ملفات وتقارير

فارون من حكم ابن سلمان يروون ظروفا دفعتهم لمغادرة السعودية

قررت السعودية رفع القيمة المضافة من 5 بالمئة إلى 15 بالمئة بدءا من تموز/ يوليو المقبل- جيتي

شكل تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد بالمملكة العربية السعودية قبل ثلاث سنوات، منعطفا في حياة كثيرين اضطروا لمغادرة المملكة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية القاسية، ما أنهى سنوات طويلة من إقامتهم هناك.


وخلال الثلاث سنوات الماضية، غادر السعودية أكثر من 2 مليون عامل أجنبي (وافد)، وبحسب ما جاء في تقرير حديث صدر عن شركة جدوى للاستثمار السعودية في 14 حزيران/يونيو الجاري فإن "زيادة الضرائب على المغتربين، دفعت 445 ألف عامل أجنبي لمغادرة السعودية في عام 2019، مقارنة مع مليون غادروها في 2018".

 

وبدأت المملكة بتطبيق المقابل المالي على العمالة الوافدة منذ كانون الثاني/يناير 2018 بواقع 300 إلى 400 ريال شهريا، وارتفعت خلال عام 2019 لتصبح بواقع 500 إلى 600 ريال شهريا، وزادت ما بين 700 إلى 800 ريال خلال العام 2020.


تردي الأوضاع الاقتصادية


وفي مقابلة لـ"عربي21" مع "أبو عبد الله"، رجل أعمال عاش في السعودية 30 عاما واضطر لإغلاق شركته ومغادرة البلاد، يقول: "مررنا بظروف اقتصادية صعبة في الآونة الأخيرة أجبرتنا على تسريح المئات من العمال على دفعات".

 

ويستذكر "أبو عبد الله"، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أنه كان يدفع، في سنوات ما قبل حكم ابن سلمان، لمكتب العمل 2400 ريال سنويا بواقع (200 ريال شهريا)، من أجل تجديد الإقامة لكل عامل أجنبي يعمل لديه.

 

اقرأ أيضا: هذه أبرز إخفاقات ابن سلمان الاقتصادية في ٣ أعوام من ولايته

وفي غضون عامين من تولي محمد بن سلمان لولاية العهد، وإعلان رؤيته الاقتصادية "2030" وما صاحبها من قرارات، ومنها: رفع ضريبة القيمة المضافة وفرض الجمارك على المواد المستوردة ورفع المقابل المالي ورسوم الإقامات للعمالة الوافدة، انتقل "أبو عبد الله"، من تحقيق الأرباح قبل عام 2017 إلى الخسارة ومغادرة المملكة في نهاية عام 2018.


ويقول: "لم نعد نستطيع مجاراة هذه الزيادة في الأسعار"، مضيفا: "بعدما كانت تمتاز السعودية بأنها أقل من الدول المحيطة من ناحية الرسوم، فاقت الآن الجميع".


ويعزو "أبو عبد الله" ما حدث مع شركته وآلاف الشركات مثلها إلى الخطة الاقتصادية التي انتهجها ابن سلمان، والتي أضرت بالاقتصاد الوطني وأدخلته في حالة ركود شديد، لأن قطاع الصناعة السعودي كان يعتمد بشكل كبير على العمال الأجانب، والذين تفاجأوا بعبء القرارات، خاصة تلك الشركات التي بها حجم عمالة كبير.


ووفق تقرير جدوى للاستثمار انخفض عدد العمال الأجانب من سوق العمل من قرابة 40 بالمئة في 2016 إلى 15 بالمئة في 2019.


ويشير "أبو عبد الله" إلى أن رفع الرسوم رافقه "قلة في المبيعات وتصريف المصانع للبضاعة"، بسبب مغادرة كثير من الوافدين للسعودية من المهنيين والفنيين والعمال.


ويضيف: "كان بقاؤهم في السعودية من أجل الحصول على قوتهم في المملكة، لكن زيادة الرسوم دفعت الكثير منهم للعودة إلى بلدانهم".


ومن علامات الركود الاقتصادي التي لاحظها "أبو عبد الله"، ولم يعهدها من قبل، إيقاف السلطات السعودية للعديد من المشاريع الكبرى كتطوير الحرمين وبناء المنشآت الحكومية وإنشاء القطار والمترو، ما أثر على الوضع المالي للشركات والموظفين لديها، وأضر بحركة السوق.


ويقول: "لا شك أن محمد بن سلمان قاد حركة تصحيحية للاقتصاد الذي كان معتمدا على العمالة الأجنبية، لكن ذلك لا يأتي بيوم وليلة، فرض رسوم وجمارك ورفع الضريبة المضافة أضر بالاقتصاد".


تجدر الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت السعودية بفعل وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط، دفعت الحكومة السعودية لإقرار خطة تقشفية كبيرة يتم بموجبها رفع القيمة المضافة من 5 بالمئة إلى 15 بالمئة بدءا من تموز/ يوليو المقبل، إضافة إلى إيقاف بدل غلاء المعيشة بدءا من حزيران/ يونيو الحالي.

التهديد الأمني

 

ويحكي عاصم المصري (50 عاما)، الذي ولد وعاش في السعودية 48 سنة، عن أن "القبضة الأمنية الرهيبة التي اشتدت في ظل حكم ابن سلمان" هي ما "دفعته لمغادرة البلاد قبل نحو عامين".

 

وأنهى المصري دراسة إعلام وإذاعة وتلفزيون، وسافر إلى كندا 6 سنوات لإكمال دراسته، وفي عام تشرين الأول/أكتوبر 2009 عندما أراد العودة للسعودية، لم تسمح السلطات له بدخول أراضيها، ولم يتمكن من ذلك إلا بالحصول على "فيزا صانع حلويات".

 

ويعلق المصري في حديثه لـ"عربي21": "السلطات السعودية لا تريد إعلاميين"، مضيفا: "وبعد حكم ابن سلمان زادت القبضة والملاحقة الأمنية لكل من يحمل كاميرا".

 

وعن سبب مغادرته للسعودية في 2018، يقول المصري: "القوانين باتت تشعرك أنك من الطبقة العاشرة في المجتمع، ويسيطر عليك الخوف من الذهاب للسجن حتى بغير سبب مقنع، أو لسبب بيروقراطي بحت أو غير مقصود، ولن يتمكن أحد من السؤال عنك". وقال: "سجونهم عبارة عن منفى".

 

ويروي المصري أنه عمل في السعودية تحت مسمى "الدعاية والإعلان"، لأن العمل بالإعلام حساس لدى السلطات، والحصول على سجل إعلامي يحتاج إلى كفيل مدعوم أو معروف، حتى السعوديون العاديون يحتاجون سنوات كي يحصلوا على السجل الإعلامي.


ويكمل أنه بعد حكم ابن سلمان "اختلفت الأمور وزادت القوانين صرامة وزاد موضوع التفتيش، وزادت النبرة الرسمية العنصرية. فأي شخص يريد الحديث من مبدأ إنساني أو أخلاقي أو ديني لا يكون وطنيا في نظر السلطات، ويتهم فورا بأنه يطعن في مشاريع محمد بن سلمان".

وقبل خروجه، شعر المصري، في ظل حكم ابن سلمان، أنه ملاحق ومراقب، مشيرا إلى أن الأمن السعودي أوقفه في مركز أمني 3 ساعات لمجرد أنه كان يحمل كاميرا، كما تم إيقافه عن تصوير مناظر طبيعية في مدينة جدة أكثر من مرة.

 

اقرأ أيضا: إلى أين وصلت حقوق الإنسان في عهد محمد بن سلمان؟

وقال: "إذا أردت أن تصور يجب أن تأخذ إذنا من وزارة الإعلام. ذهبت إليهم لكنهم لم يدخلوني إلى الوزارة".


وتردت الأوضاع الاقتصادية في الآونة الأخيرة، بحسب ما ينقل المصري عن أصدقائه الذين لا يزالون مقيمين في السعودية، موضحا أن أحدهم "تطالبه السلطات بدفع 80 ألف ريال سعودي من أجل تجديد الإقامة عن عامين ماضيين، ولأنه صاحب عائلة كبيرة، فهو غير قادر على ذلك".


وعند سؤاله عن رغبته بالعودة للعيش في السعودية، قال: "أشتاق لها وتعتبر وطني، هناك تربيت وأخذت عاداتي. وهناك أصدقائي وأهلي. أشتاق للحرم ولتأدية العمرة والحج، لكني لا أفكر أبدا بالعودة في ظل هذا الحكم، وما لم يحدث تغيير جذري".


ويعتبر المصري نفسه من المعارضين لحكم ابن سلمان، ويناهض سياسته بشكل علني عبر مشاركاته في مواقع التواصل الاجتماعي، ويقول: "أخشى في حال عودتي من غدرهم وسجونهم".


وتردت أوضاع حقوق الإنسان في عهد حكم ابن سلمان، وفق ما رصدته مؤسسات حقوقية وإنسانية خلال السنوات الماضية، ولعل أبرز الانتهاكات كانت حملات الاعتقال التي طالت رجال دين ودعاة ومعارضين سياسيين ونشطاء ليبراليين وممثلات للحركة النسوية.