قضايا وآراء

"الكذب والخداع والعناد" عناوين المشهد التونسي

1300x600
يصر قيس سعيد على هدم كل ما بنته الثورة من منجزات، وخصوصا في مجال الحريات العامة وحرية الصحافة، والقيم الديمقراطية التي أرساها الدستور، مع الاعتراف بأن ما كان قبل الانقلاب لم يكن ورديا، لكنه كان أفضل مما نحن فيه اليوم، وأفضل مما سيكون غدا، ومؤشرات ذلك كثيرة لا تخفى على أحد.

إن قيس سعيد ماض في مسيرته العشوائية التي ستؤدي إلى تدمير البلد وتمزيق نسيجها الاجتماعي، حيث إنه يستقوي بالجيش وقوات الأمن، فقط لتدعيم إجراءاته التي تفتقر إلى أدنى مستويات العدل والقانون، وتتسم تصرفاته وتصريحاته بكثير من التسرع والانفعالية التي تحدثنا عنها سابقا، والتي كشفت عن طباعه العدوانية وأظهرت كمّ الغل الذي يحمله في صدره على كل ما هو قانوني وديمقراطي، على عكس ما كان ينتظر منه كونه (أستاذا في القانون)!!

كان من أكثر ما أثار المراقبين لتحركاته وتصريحاته، انتقاده للقضاة والنيابة العامة في التعاطي مع قضية نواب البرلمان المتهمين –حسب رأيه- بمحاولة انقلابية، قائلا: "لم يتم اعتقال من هم وراء هذه المحاولة، ولم نطالب بذلك". وأضاف: "ما تتم ملاحظته من قبل عدد من القضاة، هو اغتيال للعدالة عبر تأجيل النظر في عدد من القضايا والملفات"، كما أكد ضرورة أن يكون القضاء مستقلا وناجزا، وأن يطبق على الجميع على قدم المساواة.
قيس سعيد ماض في مسيرته العشوائية التي ستؤدي إلى تدمير البلد وتمزيق نسيجها الاجتماعي، حيث إنه يستقوي بالجيش وقوات الأمن، فقط لتدعيم إجراءاته التي تفتقر إلى أدنى مستويات العدل والقانون، وتتسم تصرفاته وتصريحاته بكثير من التسرع والانفعالية

وقد جاء حديث سعيد هذا بناء على الجلسة التي عقدها مجلس النواب في 30 آذار/ مارس الماضي، وصوّت فيها على رفض كل الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد منذ انقلابه المشؤوم، حيث طلب من وزيرة العدل رفع قضايا ضد النواب الذين شاركوا في الجلسة الافتراضية.

وخلال اجتماع مجلس الوزراء أمس الخميس، صدّق الرئيس قيس سعيّد على مرسوم يقضي بتعديل القانون الأساسي الخاص بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وكان رئيس الهيئة وجّه انتقادات حادة للرئيس وإجراءاته ونيته العبث بالقانون الأساسي المتعلق بالهيئة، وذلك بعد أن كان سعيد عبر عن نيته إدخال تعديلات على تركيبة الهيئة الحالية قبل أن يصدر مرسومه الجديد.

إلى ذلك، فقد كانت حكومة سعيد واتحاد الشغل قد أعلنا عن اتفاق بينهما حول حوار أكثر نجاعة، ويبدو لي هنا أن قيس سعيد يراوغ اتحاد الشغل، فهو منذ لحظة الانقلاب يحاول إبعاد الاتحاد عن المشهد، مرة بالإقصاء ومرة بالمسايرة، ومرة بالوعود التي لا يتحقق منها شيء، والاتحاد ورئيسه -كل مرة- يصدقون سعيد ثم يعودون لمهاجمة إجراءاته أو بعضها، والتشكيك بوعوده؛ فقد جاء في تصريح لسامي الطاهري الأمين العام المساعد للاتحاد، بأن موقف الرئيس قيس سعيّد بشأن الحوار الوطني ما زال غامضا، وقد لا يعكس رغبة حقيقية لإطلاقه، مؤكدا أن قيس سعيد "لم يقدم رؤيته للحوار، كما لم يتضح ما إذا كان الحوار تزكية للاستشارة الوطنية الإلكترونية التي أطلقها سعيّد، أم حوارا حقيقيا يتقدم فيه الجميع بمقترحات وورقات عمل للنقاش".

ولا يزال اتحاد الشغل القوة الأكبر في المشهد التونسي يراوغ ويراوح مكانه، وبات أشبه بالغراب الذي حاول تقليد الحمامة في مشيتها، فعجز عن ذلك، فعاد إلى مشيته فارتبك فيها؛ ذلك أن اتحاد الشغل متمثلا برئيسه الطبوبي، ما زال يطمع بالمشاركة في صناعة القرار، ويبحث عن موطئ قدم في الوضع الجديد الذي يتناسب مع رؤاه القديمة ومنطلقاته الفكرية، إلا أنه لم يزل يراوح مكانه، ليس لأن سعيد يرفض التعامل معه من حيث المبدأ، بل لأنه يرى نفسه عاجزا عن مجاراة طموحات الاتحاد وقدراته التسييرية لماكنة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
في اللحظة التي يعاني فيها التونسيون من آلام لا حصر لها، ينشغل سعيد في تثبيت أركان حكمه ويعمل بكل ما وسعه الجهد والاحتيال لتنفيذ إجراءاته الأحادية، الموجهة جميعها إلى تنفيذ أجندة مدعومة من جهات خارجية ومن ورائها متآمرون داخليون

تلك الأحداث المتسارعة في ظل انقسام حاد في البيئة الاجتماعية التونسية، وفي ظل أجواء من التوتر والغليان بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار وغياب كثير من السلع الضرورية من أرفف الحوانيت والمغازات، ناهيك عن افتقاد كثير من أنواع الأدوية الضرورية، حيث بات السؤال الاعتيادي اليوم أن تسأل الصيدلي: ألا يوجد بديل؟ ففي اللحظة التي يعاني فيها التونسيون من آلام لا حصر لها، ينشغل سعيد في تثبيت أركان حكمه، ويعمل بكل ما وسعه الجهد والاحتيال لتنفيذ إجراءاته الأحادية، الموجهة جميعها إلى تنفيذ أجندة مدعومة من جهات خارجية ومن ورائها متآمرون داخليون، هدفهم الوحيد إدخال تونس في حالة من الفوضى والأزمات بحيث تصبح ليبيا ثانية، أو على الأقل تدميرها اجتماعيا واقتصاديا، كما يحدث في مصر اليوم.

ومؤخرا، هاجم قيس سعيد أطرافا معارضة لم يسمها، تسعى لتشكيل جبهة مضادة للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية الحالية، وأعلن عن إصراره على تنفيذ برنامجه لإعادة هيكلة النظام السياسي. وهو بلا أدنى شك برنامج لترسيخ نظام حكم فردي أوتوقراطي لن يصمد طويلا، بسبب ضعف مصادر الحماية الاجتماعية لنظام ستظهر عوراته شيئا فشيئا، ثم ينهار دفعة واحدة، ولا يساورني أدنى شك في أن هذا النظام آيل للسقوط قبل أن يتم بناؤه. وقد آلم سعيد أن من كانوا خصوما صاروا حلفاء؛ "لأنهم يعدون السلطة غنيمة، ولا يهمهم الارتماء في أحضان أي كان". ورغما عني، أضحك هذه اللحظة لأن ما يقوله ينطبق عليه هو بحذافيره، وليس على خصومه الذين يحاولون لملمة شتاتهم ليتصدوا لألاعيبه وتحركاته المشبوهة.

وفي المحصلة، لا يجد قيس سعيد ما يقوله للشعب، فهو عييٌّ عن الإفصاح بسبب ضعف حججه وهشاشة منطقه، وإحساسه بأنه يكذب، وهو ما بات يسبب له الكثير من الحرج حين يتأتئ في كلامه، وتشي لغة جسده بالارتباك والعجز عن التعبير الرصين عما يريد قوله.
أكثر ما يثير دهشة المدققين في أحاديثه؛ كلامُه عن الحرية وحرية التعبير والنزاهة والشفافية والأمن المجتمعي، وهو -بما لا يحتاج إلى ضرب الأمثلة- أكبر عدو لما تحمله هذه المصطلحات من معان. فهو يقول الشيء ويفعل ضده

إنه يخربش على سبورة قديمة بطباشير ملونة، لتخرج صورة اللوحة سريالية بامتياز، لا يفهمها هو ولا من يدقق فيها. إن كل ما يعرفه هو ونعرفه نحن، أنه ماض نحو برنامج مفكك غير واضح المعالم، يقع بين الحلم وحلم اليقظة، غير مبرمج ولا محدد الأطر، فكل يوم يفاجئنا بتصريح هنا وتصريح هناك، كلها باعثة إما على القلق أو على الضحك والسخرية. إننا نعاني من رئيس مأزوم نفسيا، لا يدرك أبعاد ما يفعل، وليس لديه موازين يزن بها أفعاله وأقواله وقراراته، التي تأتي خبط عشواء بعيدا عن العقلانية وحسن الإدارة.

وأكثر ما يثير دهشة المدققين في أحاديثه؛ كلامُه عن الحرية وحرية التعبير والنزاهة والشفافية والأمن المجتمعي، وهو -بما لا يحتاج إلى ضرب الأمثلة-، أكبر عدو لما تحمله هذه المصطلحات من معان. فهو يقول الشيء ويفعل ضده، ويمضي في أكاذيبه، حتى لتنطبق عليه مقولة وزير إعلام هتلر الشهيرة: "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، لكن سعيد يزيد عليها "وحتى أصدقها أنا".

فم التاريخ لا يرحم، وسوف يكتب بحروف سوداء عن كذب هذا الرجل وضلاله وتضليله للشعب واستغلاله بعضا منه لتمرير مشروعه الدكتاتوري العفن الذي يتأكد كل يوم، مع كل كلمة يقولها وكل قراره ينفذه. إنه يعادي الكل التونسي، بما فيه من أيدوه ووقفوا إلى جانبه، أولئك المساكين الذين خدعهم وضحك على ذقونهم، وهم اليوم الأكثر تضررا بإجراءاته المسخ التي أودت بكثير منهم إلى حاويات القمامة، محتسبين ذلك على الآمال الخادعة التي منّاهم بها سعيد، وسوف يطول انتظارهم كثيرا، إلّا أن يحدث شيء لم يكن في الحسبان..!!