كتاب عربي 21

حسابات سياسية في ظل تفجير أنقرة

1300x600
التفجير الإرهابي المشبوه الذي استهدف التجمع الانتخابي لحزب الشعوب الديمقراطي في مدينة ديار بكر قبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة رفع شعبية حزب الشعوب الديمقراطي، الذي ظهر أمام الناخبين في صورة الضحية، حوالي 2 بالمائة، وفقا لاستطلاعات الرأي. وبعد تفجير أنقرة، يطرح كثير من المحللين هذا السؤال: "هل يتكرر السيناريو نفسه قبيل الانتخابات المبكرة ليظهر حزب الشعوب الديمقراطي مرة أخرى كضحية، في الوقت الذي تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبيته بسبب الهجمات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني؟".

هناك شكوك وعلامات استفهام كثيرة حول الهجمات الإرهابية التي تستهدف حزب الشعوب الديمقراطي وتوقيتها والجهة التي تقف وراءها. وما يعزز هذه الشكوك وجود قرائن تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني فيها أو على الأقل في بعضها، مثل إلقاء الشرطة التركية القبض على خمسة من عناصر حزب العمال الكردستاني في مدينة "ويران شهير" ذات الأغلبية الكردية خلال محاولتهم زرع
المتفجرات في حديقة عامة عشية تنظيم تجمع انتخابي فيها من قبل حزب الشعوب الديمقراطي.

حزب الشعوب الديمقراطي كان يرفع قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة شعار السلام والأخوة بين الشعوب، وبفضل هذا الشعار تجاوز الحاجز الانتخابي وحصل على أكثر من 13 بالمائة من أصوات الناخبين ليتمثل في البرلمان التركي بـ80 نائبا، إلا أنه بعد الانتخابات سرعان ما انقلب على شعار السلام والأخوة وبدأ يستخدم لغة العنف والكراهية والتهديد. ثم جاء إعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء وقف إطلاق النار وبدء سلسلة من الهجمات الدموية التي تستهدف رجال الشرطة وجنود الجيش التركي وضباطه، كما أنه سقط فيها ضحايا من المدنيين، ولم يصدر من حزب الشعوب الديمقراطي أي تصريح يدين هجمات حزب العمال الكردستاني الإرهابية.

الأعمال الإرهابية التي قام بها حزب العمال الكردستاني في الفترة الأخيرة أدت إلى تراجع شعبية حزب الشعوب الديمقراطي الذي يعتبر الذراع السياسية للمنظمة الإرهابية. وتشير استطلاعات الرأي إلى هذا التراجع في مقابل ارتفاع شعبية حزب العدالة والتنمية وشعبية حزب الشعب الجمهوري، ما يعني أن نسبة من الناخبين الذين صوتوا في الانتخابات السابقة لحزب العدالة والتنمية أو لحزب الشعب الجمهوري ثم صوتوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لحزب الشعوب الديمقراطي، ندموا على هذا القرار الخاطئ وتراجعوا عنه ليقرروا التصويت في الانتخابات المبكرة مرة أخرى لحزب العدالة والتنمية أو لحزب الشعب الجمهوري.

تركيا مقبلة على انتخابات هامة للغاية لم يبق لإجرائها غير 18 يوما، ولكن الظروف الأمنية والسياسية ليست لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الذي يظهر أمام الناخبين في صورة المؤيد لهجمات حزب العمال الكردستاني ضد قوات الأمن التركية. وبالتالي، فإنه بحاجة ماسة إلى خطوات عاجلة لتغيير هذه الصورة قدر الإمكان لتتسنى له الفرصة لرفع شعار السلام والأخوة مرة أخرى إلى حين إجراء الانتخابات المبكرة في الأول من الشهر القادم.

الخطوة الأولى جاءت من حزب العمال الكردستاني، ونشر اتحاد المجتمعات الكردستانية، على موقعه في الإنترنت بيانا يعلن فيه وقف هجمات حزب العمال الكردستاني ضد قوات الأمن التركية "استجابة لنداءات أتت من الداخل والخارج"، إلا أنه هدد بالعودة لاستئنافها "إذا تعرض مقاتلوه أو قواته لهجمات".

وكانت هناك نداءات أطلقتها القوى الداعمة لحزب الشعوب الديمقراطي تدعو فيها حزب العمال الكردستاني إلى وقف هجماته الإرهابية حتى لا تؤدي إلى تراجع حاد في شعبية الحزب. وأما الخطوة الثانية فتقوم بها وسائل إعلام من خلال نشر أخبار وتصريحات لينسى الرأي العام التركي ما قام به
حزب العمال الكردستاني من أعمال إرهابية ويظهر حزب الشعوب الديمقراطي كضحية للعنف والإرهاب.

السلطات التركية تبذل قصارى جهدها لكشف ملابسات العملية الإرهابية التي استهدفت العاصمة التركية، وبغض النظر عن هوية منفذها والجهة التي تقف وراءها فإن حزب الشعوب الديمقراطي سيسعى لاستغلالها إلى أبعد حد في دعايته الانتخابية، لأنه بحاجة ماسة إلى لفت الأنظار عن وجهه الحقيقي ليلعب في هذه الانتخابات أيضا ذات الدور الذي لعبه في الانتخابات الأخيرة للحيلولة دون حصول حزب العدالة والتنمية على عدد من المقاعد يكفيه لتشكيل الحكومة وحده.