هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
لا نكتب هذه السطور من أجل موظفي مواقع
التواصل، ولا من أجل مثقفين مهمتهم الدفاع عن الباطل، أو التمهيد للمتورّطين فيه،
بل من أجل بعض المخلصين الذين يربكهم خلط الأشياء بعضها ببعض عند الحديث عن
التطبيع، فيذهبون إلى إجراء مقارنات بين تطبيع قديم وآخر جديد، وأحيانا بين بعض
أشكال التطبيع الجديد، وبين الاتفاق الإماراتي الصهيوني الأخير.
لا أجد شخصيا أي مشكلة في المقارنة،
فلا علاقة لي بأي نظام، فضلا عن أكون ممن يدافعون عن "أوسلو" أو
"كامب ديفيد"، أو "وادي عربة".
طوال أربعة عقود من الكتابة لم تتغيّر
البوصلة بفضل الله، فقد كانت مع فلسطين ومع كل قضايا الأمة في سعيها للحرية
والتحرر. وحين تناقض شعار فلسطين مع قضايا أخرى، كما هو الحال مع العدوان الإيراني
على الشعب السوري واليمني والعراقي، لم ألتفت لشعارات المقاومة، ولا حتى للدعم
المقدم لقواها في فلسطين، لأنني أرفض اتخاذ فلسطين أداة للتغطية على مشروع مذهبي،
فضلا عن عدوان على حق شعوب في الحرية والتحرر.
حين طبّعت قطر قديما، كتبت شخصيا ضد
ذلك بلهجة قاسية. وحين تورّطت في خطوات تطبيع من نوع أقل شأنا، مثل التطبيع
الرياضي هاجمتها بكل قوة. ولا تسأل قبل ذلك عن العلاقات المصرية والأردنية مع
الكيان الصهيوني، وقبل ذلك وبعده مئات المقالات وآلاف التغريدات عن "سلطة
أوسلو" ومواقفها البائسة.
ينسحب ذلك بالطبع على كل خطوات التطبيع
العربية الأخرى؛ القديم منها والحديث.. ما كان بعد "أوسلو" و"وادي
عربة"، وقبل انتفاضة الأقصى، وما كان بعد ذلك.
أما تركيا، فعلاقتها بالكيان طاعنة في
القدم، وما نتابعه منذ عقد هو التوتر، وإن بقيت العلاقات قائمة على هذا النحو أو
ذاك، بل إن التناقض مع تيار غولن، لم ينفجر في الحقيقة إلا بعد رفض الأخير لتصعيد
أردوغان مع الصهاينة في ملف سفينة مرمرة 2010.
كل ما ذكر عن التطبيع أعلاه لم يدفعنا
إلى التردد لحظة واحدة في النظر إلى "اتفاق أبراهام" الجديد على نحو
مختلف تماما، فهو يتجاوز التطبيع التقليدي إلى شكل من أشكال التحالف مع الكيان
الصهيوني في لحظة فارقة عنوانها افتضاح طبيعة الأحلام الصهيونية، بل حقيقة السقف
الصهيوني في التعاطي مع الحلول السياسية برمتها، وفي ظل وقاحة استثنائية في الحديث
عن متطلبات الحل، ووقاحة أشد في الحديث عن أحلام الهيمنة على المنطقة، وهي الأحلام
التي توقف الحديث عنها إثر فشل تحقيقها بعد "أوسلو"، ومن ثم بعد غزو
العراق.
من حق البعض أن يجري مقارنات بين
التطبيع القطري والتركي، وبين الحلقة الجديدة، وكذا بينها وبين التطبيع المصري
والأردني والفلسطيني، لكن الضيق الذي تشعر به (مصر والأردن) حيال ما جرى هو أكبر
دليل على تجاوز الخطوة لما فعلاه من قبل (تغريدتا السيسي لا يغيّرا في حقيقة
الضيق، إذ للموقف حساباته المعروفة)، وهما دولتان من دول الطوق، وليستا بعيدتين،
كما هو حال الإمارات.
من حق البعض أن يجري مقارنات بين التطبيع القطري والتركي، وبين الحلقة الجديدة، وكذا بينها وبين التطبيع المصري والأردني والفلسطيني
في الحالة القطرية، هناك انحياز واضح لقوى المقاومة، حتى لو مرّ ذلك من خلال علاقات مع الكيان
التطبيع المصري، لم يصل حد جعل هجاء الشعب الفلسطيني، والتبشير بأهمية الكيان وفضائل العلاقة معه جزءا من خطابه السياسي والإعلامي