ملفات وتقارير

"عربي21" تكشف قساوة مركز "المسكوبية" الإسرائيلي للتحقيق

في مركز المسكوبية أقسام للمعتقلين الأمنيين والجنائيين وفيه قسم للقاصرين وللنساء- فيسبوك

ما زال الشاب المقدسي عرين الزعانين يعاني من آلام شديدة في ظهره بسبب ما تعرض له من أساليب تعذيب وضرب داخل مركز المسكوبية للتحقيق في القدس المحتلة.


ويعتبر هذا المركز "سيء الذكر" من أقسى مراكز التحقيق الإسرائيلية؛ حيث يتم فيه توقيف المعتقلين والتحقيق معهم بحجة القيام بأعمال مقاومة ضد الاحتلال، كما أن الفتية المقدسيين هم الفريسة للمحققين داخل هذا المركز.


ويروي الزعانين لـ"عربي٢١" تجربته مع الاعتقال والتحقيق في هذا السجن؛ حيث اعتقل فيه أكثر من ٤٠ مرة، تعرض فيها جميعا لأساليب تعذيب جسدي ونفسي.


في كل مرة تقريبا كان عرين معصوب العينين في الزنازين المظلمة؛ وهو في هذه الحالة يتم ضربه من كل الاتجاهات على يد أكثر من محقق في محاولة لنزع اعترافات منه، بل إن الهدف كان دائما هو إجباره على الاعتراف بتهم لا يعرفها.


ويقول إنه خلال اعتقاله الأخير في هذا المركز قام الاحتلال باعتقال أفراد عائلته وجلبهم إلى الزنازين أمامه في محاولة للضغط عليه.


ويصف ما يحدث هناك بأنه محاولات حثيثة بكل الطرق الشنيعة من أجل الحصول على اعترافات؛ حتى لو تضمن ذلك الضرب والتهديد والاعتداء بكل أشكاله.


ويضيف: "المحققون يقومون بدراسة شخصية المعتقل ويعلمون ما الذي يؤثر عليه؛ وهناك يبدأون باستخدام الأساليب التي ترهقه، فمثلا يبدأون بضرب الفتية فورا من أجل ترهيبهم وإجبارهم على الاعتراف، كما يستخدمون أساليب مثل كسر الطاولة وضرب الحائط من أجل ترهيب المعتقلين".


تعرض عرين للضرب أكثر من مرة خاصة على ظهره ومفاصله ما تسبب له بآلام حادة؛ وأحيانا كان يبدأ الضرب بحقه منذ اعتقاله من المنزل؛ ولكن الاحتلال يحرص على عدم وجود أداة للضرب كي لا يثبت أي شيء ضد المحققين.


ويبين بأن الكثير من المعتقلين تقدموا بشكاوٍ ضد المحققين حول تعرضهم للضرب والاعتداء ولكن القاضي لا يكترث لها.


ويتابع: "هناك الكثير من المعتقلين الذين يخرجون من مركز المسكوبية مع معاناة من ظروف نفسية نتيجة قسوة التحقيق معهم".


الهواء البارد


ومن ضمن الأسرى الذين تعرضوا لمعاملة وحشية كان الفتى عثمان جلاجل (١٧ عاما) من بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك.


تم اعتقاله قبل عدة أشهر من داخل مصلى باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك؛ ونقل إلى ما تسمى "زنازين ٢٠" التي تعرض فيها للضرب.


ويقول والده أحمد جلاجل لـ"عربي٢١" إن نجله تعرض للضرب والتنكيل بشكل قاس على يد المحققين من جهاز "الشاباك"، ما أدى لإصابته برضوض شديدة في ساقه اليمنى.


ورغم ذلك؛ قام المحققون بتعمد تسليط تيار هوائي شديد البرودة على ساقه المصابة ما أدى إلى حدوث ألم حاد ما زالت آثاره موجودة حتى الآن.


ويوضح والده بأن نجله أخبر القاضي خلال إحدى جلسات محاكمته أنه تعرض لهذا النوع من التعذيب؛ ولكنه لم يكترث لذلك ولم يحرك ساكنا، لافتا إلى أن الاحتلال حرم الفتى من تناول أي نوع من الدواء.


ويتابع: "مكث عثمان ١٨ يوما في هذه الزنازين وعانى من آلام شديدة خاصة في الجو البارد؛ وما زال يعاني منها، واتهمه حينها الاحتلال بالانتماء لتنظيم إرهابي".


أفرج عن عثمان ولكن بشروط قاسية؛ أولها الحبس المنزلي والمنع من الالتقاء بأصدقائه لمدة شهرين والمنع من استخدام الهاتف والإنترنت لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما جعل حديثنا معه مستحيلا للإدلاء بشهادته حول ما حدث له من تعذيب.


حقائق قاسية


يقع المركز في القسم الشمالي من القدس وأخذ اسمه من كلمة "مسكوب" وهو اسم يطلق على الروسيين، وبناه الروس عام 1857 كمجمع للمصالح الروسية في ذلك الوقت وكان مكونا من مستشفى وكنيسة ومجمع تجاري، واستولت عليه بريطانيا حين احتلت فلسطين ليتحول إلى مركز تحقيق ثم انتقل للاحتلال.


المحامي حمزة قطينة الذي يترافع عن أسرى مقدسيين يتم نقلهم إلى مركز المسكوبية؛ يوضح أنه المعتقل الأساسي في القدس المحتلة.


ويقول لـ"عربي٢١" إن المسكوبية هو مركز اعتقال يتم فيه توقيف الأسرى المقدسيين؛ وتحدد قضية كل شخص منهم الجهة التي تكون مسؤولة عن التعامل معه سواء كانت المخابرات الإسرائيلية أو الشرطة.


ويبين بأن كل الأسرى بعد التحقيق معهم يتم إبقاؤهم في المسكوبية، والذي يوجد فيه قسم يسمى "غرف رقم ٤"؛ والترجمة الحرفية له هي "قسم التحقيق مع الأقليات" باعتبار أن أهالي المدينة هم أقلية.


ويشير إلى أن هناك قسما آخر يسمى زنازين ٢٠ أو قسم ١١ وهو أعلى مرتبة من غرف رقم ٤ بحيث يتعرض فيه المعتقل للتحقيق من ضباط جهاز "الشاباك" أو المخابرات الإسرائيلية.


ويصف قطينة ما يحدث داخل هذا المعتقل بأنه من أقسى أنواع التحقيق مع المعتقلين الفلسطينيين؛ حيث تورد دائما شكاوى ضد المحققين منها استخدامهم للعنف وعدم إعطاء وجبات طعام للأسرى وضربهم وإهانتهم وتهديدهم بحجز أقربائهم؛ وكذلك عدم تعريفهم بحقوقهم الأساسية في التحقيق.


ويوضح أن المعتقل يكون في قسم خاص معزول عن العالم الخارجي؛ ويتم التحقيق معه لساعات طويلة بعضها لا تقل عن ١٦ ساعة؛ وأحيانا يتم التحقيق معه لأيام دون إعطائه سوى ساعة للنوم لزيادة تعذيبه.


وفي مركز المسكوبية أقسام للمعتقلين الأمنيين والجنائيين وفيه أيضا قسم للقاصرين وللنساء، وبعد نهاية التحقيق مع المعتقلين في محطات الشرطة يتم فرزهم ونقلهم للسجون المركزية إذا تم توقيفهم من طرف محاكم الاحتلال لفترة طويلة.


ويؤكد المحامي بأن التحقيقات التي تتم عند "الشاباك" في زنازين عشرين جميعها تتم بين محققي الشرطة وضباط المخابرات؛ بحيث يجتمع محققو القسمين ضد الأسير الفلسطيني ويتعاونون ضده في التحقيق؛ بالتالي يتعرض لنوعين من التحقيق القاسي في آن واحد.


ويضيف: "هناك أساليب عديدة يستخدمها الاحتلال في التحقيق أكثرها التعذيب النفسي رغم ورود العديد من الحالات حول التعذيب الجسدي بين الحين والآخر؛ لأنه لا يوجد توثيق مصور لعملية التحقيق فتكون هناك مساحة للمحققين لفعل ما يشاؤون".


ويتم التحقيق هناك من طرف أكثر من محقق ويتم فيه حرمان المعتقل من النوم؛ وتركه لساعات طويلة جدا وحده في غرفة لا يرى فيها ضوء الشمس ولا الهواء فلا يعرف الوقت ولا اليوم؛ كذلك يحرم من الاستحمام أو تناول طعام جيد.


ويقول قطينة إن التحقيق يستمر في ما تسمى "أقسام العصافير" وهي سجون صورية يرسل إليها الأسير على أنها أقسام عادية لأسرى حقيقيين؛ ولكنهم في الواقع يكونون عملاء موظفين من الاحتلال للاستمرار في التحقيق مع الشخص والاحتيال عليه لإقناعه بالاعتراف، أو قد يحصل تهديد له باعتداء في حال لم يعترف ولم ينهر خلال التحقيق.


ومن ضمن أشكال الانتهاك في هذا المعتقل هو استمرار نقل الأسير عبر ما تسمى بالبوسطة من المركز إلى المحاكم؛ وهي عبارة عن حافلة مقاعدها حديدية يجلس فيها الأسير لساعات طويلة مكبلا، ما يسبب له أمراضا وآلاما كثيرة.


وعن شكل الزنازين يوضح قطينة أنها سوداء قاتمة اللون لا يوجد فيها أي وصول لضوء الشمس والإضاءة فيها متفاوتة؛ إما ساطعة جدا يضعف بسببها بصر الأسير، أو خافتة للغاية لا يرى منها الأسير شيئا؛ وأحيانا تنقطع الإضاءة؛ وفي تلك اللحظة لا يعرف الأسير هل فقد بصره فعلا أم انطفأ الضوء، وهذا كله من باب التعذيب النفسي.


وإضافة إلى ذلك؛ يستخدم الاحتلال أسلوب المكيفات للتعذيب، وهو أشد أشكال التعذيب قسوة بحيث يسلط المحققون الهواء البارد جدا أو الساخن جدا صوب الأسير لساعات طويلة، ما يعرضه للأذى، وكذلك يتم عزل الأسير انفراديا لفترة قد تصل إلى ٣٥ يوما لا يرى فيها سوى المحقق.


وتصل الفترة التي يبقى فيها الأسير في المركز إلى ٣٥ يوما في التحقيق قابلة للتمديد بموافقة المستشار القضائي لحكومة الاحتلال، وبعد ذلك تكون هناك فترة مفتوحة قد تصل لأكثر من شهر إضافي لحين فرز الأسير ونقله إلى سجن مركزي.

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يشن حملة اعتقالات بالضفة.. واعتداءات وهدم للمنازل