كتاب عربي 21

الحديقة الرائعة

أحمد عمر
1300x600
1300x600
وُجد جثمان هابيل مقتولا بحجر في البرية، والاسم يشبه اسم الضحية الأولى، وتجمّد دمه في بركة صغيرة كأنها ختم كبير من الشمع الأحمر لأن الأرض رفضت أن تشربه، وكان بجانب رأسه حجر دام كذكرى من القاتل، وعلى فمه ابتسامة، كأن أحدا دغدغه قبل القتل، فغطى المحقق الجثة لأنَّ الإنسان عورة كله بعد موته.

رُفعت البصمات ووجدت مطابقة لبصمات المتهم الأول في الجريمة، وهو أخوه قابيل. والاسم مصادفة، وشهد شاهدان من الرعاة، بأنهما رأيا قابيل ينهال على رأس أخيه حتى سقط ميتا من غير أن يقاوم أو يدفع عن نفسه، سجلت الشهادتان في محضر، وشهد أكثر اهل الحي بأنَّ المتهم كان يحسد أخيه، وكان يسخر منه ومن تقواه، وأنه أحسَّ بغضب شديد، وهو يراه يتصدق على الفقراء بالأضاحي في العيد، وكان يبتسم كأن أحدا يدغدغه.

لكن أدلة ووقائع جديدة ظهرت، وتداولها الإعلام، غيّرت مسار القضية، وجرت مياه تحت الجسور، وتحت الأرض، ذلك أنَّ المحقق قال في تصريح للتلفزيون إنه يحتمل أنَّ البصمات هي بصمات المتهم وهو يرفع الحجر عن رأس الضحية، وذكر أنه وُجدت آثار لدموع الجاني في المكان، ورجح أنَّ لصوصا قتلوه، ورفض المحقق شهادة أحد الراعيين لأنهما كانا صاحبين للضحية. وذكرت أنباء أنَّ المخابرات هددت الراعيين، وذكرت أخرى أنَّ العشرات من نوقهم وشائهم ذبحت لتغيير أقوالهما، فتقدم أحدهما وغيَّر أقواله وشهد بأنَّ الضحية اصطدم بحجر وسقط، وأنَّ المتهم البريء فزع إليه وهزَّ أخاه باكيا وكان يحاول أنَّ ينجده ويسعفه لولا القدر الذي عاجله، لقد حان أجله، تلك هي القضية. أما صاحب الشهادة الثاني فقد اختفى في ظروف غامضة، وشاعت أنباء ملفقة أنه كان يتاجر بالمخدرات على ظهور النوق والحمير، وأنه قضى بخلافات مع عصابته.

جدير بالذكر أن المتهم كان أحد زعماء الحزب الحاكم ووزيرا بلا حقيبة لأن الحقائب للمسافرين وهو ليس مسافرا، وكان مديرا لحملات الانتخاب والتزوير في الانتخابات وفي غير الانتخابات. ثم وقع تطور مهم في القضية التي شغلت الإعلام عندما ظهر إعلامي أصلع الرأس على التلفزيون الرسمي الحكومي، صوته كصوت البعير، بعد عرض فيلم إخباري زارت فيه الكاميرا منزل المتهم على ساحل البحر، واستعرضت الزهور والورود ومساكب النبات والأشجار، حتى إن المذيع الزائر سكر من رائحة العطور التي يبثُها النبات، وطرب وقال:

ليس معقولا أنَّ يكون هذا الإنسان الرقيق صاحب هذه البساتين والمشاتل قاتلا. جالت الكاميرا بين الخمائل والأشجار، ولم يجد الزائرون طريق العودة من الحديقة إلا بعد الاستعانة بالأقمار الصناعية وجهاز "الناف سات".

نقل التلفزيون صورا للمتهم وهو يسقي الزهور الماء بأباريق الفضة، وأخرى للزهور وهي تشرب وتتبادل الأنخاب، وأخرى وهي ترقص على الألحان، وصوراً له وهو يمشي على ساحل البحر، والرمل يغور تحت قدميه مصدرا صوتا كصوت الثلج المتكسر، وثالثة وهو يطعم العصافير والبلابل ذات الأناشيد في حفلات الصباح الكونية.

وقابل التلفزيون عالما في الأدوية والعقاقير ذكر أنه استطاع اشتقاق أدوية معالجة للسرطان والإيدز وكورونا من نباتات مهجنّة في حديقة المتهم البريء، وذكرت أنباء أنَّ شركات عطور اتخذت من بعض زهور السيد قابيل شعارا، وتجولت الكاميرا في المنزل المؤثث بأثاث فاخر ورياش كثيرة، وقابلت ابن المتهم وابنته وزوجته الجميلة، حتى إنَّ كلبه نبح للمشاهدين على سبيل التحية.

ثم إنَّ التلفزيون الرسمي عرض زيارة لمنزل الضحية التي انشغل بها الإعلام، فوجد منزلا بسيطا وليس فيه سوى أشجار نخيل، وحظائر كثيرة فيها نوق وجمال وبقر وشاء كريهة الريح، ورفضت زوجة الضحية الحزينة مقابلة التلفزيون من شدة الحزن، ونقل التلفزيون صورا للضحية قبل أن يموت؛ حصلت عليها من جهة مجهولة وهو يذبح الأضاحي في العيد، فشنَّ عليه المذيع الأصلع حملة تشويه وقال: أمعقول لإنسان نباتي أن يقتل أخاه؟ هل من أحد يقتل أخاه؟ وسأل: لمَ يحسد رجل علماني أخاه المتدين! لا يوجد سبب للقتل، فالمتهم غني، وميسور، ووزير، ثم إنَّ المذيع المتهكم غيّر أقواله في اليوم التالي وقال غاضبا: إنَّ الضحية رجل سفاح يذبح الحيوانات المسكينة، وبيته كله دم، ويذبح خارج إطار القانون والطنبور وبقية الآلات الموسيقية. بصراحة هذا مجرم يستحق القتل، إنه يستحق الضرب بالجزمة.

أقفل المحضر، واتُهم الراعي الشاهد الذي أصرَّ على أقواله بقتل الضحية لعلاقة محرّمة مع زوجة الضحية، وارتفعت شعبية المتهم ارتفاعا كبيرا، وانتخب رئيسا للدولة لأن الرئيس المرحوم لم يكن له عقب وأولاد!

twitter.com/OmarImaromar
التعليقات (0)