حقوق وحريات

رايتس ووتش تعيد فتح ملف صور الرعب بسجون الأسد (فيديو)

سرب "قيصر" أكثر من 52 ألف صورة كهذه
أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ تقريرا حول تسريب آلاف الصور لضحايا التعذيب في سجون النظام السوري، وخلصت إلى أن هذه الصور تشكل "أدلة دامغة" على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وأكدت المنظمة الحقوقية في تقرير بعنوان: "لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية"، أنها "وجدت أدلة على تفشي التعذيب والتجويع والضرب والأمراض في مراكز الاعتقال الحكومية السورية".

ويستند التقرير الذي أصدرته المنظمة بعد تحقيق استمر تسعة أشهر، إلى 28 ألف صورة لضحايا في معتقلات النظام، سربها مصور سابق في الشرطة العسكرية السورية يعرف باسم "قيصر".

وتعود الصور للفترة بين أيار/ مايو 2011، حين بدأ "قيصر" بنسخ ملفات الصور وتسريبها إلى خارج مقر عمله، وآب/ أغسطس 2013، حينما فر  إلى خارج البلاد. وقد سرب قيصر أكثر من 52 ألف صورة، وبدأ نشرها علنا للمرة الأولى في كانون الثاني/ يناير 2014.

وأفادت المنظمة في تقريرها المؤلف من تسعين صفحة؛ أن الصور التي اعتمدت عليها "تظهر ما لا يقل عن 6786 معتقلا ماتوا إما في المعتقلات أو بعد نقلهم من المعتقلات إلى مستشفى عسكري"، بعد اعتقالهم جميعا في "خمسة فروع لأجهزة المخابرات في دمشق".

ونقل التقرير عن نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الاوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، نديم حوري، قوله: "حققنا بدقة في عشرات الحالات والشهادات، وواثقون من أن صور قيصر تقدم دليلا موثقا ودامغا على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سوريا".

وأضاف: "هذه الصور تظهر أناسا هم أولاد وأزواج وأعزاء على أسرهم، قضى أقاربهم وأصدقاؤهم شهورا أو سنوات في البحث عنهم".

أطفال:

وتمكن باحثو المنظمة من "التعرف على 27 شخصا ظهروا في الصور"، بينهم صبي يدعى أحمد المسلماني كان في الرابعة عشرة من عمره حين ألقي القبض عليه عام 2012، عند إحدى نقاط التفتيش، بعد العثور على "أغنية مناوئة للأسد في هاتفه".

ونقل التقرير عن عم الفتى، ضاحي المسلماني الذي عمل قاضيا لمدة عشرين عاما قبل أن يفر من سوريا عام 2013، أنه "دفع أكثر من 14 ألف دولار أمريكي كرشاوى في محاولة لتأمين الإفراج عن أحمد، دون جدوى".

وبعد نشر صور قيصر، بحث ضاحي عن صورة أحمد. وقال للمنظمة: "فتحت مباشرة ملف المخابرات الجوية، ووجدته". وذكر التقرير أن ضاحي مسلماني انهار خلال الحديث معه، وقال: "كانت صدمة حياتي أن أراه هنا. بحثت عنه 950 يوما. كنت أعد كل يوم. قالت لي والدته وهي تحتضر: أتركه في حمايتك. أي حماية أقدمها؟".

وقال حوري: "لا يساورنا الشك في أن من ظهروا في صور قيصر جُوّعوا وضُربوا وعُذبوا بطريقة منهجية، وعلى نطاق جماعي"، موضحا أن "هذه الصور لا تمثل إلا شريحة ضئيلة ممن ماتوا في عهدة الحكومة السورية والآلاف غيرهم يعانون من المصير ذاته".

ودعت المنظمة الحقوقية في تقريرها "الدول التي تجتمع بشأن مفاوضات السلام المحتمل في سوريا (...) إلى أن تعطي الأولوية لمصير آلاف المعتقلين"، معتبرة أن "ثمة مسؤولية خاصة على عاتق روسيا وإيران، الداعمين الأساسيين للحكومة السورية، للضغط على سوريا كي تمنح حق الوصول الفوري ودون عوائق لمراقبين دوليين (...) إلى جميع مرافق الاحتجاز".

وذكر حوري أن الحكومة "لم تتخذ أي إجراء للتحقيق في سبب الوفاة أو حتى لمنع وفاة المزيد من المحتجزين"، معتبرا أن "على من يدفعون من أجل السلام في سوريا أن يكفلوا وقف هذه الجرائم، وفي نهاية المطاف محاسبة المشرفين على هذا النظام عن جرائمهم".

وقد استعان باحثو هيومن رايتس ووتش بصور الأقمار الصناعية وتقنيات تحديد المواقع الجغرافية وأدلة قدمها منشقون من مستشفيَين عسكريَين، لتأكيد مكان التقاط الصور، والتعرف على نظام ترميز البطاقات التي توضع على الجثث.

وقال حوري: "سجلت الحكومة هذه الوفيات، مجهِّزة عشرات الجثث معا، بينما لم تتخذ أي إجراء للتحقيق في سبب الوفاة أو حتى منع وفاة المزيد من المحتجزين".

امرأة واحدة:

ومن بين الصور التي سربها "قيصر"، هناك صور لامرأة واحدة، هي رحاب العلاوي. وهي من سكان دمشق وتنحدر من دير الزور، كانت تدرس الهندسة في جامعة دمشق قبل اندلاع الانتفاضة في سوريا.

كانت رحاب تبلغ نحو 25 عاما حين أوقفتها "سرية المداهمات"، التابعة للمخابرات العسكرية، في 17 كانون الثاني/ يناير 2013. فقد عملت رحاب في إحدى اللجان التنسيق المحلية في دمشق، لتساعد النازحين الذي فروا من حمص.

وبعد القبض عليها، سعت الأسرة للحصول على معلومات عنها من خلال معارف من المسؤولين في السلطة، حيث دفعت الأسرة أكثر من 18 ألف دولار أمريكي لمسؤولين في الجيش وأجهزة الأمن السورية، للحصول على معلومات عن رحاب وتأمين الإفراج عنها، لكن محاولاتها لم تنجح.

وفي آذار/ مارس 2015، بعد نشر صور قيصر على الإنترنت، اتصل أحد أبناء عمومتها بالأسرة واستفسر إن كانت صورة رحاب من بين تلك المسربة. قال ابن العم: "إنها تشبه رحاب تماما". تعرفت الأسرة على رحاب، لكن مع ذلك طلبت من معتقلات سابقات رأينها في السجن أن يؤكدن أن الصورة لها، لأن مظهرها تغير كثيرا خلال الاعتقال.

وتنقل المنظمة عن هنادي، وهي معتقلة سابقة كانت مع رحاب قبل نقل الأولى إلى سجن عدرا: "ذات يوم اتصل شقيقها بي وسألني إن كانت صورة رحاب من بين الصور التي نشرت.. تعرفت على البيجاما التي كانت ترتديها، وعلى وجهها. حتى شكل أصابع قدميها كان كما هو".

شهادات:

ومن الشهادات التي نقلتها المنظمة، شهادة الدكتور كريم مأمون، وهو معتقل سابق في الفرع 215 التابعة للمخابرات العسكرية في دمشق، حيث يقول: "عندما دخلت الزنزانة، شخص ما عرفني. عندما رفع رأسه، (رأيت) أسنانه مكسورة. كان هزيلا جدا. كان شعره خفيفا وقصيرا. قلت: هل تعرفني؟ قال: نعم، أنا ابن أخيك محمد. أنا الذي أعمل في السوبرماركت المجاور لعيادتك. بدأ بالبكاء. قال إنه لم ير نفسه، منذ اعتقل قبل 10 شهور ونصف".

ويقول مجند سابق عمل في المشفى 601 العسكري: "أعرف هذا المكان، من الصور، حجرا حجرا وطوبة طوبة. عشت هناك على مدار 24 ساعة في اليوم. كان عليّ أن أحمل (الجثث) بنفسي".

كما يقول منشق عن الجيش خدم في مشفى حرستا العسكري قرب دمشق، وشهد تسجيل الجثث: "حين تصل الجثث تسأل (الطبيبة الشرعية وهي أيضا ضابطة جيش) عن عدد الجثث الموجودة. ثم تطلب (من المجندين) لف الجثث. تعطي كل جثة رقما ثالثا على ضمادة. تكتب في السجل: رقم المعتقل، ورقم الفرع، ورقم المشفى (رقم الفحص). ثم يضعون الجثث في البراد (المشرحة)".