سياسة تركية

تركيا وروسيا.. هكذا بدت علاقات "التعاون والتنافس" خلال 2020

العلاقات بين تركيا وروسيا مرت باختبارات عدة لا سيما في سوريا وليبيا وقره باغ- جيتي
العلاقات بين تركيا وروسيا مرت باختبارات عدة لا سيما في سوريا وليبيا وقره باغ- جيتي

كانت العلاقات التركية-الروسية من المحطات البارزة بالنسبة لأنقرة عام 2020، والتي اتسمت بالتعاون والتنافس بذات الوقت، لا سيما في سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ.

ورغم التباين في المواقف على الساحة الدولية وصلت حدتها في شباط/ فبراير الماضي في سوريا إلى إنذار بالمواجهة المباشرة بين القوات التركية والروسية، فقد حافظ زعيما البلدين على تحالفهما من خطر الانزلاق نحو التصعيد.

لم تكن سوريا المحطة الوحيدة في احتدام الصراع بين روسيا وتركيا، فقد كانت المواجهة في ليبيا تشكل خطرا كبيرا في العلاقات، بعد قيام الطائرات المسيرة بقصف أنظمة الدفاع الجوي الروسية، ودعم أنقرة لحكومة الوفاق بعد حصار دام أشهر للعاصمة من قوات حفتر بدعم من روسيا ومرتزقة "فاغنر".

وفي المحطة الأخيرة، قلبت تركيا التوازنات في ناغورنو قره باغ لصالح أذربيجان التي تمكنت من إعادة السيطرة على أراضيها المحتلة منذ نحو 30 عاما، من أرمينيا المدعومة من موسكو، ما شكل تهديدا للأخيرة في منطقة جنوب القوقاز.


وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمؤتمر الصحفي السنوي الموسع وقال: "أحيانا نختلف في رؤيتنا للأمور، ولكن أردوغان رجل يلتزم بتعهداته، وإذا كان الأمر متعلقا بمصلحة دولته، فإنه يقوم بما يتوجب القيام به إلى أبعد حد، هذه صفة يمكن توقعها، وهذا مهم لفهم الشخص الذي يجلس مقابلك".

بدوره رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "لقد لمست أنا أيضا في السيد بوتين نفس الشيء، يلتزم بتعهداته، كلامه وجوهره واحد، منذ أن تعرفت عليه".

وأعرب أردوغان عن أمله في أن تستمر العلاقات التركية-الروسية على نفس الشاكلة خلال الفترة المقبلة في المجالات: السياسية، والعسكرية، والدبلوماسية، والثقافية، والاقتصادية.

 

اقرأ أيضا: هل تقبل تركيا بالابتعاد عن روسيا إرضاء لرغبات بايدن؟

وقال الكاتب التركي، سيدات أرغين، في مقال له في صحيفة "حرييت"، وترجمته "عربي21"، إنه في الوقت الذي تعاني فيه تركيا من مشاكل جمة في علاقاتها الخارجية مع العالم الغربي، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك مع العديد من دول الشرق الأوسط، تتحرك العلاقات مع روسيا في اتجاه آخر، بحاجة إلى التركيز عليه.

 

التجارة بين البلدين تجاوزت الـ20 مليار دولار

وأشار إلى أن بوتين في مؤتمر صحفي في 22 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وردا على صحفي وجه له سؤالا حول رغبة أردوغان بتوسيع نطاق نفوذه نحو حدود الإمبراطورية العثمانية السابقة، قال: "لا أعرف عن خطط أردوغان أو موقفه من التراث العثماني، فمن الأفضل أن تسأله عن ذلك، وما أعرفه أن التجارة بيننا تجاوزت الـ20 مليار دولار".

التعاون في مجال الطاقة

ويعد مشروع المحطة النووية الذي ما زال قيد الإنشاء في مرسين، أحد أضخم مجالات التعاون في الطاقة بين تركيا وروسيا.

وفي وقت سابق من العام الجاري، أعلن القسم الهندسي لشركة "روس آتوم" النووية الروسية، عن قرب انتهاء تصنيع المفاعل الذي من المزمع تركيبه في الوحدة الأولى لمحطة "آق قويو"، النووية التركية.

وذكرت الشركة الروسية المشرفة على أعمال بناء أول محطة نووية تركية، في ولاية مرسين جنوب البلاد، أنها بدأت بتركيب وعاء المفاعل النووي وغطائه وأقسامه الداخلية، بهدف الاختبار، وذلك في فرعها الكائن بمدينة فولجودونسك، جنوب روسيا.

وفي تموز/ يوليو الماضي، أعلنت الشركة الروسية، عن إجرائها اختبارات هيدروليكية ناجحة لأوعية ضغط المفاعل للوحدة الأولى من المحطة النووية، ومن المتوقع الانتهاء من بناء الوحدة الأولى في 2023.

 

مشروع خط أنابيب الغاز بين تركيا وروسيا "تورك ستريم" 

 

من أهم الخطوات التي تم اتخاذها في العلاقات بين البلدين، تدشين مشروع خط أنابيب "ترك ستريم" الذي يربط الغاز الطبيعي الروسي بتراقيا عبر البحر الأسود.

 

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، دشن أردوغان ونظيره الروسي بوتين رسميا خلال حفل في إسطنبول خط الأنابيب "تورك ستريم"، وجاء ذلك بالتزامن مع التوتر الدائر بينهما في سوريا وليبيا.

 

وبهذه الطريقة، اكتسبت روسيا طريقا جديدا يسمح لها بتنويع الخطوط التي يمكنها من خلالها شحن الغاز الطبيعي إلى السوق الأوروبية، وربطه بالسوق التركية من خلال خط أنابيب ثان.

 

و"السيل التركي" أو "تورك ستريم"، هما خطان لنقل الغاز من روسيا إلى كل من تركيا وأوروبا مرورا بالبحر الأسود، ويغذي الأنبوب الأول تركيا، والثاني دول شرق وجنوب أوروبا.

 

السياح الروس في تركيا

ويشكل السياح الروس المجموعة الأكبر في صدارة قائمة السياح الوافدين لتركيا، وفي عام 2019، تجاوز عددهم الـ7 ملايين، لكن العدد تراجع إلى نحو مليونين عام 2020 بسبب وباء كورونا.

 

وتصدّر الروس، قائمة السياح الأجانب الأكثر زيارة لتركيا، بواقع مليونين و38 ألفا و380 زائرا، تلاهم البلغار بمليون و140 ألفا و739، ثم الألمان بمليون و71 ألفا و782.

 

وقال الكاتب التركي، أرغين، إن تركيا وروسيا لديهما تركيز كبير في التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والسياحة، ويأتي ذلك إلى جاتب اقتناء أنقرة لمنظومة "أس400" الروسية التي تكلف 2.5 مليار دولار، ما أدخل العلاقات بين البلدين في بعد استراتيجي.

 

اقرأ أيضا: من الرابح الأكبر من نتائج الصراع بالقوقاز.. أنقرة أم موسكو؟
 

التنافس والتعاون في سوريا

 

ويعد الملف السوري أحد أبرز الملفات المعقدة والشائكة بين تركيا وروسيا، لكنه في عام 2020، شهدت تعقيداته تطورا خطيرا، مع تقدم قوات النظام السوري بدعم روسي في إدلب شمال غرب سوريا وسيطرتها على مناطق شاسعة، مما اضطر بالقوات التركية بالتدخل بمواجهة مباشرة معها.

 

وبعد مقتل 34 عنصرا من القوات التركية في غارة مشتركة شنتها طائرات للنظام السوري وروسيا، في نهاية شباط/ فبراير الماضي، كادت العلاقات بين موسكو وأنقرة تسير على حافة هاوية مشابهة لحادثة إسقاط الطائرة الروسية عام 2015.

 

لكن زعيمي البلدين ظلا متمسكان بالحفاظ على العلاقة بينهما، ليتوصلا لاتفاق جديد حول إدلب في 5 أذار/ مارس الماضي، وينتيه المطاف بتشكيل دوريات مشتركة بين القوات التركية والروسية على الطريق الدولي "أم4" بموجب الاتفاق.

 

وقال الكاتب التركي، إن الملف السوري يعد إنعكاس لافت للنظر في للهيكل التناقض بالعلاقات بين تركيا وروسيا، ففي القوت الذي تدعم فيه أنقرة المعارضة، فإن روسيا تقدم الدعم للنظام، ورغم ذلك يوجد تعاون بين البلدين على أرضية "أستانا".

 

ليبيا بيئة صراع بين روسيا وتركيا عام 2020

 

ولفت إلى أنه من المفارقات، إن البلدين أظهرا التعاون في سوريا لتهدئة الأوضاع، وبالوقت ذاته احتدم الصراع بينهما على الجبهة الليبية.

 

وأوضح أن روسيا وضعت ثقلها لصالح اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الحرب الأهلية الليبية، من خلال المرتزقة "فاغنر" التي أرسلتها إلى ليبيا، لكن أنقرة دعمت حكومة الوفاق وارسلت قواتها لمنع أي انتصار لحفتر.

 

وفي الخامس من كانون الثاني/ يناير 2020، صادق البرلمان التركي على طلب قدمته الحكومة التركية بإرسال قوات إلى ليبيا، بموجب مذكرة تفاهم بين أردوغان ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج.

 

وساهم التدخل التركي في تغيير الموازين في ليبيا، وإنهاء حصار العاصمة طرابلس، وانسحاب قوات حفتر حتى مدينة سرت التي باتت محور النقاشات بين موسكو وأنقرة.

 

اقرأ أيضا: صحيفة: روسيا وتركيا توجهان ليبيا بعيدا عن الحل العسكري.. ولكن
 

لم تكتف تركيا بإرسال مستشاريها العسكريين إلى ليبيا، بل أرسلت أيضا طائراتها المسيرة والتي قامت باستهداف "بانتسير" الروسية وأنظمة روسية منحتها موسكو لحفتر.

 

قره باغ بيئة صراع تركي-روسي انتهى باتفاق برعاية بوتين

 

في 27 أيلول/ سبتمبر الماضي، أطلق الجيش الأذري عملية لتحرير أراضيه المحتلة في إقليم "قره باغ"، وذلك عقب هجوم شنه الجيش الأرمني على مناطق مأهولة مدنية.

 

وكان لتركيا دور واضح في سير المعارك في قره باغ لصالح أذربيجان، وقامت بإمداد باكو بالطائرات المسيرة التي غيرت الموازين أيضا في الإقليم ونجح في تدمير منظومات روسية كانت بحوزة القوات الأرمنية.

 

اتهمت روسيا تركيا، بأنها قامت بإرسال مرتزقة إلى قره باغ للقتال إلى جانب القوات الأذرية، وكان التدخل التركي قد هناك شكل إزعاجا بالنسبة لموسكو.

 

وبعد 44 يوما من الحرب، توصلت أرمينيا وأذربيجان إلى اتفاق وقف إطلاق نار برعاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأعلنت أنقرة أنها اتفقت مع موسكو على تشكيل قوة سلام مشتركة في قره باغ.

 

وتركزت النقاشات التركية-الروسية في الآونة الأخيرة على آلية متابعة ومراقبة وقف إطلاق النار، وتشكيل مركز المراقبة المشترك فيما بينهما.

 

وقال الكاتب التركي أرغين، إن العلاقات بين موسكو وأنقرة مرت باختبار في قره باغ التي تعد الساحة الخلفية لروسيا، خلال أشهر الخريف، بسبب التدخل التركي.

 

وتابع بأن الطريقة التي انتهت فيها الأزمة، فتحت المجال أمام التعاون بين تركيا وروسيا، بإنشاء مركز مراقبة عسكرية في مدينة "أغدام" لمتابعة وقف إطلاق النار من الجانبين.

 

انزعاج روسي من تقارب تركي-أوكراني

 

شهد عام 2020 تقاربا واضحا بين تركيا وأوكرانيا، وتم إبرام العديد من الاتفاقيات، وهو ما يزعج السلطات في موسكو.

 

وأكدت تركيا مرات عدة على لسان مسؤولين لها، أنها معنية بوحدة الأراضي الأوكرانية، ورفضها لضم روسيا شبه جزيرة القرم.

 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وقع وزير الدفاع الأوكراني أندري تاران مع رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية إسماعيل دمير اتفاق حسن نوايا ضمن إطار مشاريع الصناعات الدفاعية، كما أنه وقع مع نظيره التركي خلوصي أكار "اتفاقية الإطار العسكري".

وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، وقعت تركيا وأوكرانيا سلسلة اتفاقيات في مجالات التبادل التكنولوجي وإنتاج الفرقاطات (كورفيت) والطائرات المسيرة المسلحة.

 

وقال أرغين، إنه ليس من الصعب التكهن بأن التقارب التركي مع أوكرانيا، قد يتسبب في عدم ارتياح الكرملين.

 

"تعاون وتنافس".. حالة فريدة في العلاقات الدولية

 

وأشار إلى أن العلاقات التركية-الروسية عام 2020، أوجدت حالة فريدة على صعيد العلاقات الدولية مبنية على "التعاون والتنافس" بذات الوقت، موضحا أن الأبعاد التي اكتسبتها المصالح المشتركة للبلدين، فضلا عن تميزهما بقدرتهما على العمل معا، جعل من الممكن إدارة الخلافات بينهما بشكل عملي.

 

اقرأ أيضا: هل تعزز "عقوبات أمريكا" التعاون الدفاعي بين تركيا وروسيا؟
 

من جهته قال الكاتب برهان الدين دوران، في تقرير على صحيفة "صباح"، إنه من الواضح أن العلاقات التركية الروسية انتقلت إلى مستوى جديد عبر الزعيمين، مشيرة إلى أنه بعد التغلب على أزمة إسقاط الطائرة عام 2015، فقد برزت مجالات عدة على صعيد الطاقة، وملفات سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ، في إطار "التعاون والمنافسة" بين البلدين.

 

وأشار إلى أنه بفضل "الكيمياء السياسية" للزعيمين، فقد تمت إدارة ملفات معقدة مثل عملية أستانا وأزمة إدلب وليبيا ومنظومة "أس400"، وقد حالت هذه العلاقة الديناميكية حتى الآن دون حدوث مشاكل في المناطق التي تختلف فيها المصالح، مثل أوكرانيا (شبه جزيرة القرم) والبحر الأسود وأوروبا الشرقية.

 

ورأى أن بوتين شخصية تتكيف واقعيا مع شخصية أردوغان و"تركيا الجديدة"، لكنّ العلاقات بين أنقرة وموسكو ستمر بمرحلة اختبار في ظل تسلم جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة.

التعليقات (0)