صحافة دولية

إيكونوميست: نزاع الصحراء يسخن الجبهة بين الجزائر والمغرب

اعتبرت الصحيفة أن الصحراء لن تكون مثل اسكتلندا في بريطانيا - جيتي

اعتبرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية في تقرير صادر عنها، السبت، أن الجبهة في الصحراء الغربية بدأت تسخن، في ظل تفاقم النزاع القديم بين الجزائر والمغرب.


ونقلت المجلة عن مقاتل من جبهة البوليساريو التي تحارب للسيطرة على الصحراء أن "الحرب هي الطريق الوحيد"، مشيرة إلى أن الوضع يسخن بالمنطقة في وقت سجل فيه المغرب خلال العام الماضي أكثر من ألف "حادث" نفذه مقاتلو البوليساريو بإطلاق النار على وحدات الجيش المغربي، في حين تقول الجبهة إنها قامت بعمليات أكثر من هذا.


ويتضمن القتال مواجهات بالمدفعية في أطول جبهة قتالية في العالم، وطولها 2.700 كيلو متر من الجدار الرملي أو الساتر الترابي الذي بناه الجيش المغربي وزرعه بالألغام. 


وتقول جبهة البوليساريو إن عددا من مقاتليها والمدنيين قتلوا وإن الحرب استؤنفت بالفعل من جديد، وهو ما ينفيه الجانب المغربي.


وتعتقد المجلة أن الحرب باتت تؤثر على المنطقة بطريقة لا أحد ينكرها، من خلال تغذية النزاع بين المغرب والجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو. 


واعتبرت "إيكونوميست" أن دعم الجزائر للجبهة المقاتلة كان عاملا رئيسيا في قرار قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط في آب/ أغسطس الماضي، قبل أن تتوقفت الجزائر عن تزويد الجارة المغربية بالغاز عبر الأنبوب الذي يمر عبر أراضيه إلى إسبانيا أو ما يعرف خط المغرب- أوروبا، وقد يؤثر هذا القرار على إسبانيا التي تحصل على الغاز من هذه الشبكة. 


وفي الوقت نفسه، باتت إدارة جو بايدن دون خيارات تجاه القرار الذي اتخذه دونالد ترامب باعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع إسرائيل عام 2020. 

 

تاريخ النزاع مع البوليساريو


ورغم مضي عقود على قرار تقرير مصير الصحراء الغربية، إلا أن الملف ما زال يسبب متاعب للدولتين الجارتين. 


وبدأ القتال بين المغرب والبوليساريو مباشرة بعد خروج الاستعمار الإسباني، حيث قام المغرب بضم الصحراء إلى أراضيه في عام 1975. 


وفي عام 1991 اتفق الطرفان في عملية تسوية قادتها الأمم المتحدة على وقف إطلاق للنار من أجل تنظيم استفتاء على الاستقلال ولكنه لم يحصل في نهاية المطاف.


وحسب المجلة، فشلت جهود تنظيم استفتاء بسبب العقبات التي وضعتها المملكة المغربية، فهي تريد استخدام وضعية الحكم الذاتي الغامضة كأساس للتفاوض، الأمر الذي رفضته جبهة البوليساريو واعتبرت أن وقف إطلاق النار لاغ.


وفي ظل الوضع الحالي يسيطر المغرب على نسبة 80 بالمئة من أراضي الصحراء الغربية والباقي بيد البوليساريو. 

 

نزاع قديم


ويعود أصل الخلاف الجزائري- المغربي إلى سنوات أقدم من الصراع على الصحراء، إذ خاض البلدان حربا قصيرة بعد استقلال الجزائر عام 1962. 


وكانت الملكية في المغرب غير مرتاحة لدعم الجزائر حركات التحرر العالمية في حين تتهم الجزائر المغرب بالعمل على إثارة المشاكل في أراضيها عبر دعمه للحركات الجهادية والإسلامية، وهو ما قاد لإغلاق الحدود في عام 1994. 


وكشف خلال هذا العام عن عملية تنصت وقرصنة مغربية لهواتف مسؤولين جزائريين عبر برمجية تجسس أنتجتها إسرائيل. وقالت الجزائر إن المملكة دعمت حركات متورطة في حرائق الغابات بشمال الجزائر قبل أن توجه الجزائر أصابع الاتهام إلى المغرب بخصوص انفجار شاحنة قتل فيه ثلاثة سائقين جزائريين في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. 


وتحتفظ الجزائر بسجل زاخر في دعم حركات التحرر، إذ استقبلت تشي غيفارا واحتضنت نيلسون مانديلا حين كان شابا ودعت ياسر عرفات لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974، بشكل ركز الضوء على القضية الفلسطينية. 


كما عبرت الجزائر عن غضبها في العام الماضي على قرار المغرب تطبيع العلاقات مع إسرائيل، كجزء من صفقة اعتراف الولايات المتحدة بسيادتها على الصحراء الغربية. 

 

دعم استراتيجي


وترى المجلة أن الدعم الجزائري للبوليساريو هو استراتيجي، فلو سيطرت الحركة على الصحراء الغربية فسيكون للجزائر منفذ على المحيط الأطلنطي وغرب أفريقيا في وقت سيتم فيه حشر المغرب في الزاوية الغربية من القارة. 


وبدلا من ذلك راقبت الجزائر المغرب وهو يستغل الصحراء، فالجزء المغربي غني بالفوسفات والنفط والثروة السمكية، كما حاولت المملكة تعزيز سيطرتها من خلال منح المغاربة الذين ينتقلون إلى المنطقة دعما سخيا.


وقد يحرف هذا التحرك ميزان الأصوات لو قرر المغرب الموافقة على إجراء استفتاء على استقلال الإقليم. وأنفق المغرب مليارات الدولارات على إعمار وتطوير الصحراء، وتبدو البنايات في العاصمة العيون وكأنها بنيت حديثا، بما في ذلك القنصليات التي افتتحت للعدد المتزايد من الدول الأفريقية. 

 

تهيئة الصحراء


وقبل عقود كانت مدينة الداخلة، مجرد قرية صغيرة على البحر، لكنها الآن أصبحت منتجعا حافلا بالمتزلجين على الماء. وتم بناء ميناء ضخم لتزويد غرب أفريقيا. وتجوب الشاحنات الطريق الساحلي الذي يربط الصحراء الغربية والمغرب بغرب أفريقيا. 


وكان قرار المغرب نشر قواته في المنطقة العازلة التي تحرسها قوات الأمم المتحدة لفض المتظاهرين السبب وراء القتال الحالي. 


ويعتبر المغرب مركزا قليل التكلفة للشركات الصناعية الأوروبية، وبدأ في الفترة الماضية ببناء علاقات مع دول الصحراء الأفريقية. 


وبعد مقاطعة للإتحاد الأفريقي ولأكثر من 32 عاما بسبب ضمه الصحراء الغربية، عادت الرباط إلى الإتحاد في 2017.


وافتتح الملك محمد السادس عددا من السفارات والقنصليات في منطقة الصحراء فيما يذهب معظم الإستثمار الأجنبي الخارجي المغربي لدول الساحل والصحراء، في وقت يتراجع فيه الاستثمار الجزائري. 


وعندما قتل سائقان مغربيان وهما يعبران الصحراء الغربية هذا العام، حمل الجهاديون المسؤولية، مع أن دبلوماسيين لم يستبعدوا دورا جزائريا في محاولة منع التقدم المغربي نحو الجنوب. إلا أن الصحراء الغربية تعقد وضع المغرب وعلاقاته في أماكن أخرى. ففي أيلول/سبتمبر ألغت المحكمة العامة التابعة للإتحاد الأوروبي اتفاقيات صيد وزراعة بين الإتحاد والمغرب لأنها تضم منطقة الصحراء، مع أن المغرب قد تقدم باستئناف ضد الحكم. 


وفي بداية العام فتح المغرب حدوده على مدينة سبتة لآلاف المهاجرين بعد سماح إسبانيا بدخول إبراهيم غالي، أحد قادة البوليساريو لتلقي العلاج من كوفيد-19، كما ساءت علاقات المغرب مع ألمانيا بسبب "موقفها السلبي من الصحراء الغربية". 

 

اقرأ أيضا: دبلوماسي تونسي سابق: الحرب بين المغرب والجزائر ستكون كارثية

وفي تشرين الأول/ أكتوبر مدد مجلس الأمن الدولي عمل قوات حفظ السلام "مينورسو" ودعا لاستئناف المفاوضات وتم تعيين مبعوث جديد للصحراء هو ستيفان دي ميستورا، مع أن الموقف الأمريكي لا يزال غامضا. فقد احتوى القرار على عبارة أضافها الأمريكيون بطلب من الروس وهي الدعوة "لتقرير مصير شعب الصحراء الغربية"، في تناقض مع الموقف الرسمي الأمريكي الذي يعترف بسيادة المغرب على المنطقة. ولم يعبر بايدن بعد عن رأيه وفيما إن كان سيواصل قرار سلفه. 


ويؤكد قادة البوليساريو في مخيمات اللاجئين قرب مدينة تندوف الجزائرية أن المغرب لم يترك لهم أي مجال ولكنه في المقابل استأنف الحرب. 


وحسب المجلة، يواجه قادة الجبهة ضغوطا من 173 ألف لاجئ صحراوي يعيشون حالة تململ. ويقول القادة إن الجفاف ضرب المنطقة ولم تمطر في تندوف منذ سنين وأن مواشيهم مرضت، في وقت انخفض فيه الدعم الدولي. 

 

دعم جزائري


ولكن الجزائر عازمة على ما يبدو على الإبقاء على اللاجئين في المخيمات حتى لا يتخلوا عن المقاومة. ويخشى الصحراويون من الإحباط وإمكانية زيادة حالات التشدد. وقال صحافي صحراوي: "الوضع مثل البركان يمكن أن ينفجر. وأعطى القتال وقتا للقيادة لكن ليس كما يريد الشباب الذين يتطلعون إلى حرب حقيقية، كما يقول بشير مصطفى، مستشار غالي". 


ويوافق الدبلوماسي الصحراوي ملانين لاخال أن الشباب الصحراوي "يريد الهجوم" و"يريدون سجناء وعمليات عسكرية كبيرة مثل السبعينات والثمانينات". 


وسافر الشباب الصحراوي في المنفى إلى الصحراء عبر موريتانيا وحاولوا تجنب قيود كورونا التي فرضتها الجزائر.

 

ما غيرت الحرب مسار الحرب باتجاه بوليساريو ولأول مرة منذ سنين، لكن ماذا سيحدث بعد غير واضح. 


ووعد مصطفى "بمرحلة ثانية" و"القيادة موافقة"، لكن قدرات بوليساريو العسكرية تراجعت أثناء وقف إطلاق النار، فالقادة العسكريون في عمر متقدم وجنودهم شباب في العشرينات. وقوتهم لا توازي قوة المغرب.

 

موازين القوى


وفي حالة قررت بوليساريو المضي في الحرب فهي تأمل بدعم من الجزائر التي سترى في الحرب فرصة لإحياء سياستها الخارجية.  


ويريد البعض في بوليساريو مدخلا آخر وتبني تكتيكات أخرى مثل ضرب الجيش المغربي في العمق. وقال محمد والي عقيق، قائد الجيش الصحراوي "هذا أكبر من احتمال"، مضيفا أن "الشركات والقنصليات والطيران والقطاعات الأخرى" هي أهداف محتملة. 


وقد يكون هذا مجرد تباه، إذ يريد قادة البوليساريو القول إن هجماتهم أثرت على معنويات الجيش المغربي ودفع الحكومة للتنازل، حسب المجلة.


لكن القوات المغربية تحصن مراكزها على الجبهة الطويلة وتقوم طائرات الإستطلاع بمراقبة الصحراء، وتلقى الجيش المغربي في أيلول/ سبتمبر أول شحنة من الطائرات التركية المسيرة. 


وزادت النفقات الدفاعية المغربية بنسبة 29 بالمئة العام الماضي، مع دعم المغرب للانفصاليين البربر. 
وردت الجزائر بحشد قواتها على الحدود، إذ يقول دبلوماسيون إنها تعمل مع شركة فاغنر، ذات التعهدات الأمنية المثيرة للجدل. 

 

اقرأ أيضا: الجزائر تتهم المغرب بقتل 3 جزائريين على حدود الصحراء وموريتانيا

وحسب "إيكونوميست" ستجد بوليساريو صعوبة في تحقيق حلم الاستقلال دون المغرب، حيث يرى دبلوماسيون أن الدولة الصحراوية ستعاني من مشاكل في غياب تعاون مغربي. 


وتذهب المجلة بالقول إلى أن حصول الدولة الصحراوية على دعم من الجزائر الغنية أكثر من المغرب لن يحل المشكل، لأن الجزائر تعاني نفسها من اضطرابات.


وشهدت البلاد تظاهرات عام 2019 أطاحت بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ولا يزال الحراك يواصل نشاطاته ومطالبته بتخلي العسكر عن الحكم. 


في المقابل، ترى المجلة أن المغرب جاهز للمستقبل باعتباره أكبر مركز تصنيع سيارات وطائرات وقطارات سريعة في القارة الأفريقية. 


وحصلت نسبة 60 بالمئة من مواطني المغرب على تطعيم ضد كورونا مقارنة مع نسبة 10 بالمئة من الجزائريين. وتأتي ثلث الطاقة المستخدمة في المغرب من الطاقة المتجددة. 


في الأثناء، يعاني الصحراويون في المغرب من مضايقات إذ يحرم من الوظائف كل من يتحدث عن الإستقلال، كما أن الشرطة تلاحق الناشطين المطالبين بذلك، بحسب المجلة، التي اعتبرت أن الصحراء لن تكون مثل اسكتلندا في المملكة المتحدة.