سياسة عربية

هل تراجعت مصر عن إزالة قبر طه حسين؟.. حفيدته توضح

ناشطون طالبوا بوقف مخطط الحكومة - تويتر

تعتزم السلطات المصرية، إزالة مقبرة عميد الأدب العربي، طه حسين، في القاهرة، بهدف إقامة محور مروري باسم الكاتب الصحفي ياسر رزق الراحل والمقرب من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، صورا تظهر وضع السلطات المصرية كلمة إزالة وعلامتي (X) باللون الأحمر على جانبي بوابة المدفن الخاص بعميد الأدب العربي الكائن بقرافة سيدي عبد الله بمنطقة التونسي بالقرب من مسجد ابن عطاء الله السكندري بالقاهرة، تمهيدا لإزالته.

أثارت الصور المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر غضب قطاع واسع من المفكرين، والآثاريين والسياسيين والنشطاء، الذين طالبوا بوقف مخطط الحكومة لأنه يتضمن إزالة العديد من المقابر الخاصة بشخصيات مصرية، داعين إلى عدم تقديم التطوير العمراني على حساب التراث والتاريخ.

لكن السلطات المصرية قطعت المياه عن المقبرة، وطالبت أصحاب المقابر المجاورة بنقل رفات ذويهم استعدادًا للهدم، وإزالة مدافن مُجاورة، بحسب ما نقل موقع "مدى مصر" عن رئيسة وحدة التراث والآثار بأكاديمية العلوم والتكنولوجيا، مونيكا حنا، وحفيدة طه حسين مها العون.

وفشلت كل محاولات أسرة طه حسين في الحصول على إجابات شافية لأسئلتهم حول وضع المقبرة من المسؤولين المعنيين بالأمر، حيث تتولى الهيئة الهندسية تطوير وإنشاء المحور المروري، وهي وحدها من تقرر ذلك.

ودفع الصمت والتجاهل الرسمي لمصير المقبرة أسرة طه حسين إلى التفكير جديا في نقل رفاته إلى خارج مصر دون تحديد الوجهة المقبلة للرفات، حتى تضمن عدم المساس بحرمة الموتى مرة أخرى، بحسب تصريحات حفيدته مها العون المقيمة في لبنان.

 

وقالت نائبة محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، جيهان عبد المنعم، إنه لم يصدر قرار بإزالة المقبرة، مؤكدة أن مقبرة "طه حسين" لا تدخل ضمن أعمال التطوير التي تتم حاليًا.


في المقابل، قال محمد أبو الغار، الرئيس الأسبق لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إنه علم من أسرة الراحل طه حسين، أن الحكومة الفرنسية ترحب بعمل مدفن يليق بأهم مثقف مصري في القرن العشرين، وفق ما نقله موقع "القاهرة24" المقرب من أجهزة سيادية في مصر.

وما يؤكد نية السلطات المصرية المضي قدما في مخططها هو قيامها بهدم مدافن مجاورة لا تقل أهمية عن مدفن طه حسين، بالنظر إلى كونها عمارة تاريخية توثق للقرن التاسع عشر والعشرين، وبمثابة ذاكرة للمدينة، ولا يمكن تعويض الخسارة الناجمة عن هدمها، بحسب مونيكا حنا.

 

لا تواصل مع السلطات

في أول تعليق لها على تصريحات المسؤولة بمحافظة القاهرة، قالت الدكتورة مها عون حفيدة طه حسين، "في الحقيقة لا نعلم ما هو القرار"، مشيرة إلى أنها "جاءت لتوها من المقابر، وقامت الجهات المعنية بطلاء علامة إكس وكلمة إزالة".

وأوضحت في تصريحات خاصة لـ"عربي21": "كان الطلاء على الجدران رطبا عندما زرنا المقابر، ما يعني أنه تم الطلاء حديثا، قمت بتصوير واجهة المقبرة بعد أن أزيلت علامة إكس وكلمة إزالة باللون الأحمر".

وأعربت عن ارتباك واضطراب الأسرة مما يحدث، قائلة: قبل يومين كتبوا كلمة إزالة، والآن أزالوا كلمة إزالة، وكما كررت مرارا أنه للأسف لا يوجد تواصل مع المسؤولين في الحكومة أو المحافظة، وغير قادرين على فهم الحقيقة، هل هناك قرار بالإزالة أم لا، نرجو أن لا يكون هناك قرار بالإزالة".

 

وبحسب مواقع محلية، يضم مدفن طه حسين، المهدد بالإزالة، رفات ابنته أمينة التي كانت من أوائل الفتيات اللائي حصلن على شهادة جامعية في مصر، ورفات زوجها الراحل محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر إبان حرب أكتوبر عام 1973، وآخرين.

وتفجرت حملة من الاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي ضد نهج الدولة المستمر في إزالة وهدم العديد من المقابر والمدافن الشهيرة في العاصمة المصرية القاهرة، حيث دأبت الحكومة على هدم الحدائق الأثرية وقطع الأشجار في العديد من الأحياء العريقة بالعاصمة بدعوى إنشاء جسور ومحاور مرورية لتسهيل حركة المرور.

وأثارت شبكة الطرق الجديدة المولع بها السيسي أزمات متكررة منذ عام 2019 عندما بدأت الحكومة في تنفيذ سلسلة من الطرق والكباري والمحاور وتعديها على مناطق تاريخية في العاصمة المصرية، من بينها منطقة جبانة المماليك التاريخية، التي تم هدم جزء منها لإنشاء محور مروري باسم "محور الفردوس".

 



ليست الأولى

وسبق أن أقدمت السلطات المصرية على هدم مقابر سابقة لشخصيات أثرت في التاريخ الحديث، وتهديد أخرى بالإزالة مثل مقبرة على باشا مبارك؛ وهو مؤرخ مصري وصاحب فضل في بناء عدد من الصروح العلمية العريقة وسمي بـ"أبي التعليم المصري".

وكذلك مقرئ القرآن الشهير الشيخ محمد رفعت، ورئيس أركان الجيش المصري خلال فترة حكم الخديوي توفيق وسمي بـ"مهندس الثورة العرابية"، محمود باشا فهمي، بالإضافة إلى العديد من المقابر بمحيط الإمام الشافعي والإمام الليثي بالقاهرة.

وطالت عمليات الهدم أسوار مقبرة رئيس وزراء مصر وقت الحرب العالمية الثانية، حسن باشا صبر، وواجهة قبر الفيلسوف والمفكر المصري وأحد مؤسسي الحزب الوطني أحمد باشا لطفي السيد، وهدم مدفن مراد باشا محسن، ناظر الخاصة الملكية في عهد الملك فاروق الأول والذي تسمى باسمه شارع مراد الشهير بالجيزة.

إلى جانب هدم سور المدفن الخاص بأحمد عبود باشا أحد أعمدة الاقتصاد المصري في القرن الـ20 ومن مؤسسي بنك مصر، وأول مصري في مجلس إدارة شركة قناة السويس العالمية، وكذلك السور الخارجي لمدفن نازلي هانم حليم، حفيدة محمد علي باشا الكبير.

الإضرار بالذاكرة المصرية

في سياق تعليقه على عمليات هدم المقابر والمدافن لشخصيات تاريخية، دعا الباحث المتخصص في علم الآثار، الدكتور حسين دقيل، "إلى عدم إتمام الهدم؛ لأنه يخالف القوانين والدستور التي تؤكد ضرورة الحفاظ على الآثار والتراث"، مشيرا إلى أن "عملية تطوير البنية التحتية لا يجب أن تأتي على حساب التراث والتاريخ المصري".

وأكد في تصريحات لـ"عربي21": أن "هدم التراث هو جزء من الآثار؛ لأنه يتصف بعدة صفات تميزه بشكل معماري، وأن ينتمي لحقبة تاريخية معينة، وأن يصل بشخصية اعتبارية ذات أهمية، ومن هنا وجب الحفاظ عليها، وأي هدم لها هو هدم للذاكرة المصرية".

واعتبر أن نهج الدولة المستمر في عمليات الهدم "يخلق حالة من الاستسهال لدى الأجيال الحالية في التعامل مع كل ما هو تراثي وتاريخي، ويعد إهمالا جسيما في حق تاريخ الدولة"، داعيا "إلى تحويل مثل تلك المناطق إلى مزارات سياحية بدلا من هدمها وإهمالها".

في محاولة لتهدئة الرأي العام، أكدت نائبة محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، المهندسة جيهان عبد المنعم، أنه لم يصدر قرار بإزالة مقبرة عميد الأدب العربي بنطاق حي الخليفة بجنوب القاهرة، ولا تدخل ضمن أعمال التطوير التي تتم حاليًا.

وتعد هذه التصريحات تكرارا لتصريحات سابقة من قبل المسؤولين بالمحافظة، ورغم ذلك تم إضافة كلمة إزالة مؤخرا، كما شكك البعض في حقيقة تلك التصريحات كونها جاءت على لسان مسؤول ثانوي تابع لأحد أحياء المحافظة وليست على لسان المحافظ نفسه أو وزير الثقافة مثلا.