مقالات مختارة

استراتيجيات العنف من "ميكي ماوس" إلى "داعش"

1300x600
سلب فيلم "البرنامج" "The Program" (من إنتاج والت ديزني، أيلول 1993)، عقول الأطفال في أنحاء العالم، وتحوّل إلى أشرطة فيديو وألعاب مختلفة وأقراص إلكترونية. يظهر البطل فيه يلعب في وسط جادة أمريكية، لا يأبه للعربات السريعة التي تسحقه بسرعة غريبة، وتمر فوق أشلائه عجلات العربات الأمريكية الفارهة، فيتناثر جسده وبقاياه في الشوارع. قام الكونغرس الأمريكي بفرض قطع هذا المشهد المعبِر من الفيلم، والمطالبة بوضع قوانين تحد من العنف على شاشات التلفزة، وحذت الحكومة البريطانية حذوه في سَن قوانين مماثلة، لكنه بقي تحفة جذبت أطفالنا ومثله متاحف حيّة من حولنا لا تنتهي.

من يضبط نتائج ما تزرعه مشاهد العنف والمجازر التي تملأ زماننا المعاصر؟ إلى أين بعد؟ وكيف لنا أن نتساءل عن جيلٍ غريب وشاسع من التقنيات والألعاب الاتصالية الشديدة الحركة، يرسّخ الصمت وإذكاء التوتر في سلوك أجيالنا اليومي؟

لنعد قليلا إلى الخلف:

من "ميكي ماوس" إلى الإنترنت والخلوي، مرورا بالألعاب الإلكترونية مراحل ثلاث من الألعاب تكاملت كلها وتتداخل في تراتبيةٍ مدروسة وقيم خاصة بدأت بالتلقي والصمت لتتوج بمرحلة هائلة من العنف يمتصه أولادنا مع الحليب ونتفرج عليه مع الشاي في قلب الأسر العربية. تلك كارثة باتت مألوفة في كل دار وقرية عربية، وقد انشغلت إذاعة ال"بي.بي. سي". في حلقات بسؤال واحد مهم هو: 

لماذا ينجذب الشباب العربي وصغارنا إلى "داعش"؟ المحصلة جاءت مكررة ، عزت الأمر إلى الفقر واليأس والتدين والبطالة أو المؤامرة والحذاقة في التواصل مع شبابنا عبر الإنترنت. كله مقبول، لكن هناك أبناء موفورين ، يتركون جنانهم ويذهبون إلى القتال بلذة ملاقاة الموت، وكأن الموت لعبة جميلة قد أفرغ عندهم من مضمونه التاريخي. 

نعم تؤسس تلك الألعاب الإلكترونية النسب، عبر أجيالها المتعددة أنسابا عربية يغريها العنف وإطلاق الغريزة والصمت وهدم المفاهيم المترسخة في نسق القيم. الغريب أن هذه القيم الجديدة العنفية تبدو ثابتة إلى درجة تشابه الجينات الوراثية تحت مظلة الدين الوهمية وغير المقنعة. وإذا ما انصبّ اهتمامنا على مواد الشاشات، فإنها تجارب لا تعزز النمو لدى هؤلاء الأطفال، بل تقودهم أحيانا كثيرة إلى كل ما ورد وسيرد من أسباب الإرهاب، وتقودهم إلى الغمغمة والتعثر في الفهم والكلام وأعظم تجلياته عشق الصمت ولذة الكوابيس قفزا نحو تأكيد فراغ الموت عند امتشاق السلاح.

صحيح أن جيل معظم أطفال العالم يتأسس، في مرحلته الأولى، على عالم من الصور الملونة المتحركة على الشاشة حيث "فلسفة" الاحتيال والعنف المبنيتين على الاتصالات الصامتة بين هرة وفأرة، وصحيح أن الطفل يشهد في هذه المرحلة الأولى نماذج مثل "ميكي ماوس" و"توم أند جيري" و"غرايندزر" و" Tintin et Milou" و"Pink Pinter" و"سوبرمان" و"Donald Duck" تؤسس مخيلة لأطفال المعمورة زاخرة بالصور المتحركة الزاهية الألوان والتلقي المجبول بالدهشة والصمت والقوة والذكاء والقيمة، لكن يكفي أن يقوم البطل رمز السلطة باغتيال الآخر عن طريق القوة المباشرة ليعتبر هذا الاحتيال بطاقة براءة للإنتاج التلفزيوني في هذا المجال.

يخرج الطفل في المرحلة الثانية من حالة الارتخاء والتلقي الصامت إلى مرحلة الأنشطة الإلكترونية، ولكن في حركة عصبية داخلية فائقة السرعة والفعالية، وإذ تتيح له هذه المرحلة هامش أمان أوسع للنشاط العقلي وتفريغ طاقة من العنف، يبدو أسير طائفتين صامتتين من الألعاب المشغلة إلكترونيا بعد توصيلها بجهاز التلفزيون أو أية شاشة أخرى: وهنا أمثلة بسيطة:

أ- السيغا "Séga" وهي منظومة الحرية في نظري، بطلها معروف ب Sonicوهو حيوان أزرق خيالي غير مألوف. سريع وقوي جدا. يقطع مجموعة من المراحل الصعبة أثناء اللعب. يتغلب في كل مرحلة على رئيس ، غالبا ما يكون أقوى منه ويحتجز مجموعة من الحيوانات. وكلما انتصر" Sonic" في معركة حرر الأرانب والعصافير والضفادع من أقفاصها.

ب- الميغا درايف"Méga Drive" وهي منظومة النمو والقوة، وبطلها ماريو وسوبرماريو "Mario" المتناهي الحجم الذي ينمو بسرعة كبرى ويضخم حجمه. ما أن يلتهم وردة حتى ينبت الريش في رأسه، ويبادر بإطلاق النار، ولا يتمكن من الطيران إلا إذا قضم جزرة ليصل إلى مصارعة الحيوانات وقتلها إذا داسها مرتينو تبرز قمة الصعوبة لديه في مصارعة التنين الذي لا يموت قبل دوسه سبع مرات.

ينتقل أطفالنا في المرحلة الثالثة إلى منظومة استبدادية الاستهلاك والبطش والسحق أمام شاشات الكومبيوتر حيث نكتشف جيلين من الألعاب الصامتة: جيل ال Play Stationأو محطة اللعب الفردية، وجيل Dream Castحيث إمكانات اللعب الجماعية والاتصالات المفتوحة على الآفاق والمحرمات والصور كلها التي تتجاوز كل جهد أو استراتيجية تربوية. ويبرز في أساسها البطل هرقل المتسلح بعينيه ورأسه الناري وطموحه صرع الوحش، وهو بحاجة دائمة إلى شرب "البيبسي كولا" ، كلما فقد دمه أو جُرح في معاركه حيث يسقط وجه البطل على الشاشة ولا يظهر منه سوى يدٍ تقوم بقتل الجنود وسوق التفجير العشوائي. ويطل وجه صغير من وقت لآخر فقط لتفقد كمية الدم المتبقية للقتال الذي لا هدف له سوى القتال.

تتداخل هذه المراحل وتتنوع وتتشعب في الألعاب قصصا ومغامرات تستقي أحداثها من حروب فعلية وقعت في فيتنام وأفغانستان إلى نيكاراغوا وعاصفة الصحراء في الخليج والعراق، وهي تكاد تقتصر على قتل الخصم وإلغائه كليا. لكنها تتعاظم حيال صور العنف الحي وأخباره وأقاصيصه المتعاظمة في منازلنا وقصورنا إلى درجة أن بعض الصغار يصلون المدرسة وكأنهم شيوخ عاجزون عن التفوه بكلمة مفهومة، حسب طالبة تحضر دكتوراه في الموضوع، على الرغم من أن الفحوص الطبية لم تظهر قصورا مرضيا جسديا أو عقليا بل رعبا لذيذا من الشاشة ملعب العنف.

تستقر الفوضى المنقوعة بالعنف فوق قوس الاهتزاز العربي. لكن ما يشغلني أكثر هو اهتزاز أجيالنا العربية أعني مستقبلنا: كيف يقع هذا العنف الماحق على من يبقى من أطفال العرب؟ وكيف تتسرب إليهم تلك المعارض الإرهابية التي وإن جهد الأهل لحجب أهوالها، فإن أجيالهم مقيمون في عنف الشاشات صورا ومشاهد حية أكثر من إقامتهم مع محيطهم الذي تآلف مع أنواع العنف وما عاد صغارهم يأنفون منه، ولو كانوا في أرقى المدارس والحضانات. نعم هي كوارث تنتظر مستقبل العرب.
ما مصير أجيالنا القادمة؟

الجواب يستحق إعادة قراءة هذا النص، والنظر من حولنا لإيقاف العنف فورا مهما كانت الأسباب والنتائج والتنازلات في أرضٍ هي مهبط قيم ورسل وأنبياء.


(عن صحيفة الخليج الإماراتية ـ 21 كانون ثاني/ يناير 2016)