ملفات وتقارير

النظام السوري باع جوازات السفر وبلّغ الإنتربول بأنها مسروقة

أصبح حصول السوريين المغتربين على جواز السفر حلماً للكثيرين منهم
 
مع تصاعد أزمة السوريين المغتربين في الحصول على جوازات سفر، طفت "تجارة" جديدة على السطح، وتتمثل في سماسرة يسهلون الحصول على جوازات مقابل مبالغ مالية كبيرة، لكن بعلم النظام السوري الذي عمد بعد  ذلك إلى إبلاغ الإنتربول عن هذه الجوازات باعتبارها "مسروقة"، مما عرض حامليها للمشكلات في بعض المطارات، وخصوصاً تركيا.

ونشأت أزمة الجوازات مع امتناع النظام السوري عن منح معارضيه جوازات سفر، سواء عبر دوائر الهجرة والجوازات أو عبر القنصليات التي لا تزال تعمل حتى الآن. وحتى في حالة الحصول عليه، فإن الأمر يتم بعد طلب وثائق توصف بأنها "تعجيزية" وانتظار لفترات طويلة، وكثيراً ما يأتي الجواب بالرفض، مما يتسبب بمشكلات في تجديد الإقامات، ناهيك عن القدرة على التحرك.

ويبلغ سعر الجواز ما يتراوح بين 1000 دولار إلى 1800 دولار. ويُعتقد أن عدداً كبيراً من السوريين قد حصلوا على جوازات بهذه الطريقة، يُقدر عددهم بالآلاف.

وبدا واضحاً أن النظام السوري كان على علم بهذه العمليات لـ"بيع" جوازات السفر، فهي صادرة عن مديريات الجوازات داخل سوريا، وتخضع لسيطرة النظام. ومن المؤكد أن الجوازات صحيحة وخضعت للفحص في مطارات عديدة دون أن يظهر أي داع للتشكيك في سلامتها.

 وقد كشفت مصادر مطلعة قبل أشهر أن النظام السوري قام بتعميم قائمة بأرقام هذه الجوازات عبر الشرطة الدولية (الإنتربول)، بحجة أن هذه الجوازات "مسروقة" وأنه يمكن أن يستفيد منها "الإرهابيون".

وقد تحدثت "عربي21" مع اثنين من السوريين حصلا على جوازي سفر بهذه الطريقة، لكنهما تعرضا مؤخراً لمشكلات في  تركيا بسبب بلاغات الإنتربول.

وقال أحدهم إنه حصل على جوازه عبر سمسار في مدينة كلس التركية، مقابل 1700 دولار، مشيراً إلى أنه استخدمه عدة مرات عبر المعابر الحدودية التركية مع سوريا، وسافر به عبر مطار اسطنبول مراراً، كما استخدمه في دولة خليجية ثلاث مرات دون أي مشكلات.

وأوضح صاحب الجواز طالباً عدم ذكر اسمه؛ أن الجواز صادر عن مديرية الهجرة والجوازات في حلب، حسبما يظهر على الجواز نفسه، وأنه استخدمه بعد ذلك للعبور من حلب إلى كلس التركية، وهو ما يؤكد سلامة الجواز، حسب تقديره.

وتحدث صاحب الجواز لـ"عربي21" عن توقيفه أخيراً في مطار اسطنبول، حيث أُبلغ بأن جوازه "مزور"، وبعد توقيف دام 19 ساعة في مطار اسطنبول، تم إبعاده إلى دولة خليجية كان قادماً منها، رغم أنه لا يحمل تأشيرة دخول صالحة إليها، على أن يتم ترحيله لاحقاً إلى سوريا. وقال إنه تواصل مع الائتلاف الوطني السوري حينما كان محتجزاً في مطار اسطنبول ولكن دون فائدة.

ورغم أن جواز سفره تعرض للتدقيق في كل مرة كان يمر فيها عبر مطار تلك الدولة الخليجية بسبب بلاغ الإنتربول، إلا أنه كان يُسمح له فيها بالمرور دون مشكلات، كما سُمح له بالدخول بعد ترحيله من تركيا رغم أنه لا يحمل تأشيرة سارية المفعول.

وعلمت "عربي21" أن شخصيات سياسية، بينهم أعضاء في الائتلاف الوطني السوري، تعرضوا للتوقيف في مطار اسطنبول للسبب ذاته، ووصل الأمر إلى حد ترحيلهم، كما حدثت حالات مشابهة مع أعضاء في الائتلاف في مطار القاهرة.

وتحدث سوري آخر حصل على جواز بطريقة مشابهة لـ"عربي21" عن تجربته، موضحاً أنه استفاد من "فساد النظام" وحصل على الجواز عبر موظف في دائرة الهجرة والجوازات في حلب مقابل 1800 دولار.

وقال صاحب الجواز الذي طلب تعريفه بالرمز "ع.م"، إنه لم يتعرض للتوقيف في السابق رغم مروره لمرات عبر المعابر الحدودية التركية مع سوريا، كما مرّ أكثر من عشر مرات عبر مطار اسطنبول، إضافة إلى تنقله في دول أوروبية عديدة بهذا الجواز دون عوائق.

لكن قبل أيام، تم توقيف "ع.م" في مطار اسطنبول عندما كان قادماً من ألمانيا التي يقيم فيها، وتم منعه من الدخول إلى تركيا بحجة أن جواز سفره مزور، وتمت إعادته إلى ألمانيا خلال ساعتين.

ولفت "ع.م" إلى أن السلطات الألمانية في مطار برلين فحصت الجواز بعد عودته، بسبب بلاغ من السلطات التركية التي سلمت جواز السفر لطاقم الطائرة لتسليمه لسلطات المطار الألماني، لكنها (السلطات الألمانية) أكدت له أن الجواز صحيح تماماً.
 
ولا يُعرف سبب تشدد تركيا بمفردها تجاه هذه الجوازات، لكن يبدو أن ذلك يعود للاتهامات الموجهة للسلطات التركية بتسهيل مرور "الإرهابيين". فقد ذكر "ع.م" أن ضابط الأمن سأله في تركيا عن سبب مجيئه بلغة عربية ضعيفة: "ليش جاي؟ لتصير مع داعش؟"، رغم أنه زار تركيا بهذا الجواز لأكثر من عشر مرات سابقاً.

وعلمت "عربي21" أنه خلال الأيام الماضية جرى توقيف سبعة سوريين آخرين على الأقل في مطار اسطنبول للسبب ذاته، وهو ما يضيق الخناق على السوريين الذين لم يعد أمامهم سوى تركيا التي تسمح لهم بالدخول دون تأشيرة.

وكان الائتلاف الوطني السوري قد تحدث مراراً عن سعيه لإصدار جوازات سفر للسوريين لحل أزمة الجوازات، ثم جرى لاحقاً الحديث عن تمديد الجوازات منتهية الصلاحية عبر لصاقات توضع عليها، لكن تم إلغاء الفكرة مؤخراً بسبب عوائق قانونية، حيث إن الائتلاف لم يُعترف به قانونياً في الأمم المتحدة، وبالتالي ستكون الجوازات التي يُصدرها بمنزلة "المزورة" وهو ما سيُعرض حامليها للتوقيف في المطارات حول العالم.

ولهذا السبب، أقال الائتلاف سفيره في الدوحة نزار الحراكي بسبب مضيه قدماً في المشروع دون التنسيق مع الحكومة المؤقتة رغم المحاذير القانونية، وباعتبار أن المسألة تدخل في إطار اختصاص الحكومة المؤقتة وليس سفارة الائتلاف في قطر. وكان مقرراً بدء عملية التمديد في سفارة الدوحة هذا الشهر، لكن تم عزل السفير ووقف الإجراءات من قبل الائتلاف، علماً بأن جميع الدول التي عُرضت عليها الفكرة رفضت الاعتراف بهذه الجوازات، باستثناء قطر.