ملفات وتقارير

العرب بتركيا.. تبادل ثقافي وهروب من القمع لا يخلو من مصاعب

ويعيش في تركيا حاليا نحو خمسة ملايين ونصف المليون مواطن عربي مُسجلين رسميا- جيتي

شهدت تركيا خلال العقد الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الوافدين العرب الذين يقطنون عددا من مدنها، وكان أبرز ما دفع إلى هذا الارتفاع أحداث الربيع العربي وخاصة الثورة في الجارة سوريا، بالإضافة إلى الانقلاب في مصر، والأحداث الأمنية المتصاعدة في العراق.


ولم تكن تركيا مجرد وجهة للجوء والهرب من القمع بالنسبة للمواطنين العرب، ففي حين لجأ إليها ملايين السوريين وعشرات آلاف المصريين واليمنيين وغيرهم من دول عربية مختلفة، قرر آلاف آخرون الإقامة فيها بمحض إرادتهم لدواع اقتصادية استثمارية في ظل النهضة التي عاشتها البلاد على الصعيد الاقتصادي، واختار البعض الآخر تركيا كوجهة لطلب العلم، أو للاستمتاع بنمط الحياة التركية، والطبيعة الغنية، والمناطق السياحية التي يقصدها الملايين من جميع أنحاء العالم.


ويعيش في تركيا اليوم، نحو خمسة ملايين ونصف المليون وافد عربي مُسجلين رسميا، حسب ما ورد في الجريدة الرسمية التابعة لرئاسة الجمهورية التركية، ويتخذ نحو 68% منهم مدينة إسطنبول مستقرا لهم.

 

إقرأ أيضا: أردوغان: نسعى لمزيد من التعاون مع دول الخليج

وكان للانتشار العربي الواسع في تركيا تأثير كبير على صعيد الثقافات المتبادلة، ويتضح ذلك أكثر في المناطق التي يعيش فيها الكم الأكبر من العرب في إسطنبول مثل منطقتي الفاتح وباشاك شهير، إذ يمكن مشاهدة لافتات المحلات والمطاعم باللغة العربية، وتلعب العربية دوراً كبيراً هناك ويمكن للزائر سماعها في كل مكان تقريباً.


في تلك المناطق إضافة إلى منطقة إسنيورت تتضح عملية التبادل الثقافي خاصة في ما يتعلق بالطعام ونمط الحياة، فالمطاعم العربية شائعة ومنتشرة ويرتادها العرب والأتراك معا، كما تشهد المطاعم التركية إقبالاً من العرب بشكل ملحوظ.


تبادل ثقافي


وعلى الرغم من بعض مشاهد الاحتكاك في مناطق مختلفة في إسطنبول بسبب أحداث فردية قد يرتكبها عربي أو تركي، إلا أن نمط الحياة الهادئة والمستقرة يسيطر على المشهد في المناطق الأكثر اختلاطاً.


"عربي21" كان لها جولة في أحياء باشاك شهير والفاتح، نقلت من خلالها وجهات نظر مختلفة.


يقول المواطن التركي محمد جوندوغدو (20 عاما): "لقد اكتشفت أن المطاعم العربية تقدم وجبات كبيرة بأسعار أقل من نظيرتها التركية في منطقة باشاك شهير حيث أسكن. وهو ما دفعني إلى ارتيادها بشكل مستمر".


ويضيف: "ليست الأسعار فقط ما تدفعني إلى تناول طعامي في مطعم عربي، إنما السعي إلى تعلم ثقافة العرب ولغتهم أيضاً".


أما الشاب التركي جوكهان كارتال (22 عاما) فيعزو سوء التفاهم الذي يقع في بعض الأحيان بين العرب والأتراك إلى اللغة.

 

ويقول لـ"عربي21" إن "بعض العرب في إسطنبول لا يتعاملون معنا كأنهم ضيوف إنما كأنهم هم أصحاب البيت. وثمة مشكلة في التعامل معهم بسبب الحاجز اللغوي".


بدوره، يقول زياد أيوب وهو أحد رواد الأعمال السوريين ومدير مطعم، في منطقة "باشاك شهير" إن "نحو 40% من زبائنه أتراك، وغالبيتهم من المدن والقرى القريبة من الحدود التركية السورية ويعرفون الحمص والفول والفلافل بشكل جيد، إضافة إلى كثير من الأتراك الذين تعرفوا مؤخراً على هذا الطعام".


ويوضح لـ"عربي21" أن "الأتراك يرتادون مطعمه بشكل مستمر وباتوا زبائن دائمين".


ويشير إلى أن تعامل الأتراك مع العرب يختلف أحيانا من منطقة لأخرى، "ففي منطقة باشاك شهير اعتاد الأتراك على الطعام العربي وتقبلوا ثقافتنا بصدر رحب وهناك تجربة اندماج واضحة بين المجتمعين".


اتساع الآفاق والفائدة مشتركة


ومع استمرار تدفق العرب إلى إسطنبول تحديدا، اتسعت رقعة المجالات التي يمكن الاستثمار فيها لرجال الأعمال، وبات تعلم اللغة العربية بالنسبة للمواطنين الأتراك بابا لدخول مجالات الأعمال المختلفة.


وتعليقا على الموضوع، قال الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو: "الشريحة العربية في تركيا لم تعد مجرد شريحة عابرة دون أي تأثير، إنما باتت تشكل إحدى أدوات التأثير في صناعة الرأي العام التركي وتشكيله".


وأضاف طه عودة أوغلو لـ"عربي21"، أنه "خلال العامين الماضيين برزت أزمة اللاجئين على المستوى السياسي التركي، لتصبح ورقة ضغط تستخدم من قبل المعارضة التركية، لتشهرها الأخيرة في وجه الحزب الحاكم"، وذكر أنها ظهرت بشكل واضح في الانتخابات المحلية في عام 2019 التي خسر فيها الحزب الحاكم.

 

إقرأ أيضا: أردوغان يوقف توزيع "كتب مدرسية مسيئة للنبي" شمال سوريا

دعم الاقتصاد


وساهم العرب بشكل كبير في دعم الاقتصاد التركي بعد إعلان الحكومة التركية عام 2018 إمكانية الحصول على "المواطنة عبر الاستثمار" عبر شراء عقار يقدر بـ250 ألف دولار أمريكي، ما أتاح فرصة كبيرة للعرب الراغبين بالحصول على الجنسية بشكل سريع.


وبحسب الأرقام التي صدرت عن وزارة البيئة والعمران التركية، فإن قرابة 20 ألف مواطن عربي حصلوا على الجنسية التركية عن طريق الاستثمار.


والجدير بالذكر أن تركيا تعتبر أكبر دولة تحتضن اللاجئين القادمين من مختلف الجنسيات الأخرى، مثل أفغانستان، والإيغور من الصين، وسوريا، وغيرهم من الجنسيات، حيث اعتمدت تركيا سياسة "الباب المفتوح" تجاه اللاجئين.


وبسبب سياسة الباب المفتوح التي انتهجتها الحكومة التركية، رأى خبراء وبعض المعارضين أن "تركيا لم تستطع إحصاء أعداد المهاجرين بشكل صحيح لتقدير تكلفة رعايتهم"، ما جعل ملف اللاجئين ورقة ضغط على الشعب من قبل المعارضة التركية.

 

وبين قبول البعض للثقافة العربية في تركيا، ورفض آخرين بسبب أعداد اللاجئين الكبيرة في ظل تراجع سعر صرف الليرة، لا يزال ملايين العرب يفضلون العيش في تركيا رغم المنغصات العديدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.