مقالات مختارة

التسريبات.. وغياب الأسئلة الكبرى!

1300x600
التسريب الأخير بين وزير الخارجية، سامح شكري، وموظف بالخارجية الإسرائيلية، الذي بثته فضائية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بالخارج، اهتم الكثيرون بفحواه فقط؛ لأنه فعلا بالغ الخطورة. الفحوى ربما يأتي في سياق شروط "كامب ديفيد".. غير أن الرأي العام، ربما لا يعنيه ذلك وقد لا يعرفه، وسيبقى عالقا في ذهنه، فحوى المكالمة المسربة، دون أي غطاء تبريري: كامب ديفيد تشترط، تنسيق طبيعي.. وما شابه.. هذا كله سيتراجع حضوره، مقابل هيمنة الفحوى مجردة.

بالتأكيد سيتضرر النظام السياسي، بما ورد في المكالمة، وأنا هنا لا أريد إعادة نشر ما ورد في التسريب، لأنه فعلا سيترك كبريائي الوطني ـ كمصري ـ مجروحا، عوضا عما سيخلفه من إحساس بالإهانة. الفحوى ـ إذن ـ خطيرة. ومع ذلك غابت أسئلة كاشفة لما هو أخطر: من الذي تنصت وسجل؟!ولمَ اختار فضائية معادية للنظام؟! وذلك تحت مظلة سؤال أكبر، لعله يطرح نقاشا عاما ومسؤولا، حول صلاحية الفلاتر التي تحصن الأمن القومي من الاختراق. لاحظ أنه قبلها بأسبوعين نُشر تسريب كان رئيس الجمهورية طرفا فيه، بكل ما يحمله من دلالات بالغة الخطورة، في وقت تواجه فيه البلاد تحدي الإرهاب الوحشي في سيناء، وبدرجة أقل وعلى فترات متباعدة في الدلتا.

التسريب الأول "الرئيس ـ شكري" لم يكن له معنى، إلا استعراض القدرة على الاختراق ولأعلى سلطة "محصنة" في البلاد، ومر دون أن يطرح الأسئلة الكبرى بشأن الإجراءات الأمنية وصرامتها، ومن هي هذه "القوة" التي تملك القدرة والجرأة على التنصت وتسجيل مكالمات أرفع مسؤول سياسي في البلد؟! وكذلك سؤال الجهة التي بثت: لماذا دائما قنوات إخوانية؟!

السلطات المصرية تلتزم الصمت، ولا تعلق على مثل هذه التسريبات، ولا ندري ما إذا كان الصمت، يقابله تحقيقات جادة لتحديد الجناة، ونقاط الرخاوة والاسترخاء والاختراق المتكرر.

لا نحتاج إلى جهد أو مشقة كبيرة في التدليل على أن الذي سجل قوة "متنفذة" وتملك أدوات دولة للتنصت. ولكن السؤال الأخطر: لماذا تخص فضائيات الجماعة بالبث حصريا؟! ولا أدري ما إذا كان المحققون ـ إذا كان ثمة تحقيقات جارية فعلا ـ يطرحون مثل هذا السؤال، لأن إجابته ربما ترسم صورة لتضاريس صراع القوى الداخلية وعلاقتها بالتيارات المناوئة بالخارج. غير أن التسريب الأخير "شكري ـ الخارجية الإسرائيلية"، ربما يكون هو الأخطر؛ لأن فحواه كانت تتعلق بأزمة تيران وصنافير، التي باتت حاليا واحدة من أكبر أدوات الفرز الوطني بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر كله؛ ما يطرح سؤالا آخر، يفترض أو يتوقع وجود انقسام حاد داخل الرأي العام، بالمؤسسات التي اعتمدت عليها القيادة السياسية، في تمرير اتفاقية ترسيم الحدود بين القاهرة والرياض. المهم أنه ليس بوسع أي مصري وطني حقيقي، إلا أن يشعر بالقلق والخوف على أمنه القومي، وليس بوسعه أن يخفي هذا القلق أو يسكت حياله، وهو يرى المكالمات الحساسة بين المسؤولين الكبار بالدولة، تبث على الفضائيات المعادية. ومع ذلك فكلي ثقة بأنها ستعالج؛ فمصر لديها خبرات أمنية كبيرة ومدربة بشكل جيد، تؤهلها لتكون أكثر حصانة وقدرة على سد منافذ الاختراق.. وعساه أن يكون قريبا.

المصريون المصرية