مقالات مختارة

شاعر الإسلام الثائر

1300x600

احتفلت الباكستان حكومة وشعبا الأسبوع الماضي بالذكرى الـ145 لميلاد الفيلسوف والشاعر والسياسي محمد اقبال، وهذه الذكرى تعتبر عيدا وطنيا في الباكستان، فإقبال ربما يكون أول من حلم بفكرة دولة الباكستان وعمل على إنشائها. ومع ذلك، فإن اقبال لا يعرف كثيرا اليوم بين الجمهور العربي سوى باسمه، وربما بقصيدته الشهيرة “حديث الروح” التي غنتها ام كلثوم.


ورغم تغير الزمان، وازدحام الأسماء، والزهد في أدب الشرق وفلسفته، إلا أن حكيم الأمة، وشاعر الشرق يستحق أن يدرس اليوم لما قدمه من روح اشراقية دفاقة ومنهج واقعي، وخط تجديدي جعل فيها التصوف الإسلامي حركة وطاقة وواقعية، لا طقوسا وقعودا وجمودا. وشرّح علل الحضارة الإسلامية بنظرة ثاقبة وتحليل عميق، وكان له في ذلك إضافات ومساهمات ربما لم يسبق اليها.

 

انطلق اقبال في تجربته من القرآن الكريم الذي أثّر فيه كثيراً، وصاحبه طوال حياته، ولكنّه درس أيضا في أرقى جامعات أوروبا وتتلمذ على فلاسفة لامعين، واستوعب فلسفة نيتشة وغوته وكانط وغيرهم، وخلص الى أن الفكر الغربي يمثل محفزاً لا خطراً على الحضارة الإسلامية، وأبدع تراثا فلسفيا صاغه بروح شاعرية، ووصف حضارة أوروبا بـ”إيمان العقل وكفر القلب”، ووصف سمات النهضة الغربية التي قامت عليها بالسمات العقلية التي لا قلب لها ولا روح فيها، وعاب عليها “عبادة الجسم، وإهمال الروح، والشغف بالعلم وهجران العشق”.


كان لإقبال انتماء خالص لأمة الإسلام، وتقدير للعرب، وتعلق صوفي بالديار الحجازية فمن أقواله “إنني أعتقد أنَّ مستقبل الإسلام مرتبط بمستقبل العرب، ومستقبل العرب متوقف على اتحادهم، فيفوز المسلمون إذا اتَّحد العرب”، ووصف نفسه بـ”جسمي زهرة من جنة كشمير، وقلبي من حرم الحجاز، وأنشودتي من شيراز”، وبالرغم من ذلك فإنه لم يتمكن من زيارة الحجاز، ربما لضيق الحال والمرض، فقد عاش حياته عفيفا وزاهداً وصابرا.


اختصر الدكتور محمد الشنقيطي فلسفة إقبال بوصفها “عز العبودية لله”، وهكذا كانت سيرته، فقد أظهرت الشهادات المتواترة سيرة حياة تفيض بالعزة والمروءة والزهد والكرم، والحب الغامر لمن حوله، والتواضع الجمّ لأصدقائه، ولقاء الموت بابتسامة، مما ينصف الباكستان عندما توضع سيرته إلى جانب سيرة عظماء الهند المعاصرين له غاندي ونهرو.


لم يشهد الحكيم اقبال قيام الدولة التي بشر بها “ جمهورية باكستان الإسلامية”، كما لم يشهد قيام الكيان الصهيوني واحتلال القدس وكان قد خاطب المؤتمر الإسلامي العالمي “إنَّ المسلمين يستشهدون في فلسطين، وتُقتَل نساؤهم وأطفالهم، وتسفك دِماؤهم في القدس التي فيها المسجد الأقصى الذي أُسرِي إليه بالرسول، والإسراء حقيقةٌ دينيَّة، فدعوى اليهود بامتلاك جزء من المسجد الأقصى باطلة وغير شرعيَّة من الناحية القانونيَّة والتاريخيَّة”.

 

(الغد الأردنية)