مدونات

لكل زمان "شمشونه"

محمد يوسف الحمادي - صحفي سوري
في سوريا، انهارت أسوار المنطق الدولي بسيل الدماء المتدفق، وتعرت الشعارات الواهنة لتكشف حقيقة الواقع المزري، مع متلازمة المفارقات الدولية المشابهة لوعد الفرزدق بقتل مَرْبَعٍ، لكن وكما وصف جرير الأمر، فإننا نرى نبالَكم يا سادة قَصَّرت، وقوساً ليس فيها منزع. هذا ينطبق على الوهن الدولي تجاه المأساة المستمرة، دون وجود أدنى أمل لنهايتها، ففي طرفة عين تحول الموت المتربص بالسوريين من أولوية دولية والأول في ترتيب الأهمية لأخبار العالم إلى سلعة زائدة لا يتم التطرق لها إلا في نوادر الأيام، بعد صناعة داعش وتحول الخطاب لمحاربة الإرهاب.

ستلاحق أرواح أطفال سورية الذين قضوا في محراب مدارسهم وأحضان أمهاتهم العالم أجمع؛ بعدما عصفت به عدوى "القلق" وانتشرت كالنار في الهشيم، إلى أن تحولت لعضال استوطن المنظمات الدولية والبلدان المتوجة على عرش الكوكب، هرباً من الإيفاء بالنذور المقطوعة للإنسانية والاستحقاقات التي تحولت إلى سراب أمام المأساة الحاضرة في كل حين على أجندات أعمال الكبار وجولاتهم المكوكية، لكنها غائبة عن أفعال تلجم القاتل وتصون حرمة الدماء المسفوكة، حتى أنه استبشر وأعلن بقاءه في الحكم حتى عام 2021.

حتى شيخ "كار" القلق الدولي بان كي مون، أبى أن يختم فترة رئاسته للأمم المتحدة إلا بوضع وسام "الشرف" على صدري بشار الجعفري وفيتالي تشوركين، وهم من أشد المدافعين عن سياسات بوتين والأسد الاجرامية، بحجة أنهم قضوا أكثر من عشر سنين داخل المنظمة الزرقاء. وبالرغم من أن البروتوكولات الدولية تنص على ذلك، إلا أننا أمام هذا الموقف نؤكد أن من يحكمنا هي شريعة الغاب التي ينتصر فيها القوي على الضعيف، ولهذا استوجب وجودهم التكريم.

من يقرأ التاريخ يؤمن بأن كوكبنا محكوم بقدوم طغاة، وقف العالم عاجزاً عن تحطيم مخالبهم وأنيابهم المتغولة في الجماجم البشرية كنيرون، ولينين، و كيم سونج، وستالين، وهتلر، و ثيودور هرتزل، وفرعون، و جنكيز خان. وبالرغم من مرور العقود أو القرون، على موتهم، إلا أن قصصهم ما زالت تروى إلى يومنا هذا، وكأن لكل عصر "شمشونا" جديدا، يطرب العالم بسماع قصصه.

المؤسف أن تنتظر البشرية قدوم سفاحها دون حراك أو أفعال تحجب عنها الموت، كشاة سلمت نفسها للذبح. فشخص واحد متعطش للدماء يقتل ملايين البشر، كما فعل هتلر في القرن الماضي، وشخص آخر يشعل حربا ضد شعبه لسنين يعجز المجتمع الدولي عن وضع حد لها، كما فعل بشار الأسد. فلا آلية قانونية تردع الظالمين عن ظلمهم، رغم وجود شرعية أممية سنت لكوكبنا طريقة عيشه، لكنها وللآسف بقيت شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وتصح في هذا المقام مقولة "يا فرعون مين فرعنك".

نسمع اليوم جعجعة لا نرى طحناً، فلو أراد "أصدقاؤنا" وضع حد لما يحدث من جرائم، فإن الساحة أمامهم يرتع فيها مفتولو العضلات من "زعران" بوتين والخامنئي. والحقيقة تقول إن إسعاف المريض في أي مكان، لا يحتاج إلا اتصالا بقسم الإسعاف، لا اجتماع الهيئة الطبية واتخاذ قرار سيادي ممهور بختم المدير.. ولو أن هذا الروتين قائم بالفعل لما بقي مريض على قيد الحياة؛ يخبر ذويه عن رحلة مرضه.