صحافة دولية

NYT: "وحش جنسي" أحاط نفسه بقادة العالم بينهم ابن سلمان

أقام علاقات مع عدد مذهل من أغنى وأقوى الرجال في العالم - جيتي

تحدث صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير للكاتب جيمس بي ستيوارت، عن "ملحمة تشيلو غريبة"، شرجت خلالها عن كيفية إحاطة إبستين سيئ الصيت نفسه بأغنى وأقوى الرجال في العالم.

 

عندما توفي جيفري إبستين في السجن في عام 2019، أخذ معه كثيرا من الأسرار، وكان أحدها كيف تمكن وحش جنسي وفاشل في الدراسة مثله من إقامة علاقات مع عدد مذهل من أغنى وأقوى الرجال في العالم، مثل الأمير أندرو البريطاني وولي عهد المملكة العربية السعودية.

ومن الأسرار الأخرى لماذا كان إبستين يمتلك تشيلو إيطاليا نادرا، كان الحاجة الوحيدة غير المالية التي امتلكها وورد ذكرها في سجلات الضريبة السنوية لمؤسسته، حيث وصف بكلمة واحدة هي "تشيلو"، وقدرت قيمته في السجلات الضريبية بمبلغ 165.676 ألف دولار.

لم يعرف عن إبستين أنه كان يعزف على التشيلو أو أنه كان يبدي اهتماما بالآلات الموسيقية كاستثمار.

اللغز الأول ضخم، وما زال المحامون والضحايا والصحفيون عاكفين على حله. وأما اللغز الثاني فصغير، يقتصر الاهتمام به على عالم الأدوات الوترية الراقية. إلا أن اللغزين مرتبطان، وتقدم الرحلة الغريبة التي قطعها التشيلو منذ أن دخل حيز ملكية إبستين إلى أن خرج منها نافذة يطل المرء منها على حياة وتركة المجرم سيئ الصيت.

كان قصر إبستين في مانهاتن يغص بكل الأشياء المثيرة للفضول، فقد احتوى ضمن ما احتواه على صورة لبيل كلينتون في زي أزرق، وزرافة محنطة، وأثداء صناعية في الحمام الرئيسي.

ولكن أهم من هذه المقتنيات كان الناس الذين جمعهم إبستين من حوله. فعلى مر السنين، تمكن من أن يجمع من حوله زعماء في مجالات الأعمال والتجارة والمال والسياسة والعلوم والرياضيات والأكاديميا والموسيقى وحتى اليوغا. وعادة ما كان يقوم بتعزيز العلاقات معهم من خلال تعريف بعضهم ببعض ضمن الفلك الذي تدور فيه حياته ومن خلال التبرع للمشاريع التي كانوا يرعونها أو من خلال التفضل عليهم بالهدايا والخدمات الخاصة.

وكان ذلك هو المصدر الذي جاء منه التشيلو.

مزاعم باطلة ودروس في عزف الأكورديون

في أثناء طفولته ونشأته في بروكلين، أبدى إبستين وشقيقه الأصغر مارك استعدادا لتعلم الموسيقى. وكلاهما بدءا في تعلم العزف على الساكسفون، تم تحولا إلى آلات أكثر صعوبة من ذوات الريشة المزدوجة. عزف جيفري على الباسون بينما عزف مارك على الأوبو، وكلا الآلتين عليهما طلب شديد في فرق الأوركسترا وفي غيرها من الفرق الموسيقية. وفي عام 1967 حصل إبستين بوصفه عازفاً على الباسون على منحة دراسية للمشاركة في إنترلوشن، المخيم الموسيقي الصيفي المهيب المقام وسط غابات شمال ميتشيغان. عندما زارته أمه في ذلك الصيف طلب منها أن تحضر له معها فطائر.

عندما كبر إبستين زعم زورا بأنه يحترف عزف البيانو في فرقة أوركسترا. وزعم أنه بدأ في تلقي دروس العزف على البيانو في سن الخامسة، وهو ما كذبه شقيقه مارك إبستين في مقابلة أجريت معه. (بل تلقى وهو صبي دروسا على عزف الأكورديون.) فيما بعد تلقى إبستين دروسا على البيانو ولكنه لم يبلغ من المهارة حتى مستوى طالب المدرسة الثانوية.

إلا أن التشيلو هو الذي غدا فكرة متكررة في حديث إبستين عن نشأته وسيرة حياته، وهي الحكاية التي بدأت بعد أن رجع هو وصديق له من رحلة في أوروبا في مطلع سبعينيات القرن الماضي. ومن القصص التي طالما سردها إبستين فيما بعد عزفه البيانو لجاكلين دو بري فنانة التشيلو البريطانية المرموقة. وحسب رواية إبستين، يكون قد التقاها في عام 1971 أثناء زيارته للندن. كانت الآنسة دو بري تنعم برعاية الملكة إليزابيث الثانية، وزعم إبستين أنه تمكن عبر عازفة التشيلو من التعرف على عدد من أعضاء العائلة الملكية البريطانية، حيث أقام علاقة صداقة وطيدة بالذات مع الأمير أندرو.

لم تكن الحكاية بكليتها غير محتملة، فالآنسة دو بري، التي توفيت في عام 1987، كانت ما تزال تعزف حينما كان إبستين يزور لندن، حين اشترى معطفا كامل الطول من الفرو ظل يرتديه لعدة سنوات فيما بعد. ولكن في حقيقة الأمر لم تكن الآنسة دو بري بحاجة إلى عازف مصاحب مثل إبستين، فقد كانت على معرفة بعدد لا يحصي من كبار الموسيقيين، وفوق ذلك كانت متزوجة من عازف البيانو العالمي دانيل بارينبويم.

في إنترلوشن، الذي غدا إبستين واحدا من أهم المتبرعين له ويتردد عليه بانتظام، التقى وصادق في عام 1997 عازفة تشيلو في الرابعة عشرة من عمرها اسمها ميليسا سولومون. وحسبما ترويه ميليسا في بث صوتي سجل في عام 2019، أصر عليها بأن تقدم طلباً للالتحاق بمدرسة جوليارد ووافق علي دفع رسوم دراستها فيها. وقالت إنه لم يحاول بتاتاً معاشرتها جنسيا (وإن كان جعلها تدلك قدميه)، ولكن بعد أن رفضت حضور حفلة برفقة الأمير أندرو قطع إبستين كل علاقاته بها وتوقف عن دفع رسوم دراستها.

هناك طالبة أخرى من مخيم إنترلوشن، تعرف فقط باسم جين. تقدمت جين للشهادة في المحاكمة الأخيرة لغيزلين ماكسويل، شريكة إبستين وأوثق الناس علاقة به، حيث قالت إن إبستين والآنسة ماكسويل بدءا في مساعيهما للإيقاع بها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها حين كانت طالبة مشاركة في المخيم، وأن إبستين فيما بعد اغتصبها، وكل ذلك بينما كان يعدها بدعمها ورعايتها.

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ظهر إبستين خلف المسرح في كرافيس سنتر في ويست بالم بيتش في فلوريدا، بعد عرض قدمه عازف التشيلو وليام ديروزا، الطفل المعجزة الذي كان ظهوره في أول حفل موسيقي مع فرقة أوركسترا لوس أنجلوس وهو في الحادية عشرة من عمره. عندما تعرف عليه إبستين كان ديروزا قد حقق شهرة عالمية كواحد من أفضل عازفي التشيلو في العالم، حيث كان يقدم عروضاً في كارنيغي هول وفي حفلات متلفزة وضمن كبريات فرق الأوركسترا السيمفونية.

لم يلتق إبستين وديروزا ثانية حتى عام 2004 تقريبا عندما كان ديروزا يواعد فتاة شقراء اسمها كيرستي فيرغسون، تنحدر أصلا من سافاناه بولاية جورجيا. قالت فيرغسون في مقابلة أجريت معها إنها تعرفت على إبستين من خلال صديق مشترك عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها. قضت فيرغسون بعض الوقت مع إبستين في مسكنه الواقع في بالم بيتش، حيث التقت أيضا بالآنسة ماكسويل. دعا إبستين الآنسة فيرغسون إلى منزله الواقع في جزر العذراء بينما كانت لاتزال تدرس في الكلية وبعد أن قطعت علاقتها بحبيب لها. رتب لها إبستين ولوالدتها السفر جواً إلى مزرعته في نيو مكسيكو أثناء عيد الشكر. كان في بعض الأوقات يتصل بها أربع مرات في اليوم الواحد. عرض عليها صورا التقطت له مع من قال إنهم أصدقاؤه المتنفذون، ومن بينهم الرئيس السابق بيل كلينتون، ومؤسس مايكروسوفت بيل غيتس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، ومحمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية.

بعد أن بدأت في مواعدة ديروزا، أصر إبستين على التحقق منه. ويذكر ديروزا أن إبستين قال له ذات مرة محذرا "كن لطيفاً." يبدو أنه كان مأخوذا بمهارات ديروزا الموسيقية، واقترح ذات مرة أن يعزفا معاً، ولكن ديروزا تجاهله، وقال إنه لم يسمع بتاتاً إبستين يعزف البيانو.

تحدث ديروزا وإبستين معا حول إعجابهما بالآنسة دو بري، والتي قضى ديروزا صيفاً معها لدراستها. يحتفظ ديروزا بكل مقطوعة موسيقية سجلتها دو بري، وكان هو وإبستين في بعض الأوقات يجلسان للاستماع لموسيقاها معا. وعندما طلب إبستين استعارة بعضها، استجاب له ديروزا، الذي يقول إن إبستين لم يرجع له مما استعاره منه شيئاً."

ألقي القبض على إبستين في عام 2006 في فلوريدا بعد أو وجد المحققون أدلة تثبت ضلوعه في ممارسة الجنس مع فتيات صغيرات. قالت الآنسة فيرغسون إن إبستين لم يقترح ممارسة الجنس معها ولم يطلب منها تجنيد شابات أخريات. بل على العكس، عندما حاولت الآنسة فيرغسون ضمه انكمش عنها، كما قالت، كما لو كان يخشى أن تصيبه بعدوى ما. وكانت تظن أنه والآنسة ماكسويل عشيقان، على الرغم من أن إبستين أسر في أذن الآنسة فيرغسون قائلا إنه لا ينوي الزواج.

بعد فترة من إلقاء القبض عليه، لم تسمع الآنسة فيرغسون منه. وكان إبستين حينذاك قد اعترف بأنه مذنب بإغراء عاهرات قاصرات، وحكم عليه بالسجن ثلاثة عشر شهرا، رغم أنه سمح له بقضاء معظم فترة السجن في منزله.

ثم، حينما كان يسعى في عام 2010 لإعادة تشكيل علاقاته مع الأثرياء والمتنفذين اتصل بها وقال لها فجأة "أرغب في شراء تشيلو." وسألها إن كان بإمكانها طلب مساعدة ديروزا في البحث عن آلة مناسبة. في المرة التالية التي تحدث فيها إبستين مع ديروزا شرح له أنه يرغب في شراء تشيلو ليهديه لعازف تشيلوا قال إنه شاب إسرائيلي. أصدر له إبستين الأمر قائلاً "اذهب وابحث لي عن واحد"، ثم أغلق الهاتف.

في البداية لم يأخذ ديروزا الأمر الصادر عن إبستين على محمل الجد، ولكن إبستين عاود الاتصال به مراراً، وكذا فعل بعض العاملين معه، يسألونه إن كان قد حالفه النجاح في بحثه. فبدأ ديروزا يبحث بجد عن تشيلو ليشتريه له.

مثله مثل كثير من الموسيقيين المحترفين، كان ديروزا على تواصل جيد مع من يعنيهم الأمر داخل العالم الصغير الخاص بالآلات الموسيقية الوترية، والتي يصل سعر بعضها إلى ما يقرب من عشرين مليون دولار. آلة التشيلو الخاصة به، والتي صنعها المعلم الإيطالي دومنيكو مونتانيانا في عام 1739، تعتبر واحدة من أرقى الآلات في العالم وتقدر قيمتها بعدة ملايين من الدولارات. أكد ديروزا لإبستين بأنه لن يكون مضطراً لإنفاق مثل هذا المبلغ الضخم على كل حال.

بعد ذلك بوقت قصير كان ديروزا يزور والدته في لوس أنجلوس عندما سمع بوجود آلة تشيلو معروضة للبيع من قبل أحد الموسيقيين. وكان هذا الموسيقي قد سجل مقطوعات صوتية لاستديوهات هوليوود. (وقبل ذلك كان هذا التشيلو هو الآلة التي يعزف عليها أحد أعضاء أوركسترا إنديانابوليس السيمفونية.)

رغم أنه ليس من ماركة ستراديفار ولا مونتانيا، تعتبر آلة التشيلو هذه من الآلات العريقة والمميزة، وهي من صنع إيتوري سوفريتي، الذي كان يعمل في مركز صناعة الآلات الوترية في مدينة فيرارا بإيطاليا منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى وفاته في عام 1928. وحسب وصف وكالة بينينغ فيولنز في لوس أنجلوس، فإن الصوت المنبعث من هذا التشيلو "ثري وقوي". وجاء في توصيف الوكالة أن الآلة كانت "تناسب أفضل عازفي التشيلو."

جرب ديروزا العزف على آلة التشيلو فأغرم بها، وقال إنه يعتبرها "واحدة من أعظم آلات التشيلو العصرية في الوجود." (ويقصد بالعصرية تلك الآلات التي أنتجت بعد عصر النهضة الإيطالية.) وكان الثمن المطلوب فيه هو 185 ألف دولار، وهو سعر لقطة.

بدا إبستين مسروراً عندما أخبره ديروزا أنه وجد شيئاً. وقال إن الشخص الذي سيشتري التشيلو من أجله – شاب إسرائيلي اسمه يوئيد نير – لابد أن يفحص الآلة بنفسه. كان ديروزا يعرف كل عازف تشيلو مخضرم أو ناشئ، ولكنه لم يسمع من قبل السيد نير.

استلم السيد ديروزا آلة التشيلو لفترة تجريبية، وقام السيد نير بفحصها أثناء زيارة قام بها إلى منزل والدة السيد ديروزا في لوس أنجلوس. يبلغ السيد نيرو الثلاثين من العمر، يتدلى شعره الأسود على منكبيه، وبات من عادته التلويح به بشكل استعراضي أثناء العزف. تناول التشيلو وعزف عليه بعض مقطوعات من تأليف الموسيقار باخ. كان واضحاً أنه حصل على تدريب في الموسيقي (فقد كان خريج أكاديمية القدس للموسيقى والرقص)، إلا أن السيد ديروزا اعتبر عزفه غير مميز على الإطلاق بمواصفاته هو. وخطر بباله أنه يعرف كثيراً من الشباب من عازفي التشيلو ممن ربما كانوا أجدر بامتلاك مثل هذه الآلة. يقول السيد ديروزا متذكراً تلك اللحظات: "وقر في نفسي أن من الغريب بالفعل أن يختار جيفري هذا الشخص."

أقر السيد نير الآلة وكلف إبستين محاسبه، ريتشارد كاهن، بالتدخل للتفاوض على عملية الشراء من وكالة بينينغ فيولينز. حصل السيد كاهن على سعر ابتدائي ثم تمكن من التفاوض على تخفيضه حتى وصل إلى 165 ألف دولار. (كان ذلك موقفاً مهيناً بالنسبة للسيد ديروزا الذي شعر بأن سمعته على المحك كونه هو الذي بدأ الإجراء كله.)

عندما رفض السيد إبستين شراء تذكرة سفر في الدرجة الثانية لنقل الآلة إلى نيويورك – وهي الطريقة المعتادة لنقل تشيلو قيم – بعث له السيد ديروزا برسالة إلكترونية غاضبة متهماً إياه بالبخل، وقال له فيها: "هنا ينتهي دوري."

رد عليه السيد إبستين قائلاً: "لماذا أنت غاضب جداً؟"

"لا يليق بك أن تعامل أحداً بهذا الشكل"

بعد أسابيع، عندما عاد السيد ديروزا إلى نيويورك، اتصل مساعد السيد إبستين وقال إنه يتوجب على السيد ديروزا أن يتواجد في بيته صباح اليوم التالي في السابعة والنصف صباحاً. وهناك أشار السيد إبستين إلى صندوق ضخم غير مفتوح من الورق المقوى. قال السيد ديروزا إنه فتح المغلف وتحقق من أنه نفس التشيلو الذي كان قد عثر عليه في لوس أنجلوس.

وهنا سأله السيد إبستين: "هل جنيت ربحاً من عملية الشراء؟"

أجابه السيد ديروزا: "لا". وكان في غاية الغضب إزاء هذا الإيحاء بأنه ناله نصيب من عملية البيع.

غادر السيد إبستين بدون أن ينطق بكلمة واحدة أخرى. ويذكر السيد ديروزا ذلك الموقف قائلاً: "لم يبد أي اهتمام بآلة التشيلو."

انزعجت الآنسة فيرغسون عندما سمعت بما جرى في اللقاء، فاتصلت بالسيد إبستين ووبخته قائلة: "لا يليق بك أن تعامل أحداً بهذا الشكل." ولكنه لم يعتذر عما بدر منه.

جاء المبلغ الذي دفع به ثمن التشيلو من مؤسسة السيد إبستين، وورد ذكر الشراء في الإقرار الضريبي لعام 2011. صاغ السيد كاهن اتفاقاً يتم من خلاله إعارة التشيلو للسيد نير بدون مقابل، وذلك بحسب ما صرح به شخص مطلع على ما تم من ترتيب بهذا الشأن.

لم يكن قد مر وقت طويل على هذه الحادثة حينما قدمت المغنية جودي كولنز عرضاً في مقهى كارلايل. وفي مقال حول العرض كانت لهجته إيجابية في صحيفة نيويورك تايمز ورد عرضاً أن الآنسة كولينز "أضافت إلى فرقتها عنصراً جديداً هو عازف التشيلو يوئيد نير."

فيما بعد أصلح السيد إبستين والآنسة فيرغسون ما شاب العلاقة بينهما وقامت هي من طرفها بحث السيد ديروزا على الصفح عنه. وعندما عرضت للبيع في السوق آلة تشيلو من نوع ستراديفار، عرض السيد إبستين أن يشتريها لكي يستخدمها السيد ديروزا. وكان للسيد ديروزا علاقة فريدة بهذه الآلة حيث أن إحدى المؤسسات التي كانت تملكها من قبل أعارتها له في بداية احترافه للعزف.

كان البائع على يقين بأن عملية البيع ستتم لدرجة أن السيد ديروزا استلم الآلة وأصبحت في عهدته. ولكن السيد إبستين تقاعس عن دفع الثمن المطلوب فيها وهو 14 مليون دولار، ورفض أن يدفع فيها أكثر من 10 مليون دولار، كما يروي السيد ديروزا. فشلت الصفقة وأعاد السيد ديروزا آلة التشيلو، التي بيعت فيما بعد بسعر أعلى مما كان مطلوباً فيها، كما يقول السيد ديروزا.

لدى السيد ديروزا ما يندم عليه

أصيب السيد ديروزا والآنسة فيرغسون بالصدمة عندما ألقي القبض في عام 2019 على السيد إبستين ووجهت له تهمة الاتجار بالجنس. لم تتصور الآنسة فيرغسون أن هذه المزاعم يمكن أن تصدق بحق رجل ظنت أنها كانت تعرفه جيداً. ولكنها ظنت أنه بما أوتي من ثروة ومعارف ذوي نفوذ فلربما تمكن من الإفلات. كتبت له رسالة وهو في السجن تعرض عليه القيام بزيارته وجلب الطعام له، ولكنها لم تتلق منه أي رد. وفي العاشر من أغسطس / آب مات السيد إبستين منتحراً.


بعد عدة شهور بعث السيد ديروزا رسالة إليكترونية إلى السيد نير ليعرف ما الذي حدث لآلة التشيلو من نوع سوفريتي، فما كان من نير إلا أن قال إنه أعادها. نزولاً عن طلب من مؤسسة إبستين، سلم السيد نير آلة التشيلو إلى مكتب قانوني في نيويورك في شهر أكتوبر / تشرين الأول من عام 2019. كانت حقيبته مكسورة وتعرض التشيلو نفسه لبعض الأضرار، بحسب ما قاله السيد ديروزا. (قال السيد نير إن الحقيبة لم تكن مكسورة عندما أعاده وأن الآلة كانت "في حالة جيدة جداً.") طلبت المؤسسة من وكالة بينينغ فيولينز تسويق الآلة من جديد وبيعها، ووافقت بينينغ على توفير حقيبة جديدة.

عن قصد أو عن غير قصد، يكون السيد إبستين بذلك قد حقق استثماراً جيداً، فقد كان السعر هذه المرة 220 ألف دولار، أو 33 بالمائة أكثر مما دفعه السيد إبستين قبل ثمانية أعوام. بدعم من شريك مالي أبى السيد ديروزا الكشف عن هويته، استملك التشيلو في مطلع 2020، قبل وقت قصير من تسبب جائحة فيروس كورونا في وقف العروض الحية.

كما هو حال كثير من الناس في فلك السيد إبستين، يعرب السيد ديروزا الآن عن ندمه لأنه ارتبط ذات يوم به، ويتمنى لو أنه احتفظ بالتشيلو لنفسه. وقال السيد ديروزا: "أتمنى لو أنني لم أدع جيفري يشتري التشيلو. أنا لست تاجراً وإنما عازف تشيلو. ولكم غضبت من نفسي أنني سمحت له بأن يفلت مني."

في السوق تارة أخرى

بعد عامين اثنين عاد تشيلو إبستين ليعرض في السوق تارة أخرى.

خلال فترة الجائحة ألغيت جميع عروض السيد ديروزا، ولم يكن بإمكانه اقتناء تشيلو آخر.

رأي جوليان هيرش، وهو عازف تشيلو ومشارك في تأسيس دارنتون أند هيرش فيولنيز في شيكاغو، أنه قد يكون من المفيد اقتناء التشيلو من قبل الفرقة التي كان على وشك إطلاقها بالتعاون مع جوناثان كوه، عضو كلية الموسيقى في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. فقد رأي السيد كوه هناك افتتان سيليكون فالي بسلسلة الكتل والعملات الرقمية والأشياء غير المتماثلة، فخطرت بباله فكرة تسويق الصور الرقمية للآلات النادرة بالإضافة إلى مقاطع فيديو للموسيقيين المحترفين وهم يعزفون على آلاتهم. وقدر هو والسيد هيرش أن الآلات النادرة هي أعمال فنية، وإذا كانت الأشياء غير المتماثلة لعمل مثل ذلك الذي أنتجه الفنان بيبل يمكن أن يباع في مزاد كريستيز في عام 2020 بمبلغ 69 مليون دولار، فلم لا يشمل ذلك الآلات النادرة؟ وسيكون الدفع حصرياً بالعملات الرقمية، الأمر الذي قد يستهوي الجيل الجديد من المستثمرين.

لم يرتدع السيد هيرش بمنشأ التشيلو. فقد قال: "جيفري كان سيئاً، لا ريب في ذلك على الإطلاق." ولكن كان هناك عنوان واضح – بمعنى آخر، لا خلاف على ملكية التشيلو – وهذا هو الأمر الذي يهم المستثمرين.

في يناير / كانون الثاني، أطلق السيد هيرش والسيد كوه مشروعاً جديداً اسمه موزيخاوس. ووصفا الغاية منه على النحو التالي: "تجسير الهوة بين عوالم الموسيقى الكلاسيكية وعالم الأشياء غير المتماثلة الذي يتطور بشكل متسارع لإنتاج مقنيات رقمية أزلية. ومن أوائل المقترحات كان تشيلو إبستين.

وردت التصنيفات بعد أيام من إدانة الآنسة ماكسويل بالاتجار بالجنس والتآمر فس سبيل ذلك، الأمر الذي أعاد قصة إبستين إلى تصدر عناوين الأخبار من جديد. أعرب الجامعون عن استيائهم لما بدا لهم محاولة لاستغلال قصة سيئ الصيت إبستين. أقر السيد هيرش بأن "التوقيت كان سيئاً. فحكاية إبستين ساخنة جداً، وأنا ألوم نفسي على ذلك."

في البداية أزال السيد هيرش كل إشارة إلى السيد إبستين من توصيف التشيلو، ولكنه عاد وقرر أن منشأ التشيلو لا ينبغي أن يخبأ، فما كان منه إلا أن أزال التصنيف من موقعهم على الإنترنيت. ويأمل في أن يعود في المستقبل ويصنف السوفريتي باعتباره من المقتنيات غير المتماثلة. وعن ذلك قال السيد هيرش: "وماذا في أن يكون جيفري قد امتلكه في يوم من الأيام؟ فالآلة ما زالت واحدة من أفضل آلات التشيلو في القرن العشرين على مستوى العالم بأسره."

مفتاح اللغز في المقهى

ويبقى اللغز: لماذا اشترى السيد إبستين التشيلو في المقام الأول؟ ما العلاقة التي كانت تربطه بالسيد نير؟

ظهر مفتاح اللغز في الحفلة الموسيقية لجودي كولينز عام 2011 في مقهى كارلايل. يتذكر راسيل وولدين، عازف البيانو مع الآنسة كولينز والذي كان ينظم لها حفلاتها، أن شيئاً علق بذاكرته من تلك الأمسية. ففي المقهى التقى بزوجة السيد نير، واسمها أنات. وذكر السيد نير أنها ابنة السيد باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق.

لا يكاد المرء يرى أي إشارة في الحيز العام لأي من أبناء السيد باراك، الذي أكد في لقاء أخير معه في تل أبيب بأن أنات هي ابنته ويوئيد نير هو زوجها.

قال السيد باراك -الذي شغل منصب رئيس الوزراء في إسرائيل ما بين 1999 و 2001 ثم شغل مناصب عليا أخرى في الحكومة- إن رئيس وزراء إسرائيلي سابق آخر، هو شمعون بيريز، هو الذي عرفه على إبستين في عام 2003. وقال السيد باراك أنه التقى مع السيد إبستين عشرات المرات ولكنه "لم يشارك بتاتاً في أي حفلة أو مناسبة فيها نساء أو أي شيء من هذا القبيل."

ومع الزمن تمكن السيد إبستين من إغراء السيد باراك باستثمار مليون دولار في شراكة محدودة أسسها السيد باراك في عام 2015.

وقال إنه عرف السيد إبستين على السيد نير في 2010 أو في 2011، مع أنه لم يكن يعرف أن السيد إبستين قام بعد ذلك بإقراض السيد نير ثمن آلة التشيلو. ولذلك، كما قال السيد باراك، "لا يمكن أن يكون صحيحاً" أن السيد إبستين استخدم قرض التشيلو من باب التزلف. وقال إن التفسير الأكثر احتمالاً هو أن "السيد إبستين قام بذلك بفضل سمعة يوئيد كعازف تشيلو موهوب." (رفض السيد نير الإجابة عن سؤال عما إذا كان قد أخبر حماه عن القرض.)

على أي حال، لقد كان قرض التشيلو البالغ 165 ألف دولار هو من الخدمات التي ربما لا يرغب السيد إبستين في الإعلان عنها إلا عندما يتوقع شيئاً بالمقال. لا تتوفر لدى أي شخص الموارد والعلاقات التي تمكنه من توفير تشيلو لأحد أقارب زعيم سياسي متنفذ – لشخص من النوع الذي خطط السيد إبستين لإبقائه قريباً منه.