محمود الحنفي يكتب: لا يمكن تقديم إجابة حقوقية وقانونية جادة إذا بدأنا التاريخ من صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فالقضية لم تبدأ يومها، والاحتلال لم يولد معها، والحصار والاستيطان والقتل والاعتقال والتهجير لم تكن رداً عليها. لكنها في الوقت نفسه محطة مفصلية لا يجوز إعفاؤها من التقييم لمجرد أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال
محمود الحنفي يكتب: قد تكون الإدارة الأمريكية قد التقطت إشارات إلى أن تحقيقات المحكمة في فلسطين تتجه نحو مسؤولين آخرين أو نحو ملف الاستيطان في الضفة الغربية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن اطلعت على مذكرة سرية أو طلب قضائي محدد؛ لكن الدول تملك قنوات دبلوماسية وقانونية واستخبارية تساعدها على قراءة اتجاه التحقيقات واستشعار الملفات التي قد تنتقل من جمع المعلومات إلى طلبات القبض. ويصعب تفسير هذا التصعيد باعتباره مجرد رد متأخر على مذكرتين صدرتا في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. فقد اعترضت واشنطن عليهما منذ البداية، وعاقبت بالفعل مسؤولين في المحكمة، ورفضت الاعتراف باختصاصها على الإسرائيليين، فما الذي يستدعي الآن الانتقال إلى التفكير في حصار المؤسسة بأكملها؟
محمود الحنفي يكتب: كان فتح شريف موظفاً لدى الأونروا منذ عام 1995، ووصل إلى منصب مدير مدرسة دير ياسين الابتدائية للبنين في لبنان. وفي 30 أيلول/سبتمبر 2024 اسستشهد في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان، بينما كان لا يزال موظفاً لدى الوكالة، وإن كان موضوعاً في إجازة إدارية من دون راتب على خلفية تحقيق يتعلق بمخالفات لواجب الحياد
محمود الحنفي يكتب: السؤال المعرفي الأهم ليس: هل سيُعتقل نتنياهو غداً؟ بل: هل نجحت الخطوة في تحويل الاتهام السياسي إلى التزام قضائي قابل للاستمرار؟ إذا بُني الملف التركي على اختصاص واضح وأدلة متماسكة وتكييف قانوني منضبط، فقد يصبح جزءاً جدياً من حصار الإفلات من العقاب. أما إذا استُخدم للاستهلاك السياسي، فسيتراجع أثره بانتهاء اللحظة الإعلامية
محمود الحنفي يكتب: تفرض الحالة الفلسطينية استثنائية قانونية وسياسية تتجاوز النماذج السابقة برمتها. فالعدالة الانتقالية تفترض وجود مرحلة بعدية جرى فيها إيقاف الانتهاكات وبدء التقييم والترميم، بينما تشكل النكبة الفلسطينية صيرورة مستمرة تتجسد في الاستيطان، التهجير القسري، التطهير العرقي، والحصار الممتد. كما أن النزاعات المشمولة بالعدالة الانتقالية التقليدية تفترض محكومية أطراف الصراع بالعيش السلمي في جغرافيا واحدة، في حين يقوم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين على نفي الآخر ومحوه من الجغرافيا والذاكرة. يضاف إلى ذلك الخلل الهيكلي في توازن القوى العالمي، وتوفر الحصانة المطلقة لقوة الاحتلال، مما يُفرغ آليات المساءلة والجنائية الدولية من مضمونها ويحول المبادئ المدوّنة إلى مجرد نصوص رمزية
محمود الحنفي يكتب: القانون الدولي لا يتضمن قاعدة عامة توجب على كل حركة مسلحة أن تسلم سلاحها لمجرد أن دولة ما أو مجموعة دول تطالب بذلك، وفي الوقت ذاته، لا يمنح وصف المقاومة أي طرف تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة دون قيود. وبين هاتين القاعدتين تقع الإشكالية الفلسطينية: حق شعب في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال، مقابل ضرورة حماية المدنيين وبناء نظام سياسي وأمني قابل للحياة
محمود الحنفي يكتب: منذ اندلاع هذه المواجهة القضائية، اختارت إسرائيل الانخراط الكامل في المعركة القانونية أمام المحاكم الدولية، مستندة إلى منظومة مؤسساتية متخصصة تجمع بين الدبلوماسية القانونية، والدفاع الإجرائي، والهندسة العملياتية، بهدف الحد من آثار المساءلة الدولية وتعطيل تحولها إلى نتائج عملية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تدير إسرائيل معركتها القانونية الدولية؟
محمود الحنفي يكتب: يثبت قرار وقف كريم خان في حزيران/يونيو 2026 أن المنظومة القضائية الدولية المعاصرة تعيش عجزاً بنيوياً قاتلاً؛ فعندما تتداخل الشكليات القانونية والتدابير المسلكية مع العقوبات السياسية الموثقة، يصبح من المستحيل الحديث عن قضاء دولي مستقل ونزيه بالكامل. لقد سقطت الأقنعة الفنية الجوفاء، وظهّرت الأزمة حقيقة أن الضحايا في العالم العربي وفلسطين لا يمكنهم رهن حقوقهم ودماء أطفالهم بآليات منظومة دولية يملك خصومهم مفاتيح تشغيلها وإيقافها
محمود الحنفي يكتب: المبادرة بنسقها الحالي لن تنجح في وقف الفظائع، بل ستظل أداة لإدارة الضغط الدبلوماسي وتسجيل النقاط المعنوية. لقد شُيّد نظام بريتون وودز والأمم المتحدة عام 1945 ليعكس موازين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية؛ وهو نظام يعاني اليوم من "موت سريري" نتيجة العجز التام عن معالجة التعددية القطبية الصاعدة، والحروب الهجينة، وانتهاكات الدول الكبرى نفسها
محمود الحنفي يكتب: القاسم المشترك بين هذه السياقات يتمثل في بيئة واحدة: نزوح جماعي، ودمار واسع، وغياب رقابة فعالة، وتغاضٍ أو علم من القيادات. في ظل هذه الظروف، يصبح النهب ممارسة ممكنة ومكررة، بل وأحيانا علنية، دون خشية من المساءلة. ومن يعتد القتل بدم بارد، لا يجد صعوبة في الانتقال إلى نهب المحتويات
محمود الحنفي يكتب: قرار ميلوني بتعليق الاتفاقية الدفاعية مع إسرائيل، في سياقه التراكمي مع قرارات أوروبية مشابهة، هو أكثر من مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، إنه اعتراف ضمني بأن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل في ظل انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي لم يعد مستداما سياسيا بل هو عبء لأي سياسي، وأن الضغوط الشعبية والحقوقية قادرة -بالتراكم- على صنع التغيير
محمود الحنفي يكتب: هل كانت هذه الغارات ضرورة عسكرية ملحة؟ أم أنها كانت رسالة مبطنة للمفاوضين على طاولة التهدئة بأن "ثمن أي اتفاق قد يكون أرواح اللبنانيين"؟ وحتى لو افترضنا أن الأهداف كانت عسكرية بامتياز، فإن طريقة التنفيذ (الكثافة الزمنية، عدم الإنذار، استخدام أسلحة واسعة التأثير) تحمل رسالة ثانية: "نحن لا نلتزم بقواعدك، ونحن مستعدون لدفع ثمن مدني باهظ لإثبات نقطتنا"
محمود الحنفي يكتب: التعامل مع ما يجري لا يجب أن يقتصر على الاستجابة الإنسانية، رغم أهميتها، بل يجب أن يتضمن أيضا مقاربة قانونية واضحة. فتوثيق حالات النزوح، ورصد أوامر الإخلاء، وتحليل آثارها، يشكل أساسا لأي مسار مساءلة لاحق. كما أن الضغط لوقف الأوامر الجماعية، وضمان عودة النازحين، هو جزء لا يتجزأ من حماية الحقوق الأساسية للمدنيين
محمود الحنفي يكتب: يمكن القول إن قضية كريم خان تمثل نقطة تحول مزدوجة: فهي من جهة كشفت هشاشة البيئة التي تعمل فيها العدالة الدولية، ومن جهة أخرى أظهرت قدرتها على استعادة التوازن. وإذا ما أُغلق الملف رسميا دون إدانة، فإن ذلك قد يمهّد لمرحلة أكثر حسما، يتقدم فيها الادعاء بثقة أكبر نحو القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها مساءلة قادة الاحتلال الإسرائيلي
محمود الحنفي يكتب: غالبا ما يتم تناول مسألة المضائق الدولية في إطار قانون البحار وحده، بينما تغيب أحيانا الإشارة الكافية إلى أن هذه القواعد وُضعت أساسا لتنظيم الملاحة في زمن السلم. أما في حالات النزاع المسلح، فإن قواعد أخرى تدخل إلى المشهد، أبرزها قانون النزاعات المسلحة البحرية