابية التحليل المبني على ما فعلته القيادة الإيرانية في سوريا أرض و شعب. روسيا هي اللاعب الجديد في الشرق الأدنى اليوم و معركة غزة التي تدعمها روسيا بطريقة غير مباشرة هي من سيحدد معالم الشرق الأوسط الجديد. غاز شرق البحر الأبيض المتوسط و ملف أمن إسرائيل الذي ذهب مع الريح و لم يعد له وجود سينقل حرب الوكالة التي بدأت عام 1975 في لبنان بين الإتحاد السوفياتي آنذاك و أميركا إلى الساحة السورية و غزة هي الحسم مما يعني ان حماس ستزداد قوة في التسلح العسكري و زخما في الحضور الشعبي لدى كافة الشعوب الحرة و الأبية.