صحافة دولية

التايمز: هل تخلصت الهند من عادة قضاء الحاجة في الخارج؟

التايمز: مزاعم مودي بتنظيف الهند من عادة قضاء الحاجة بالخارج ناقصة- جيتي

نشرت صحيفة "التايمز" تقريرا للصحفيين هيو توملينسون وسوراب شارما، يقولان فيه إنه في كل صباح وقبل شروق الشمس في قرية بادوساراي في شمال الهند، ترى ظلال ناس يخرجون من أكواخهم المبنية من الطوب، ويتوجهون في مجموعات إلى الحقول المحيطة بالقرية ليقضوا حاجتهم.

 

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أنه بحسب عادات قديمة غير مكتوبة، فإن النساء تتجهن إلى الحقول جنوب القرية، فيما يتجه الرجال إلى الحقول شمالها. 

 

ويقول الكاتبان إنه روتين اعتاد عليه سكان بادوساراي، في ولاية أوتار براديش، طيلة حياتهم، إلا أنه بدأ يصبح مزعجا، مشيرين إلى أن القرية شاهدت الشهر الماضي رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي على التلفزيون يستخدم الذكرى المئة وخمسين لولادة ماهاتما غاندي، ليعلن أن حكومته قضت على ظاهرة قضاء الحاجة في الهواء الطلق في أنحاء الهند كلها.

 

وتلفت الصحيفة إلى أنه بعد حملة تم بموجبها بناء عشرات ملايين المراحيض في أنحاء الهند، أعلن مودي بأنه حقق وعدا انتخابيا رئيسيا عندما فاز في الانتخابات عام 2014، وأنه حقق حلم غاندي في "هند نظيفة"، وقال: "بنينا أكثر من 11 كروري (110 ملايين) مرحاض، والعالم كله مندهش من ذلك... واليوم أعلنت المناطق الريفية والقرى في الهند بأنها مفتوحة وخالية من البراز (في الحقول)".

 

ويستدرك التقرير بأنه يمكن إثبات أن هذا الكلام غير صحيح، فتم قطع شوط كبير تحت إدارة حكومة مودي في هذا الجانب، إلا أن هناك أكثر من 300 مليون هندي، بحسب بعض التقديرات، ليس لديهم مراحيض، وفي بعض الولايات الأكثر فقرا في الشمال، فإن نسبة الناس الذين يقضون حاجتهم في الحقول ما تزال أكثر من 40%.

 

وينوه الكاتبان إلى أن حملة "هند نظيفة" كانت موضوع فيلم لبوليوود في 2017 عنوانه Toilet، وهو عبارة عن قصة حب، "لكن حتى أفضل ممثلين مومباي فشلوا في تغيير الشكوك المترسخة بين الناس العاديين". 

 

وتذكر الصحيفة أن دراسة حديثة أظهرت أن حوالي ربع الهنود الذي يتوفر لهم مرحاض، ما يزالون يقضون حاجتهم في المساحات المفتوحة، للاعتقاد السائد بأن الأمر صحي أكثر، مشيرة إلى أن حوالي نصف المراحيض التي تم بناؤها تفتقر إلى الماء، ما يجعلها عديمة الفائدة.

 

ويفيد التقرير بأن خطاب مودي ضاعف من حالة الإحباط التي يعيشها الناس في قرية بادوساراي، فبدأ العمل في إنشاء 24 مرحاضا في القرية، لكن لم يتم البدء سوى في عشرة منها، ولم تنته قبل أن ينفد المال المخصص لها، وتقف الآن هذه المراحيض مهجورة ومتداعية ومملوءة بالزواحف، بالإضافة إلى مقاعد المراحيض والأنابيب المهملة والمكومة. 

 

وينقل الكاتبان عن رادها، البالغ من العمر 35 عاما، قوله في الوقت الذي كان يضرب فيه شتلات الأرز لتجفيفها: "نحن نتطلع إلى الحصول على مرحاض، ونريد أن يتم ذلك، لكن زعيم القرية قطع الأموال واحتفظ بها... لأننا من الطبقة الدنيا ليس لنا رأي في هذا الموضوع"، وأضاف: "نحن صوتنا لمودي، ونعلم أنه يحاول تخليص الهند من التغوط في الحقول، لكن الفساد على المستوى المحلي يوقف ذلك".

 

وتقول الصحيفة: "في الصباح المتأخر يعمل الرجال في قرية بادوساراي في الحقول، وتجمعت المزيد من النساء في الوقت الذي كنا فيه نتحدث، وكن حريصات على إسماع صوتهن، فالمراحيض في الهند ليست مهمة فقط بسبب الصحة، لكن لسلامة النساء في بلد سجلها في العنف الجنسي مخز، ففي قرى مثل بادوساراي تذهب النساء لقضاء الحاجة في مجموعات للحديث وللسلامة أيضا، فأكثر من نصف حالات الاغتصاب التي تم الإبلاغ عنها عام 2016، وهي 35000 حالة، حصلت عندما ذهبت النساء لقضاء الحاجة في الحقول". 

 

ويورد التقرير نقلا عن كالاواتي، البالغة من العمر 50 عاما، قولها: "نضطر للذهاب في الساعات كلها مع الأطفال، وخلال الحصاد (عندما يصبح الزرع قصيرا ليغطي) والرياح الموسمية، علينا أن نذهب إلى أرض أعلى على الشارع... ويمر الناس ويشتموننا، ويرانا الناس الذين نعرفهم من القرى المجاورة، إنه أمر مذل".

 

ويؤكد الكاتبان أن هناك تغيرا كبيرا، فحتى لو لم تكتمل حملة "هند نظيفة"، إلا أنها تغير المواقف، فحتى بين القرويين المسنين في بادوساراي، الذين اعتادوا طيلة حياتهم على قضاء الحاجة في الحقول، هناك رغبة بوجود مراحيض، فالمجتمع محبط ومحرج لأن القرى المجاورة لديها مراحيض وهم ليس لديهم. 

 

وتنقل الصحيفة عن كيشنافاتي، التي لا تعلم كم تبلغ من العمر، قولها: "المسألة مخجلة بالنسبة لنا الآن لأنه ليس لدينا مرحاض، وعندما تأتي كنتي وأطفالها لزيارتنا عليهم أن يخرجوا لقضاء حاجتهم... عندما كنت شابة لم نكن نعرف شيئا عن الصرف الصحي، ولم نعرف عن المراحيض، ولم نفهم مدى أهميتها، لكننا الآن نريدها".

 

وبحسب التقرير، فإن هناك شعورا بالمرارة لأن وضع المجتمع، بصفته من الطبقة المتدنية، تجعله غير قادر على الوقوف في وجه المسؤولين المحليين الفاسدين، مشيرا إلى قول كالاواتي: "مودي رجل جيد، إنه يعمل الكثير، لكن ذهبنا لنرى زعيم القرية فقال إنه لن يساعدنا". 

 

ويجد الكاتبان أن حملة "هند نظيفة" تفضح الفساد المستشري الذي ينخر في السياسة الهندية، خاصة على المستوى المحلي، فوضعت ميزانية لكل مرحاض 12 ألف روبية (130 جنيها إسترلينيا)، لكن حيث يتم تحويل الأموال للبناء إلى المسؤولين المحليين، فإن فرص التزوير كثيرة.

 

وتشير الصحيفة إلى أن قرية بادوساراي هي واحدة من عدد كبير من القرى التي تركت عالقة بسبب فساد المسؤولين الذين يسرقون أموال المراحيض التي لم تبن، لافتة إلى أن بعض الأرباح من ذلك الفساد تستخدم لدفع الرشوة للمفتشين المسؤولين عن التأكد من بناء تلك المراحيض، ثم تتم إعادة تلك التقارير إلى أعلى السلسلة للمسؤولين في الولايات والحكومة المركزية، الذين يترددون في تفحص المعطيات عن كثب.

 

ويلفت التقرير إلى أن منطقة تلو الأخرى أعلنت بأنها أصبحت خالية من التغوط في المساحات المفتوحة، مشيرا إلى أنه من المستحيل تقريبا التحقق من صحة ادعاء مودي بأنه قام ببناء 110 ملايين مرحاض.

 

ويقول الكاتبان إنه "في قرية حضرتبور القريبة، التي تقع في ظل بوابة مغولية رائعة تعود للقرن السابع عشر، انزعج المسؤولون في المجالس المحلية عندما سألناهم عن مراحيض بادوساراي غير المكتملة، وأحدهم وافق على التحدث معنا، لكنه ألغى المقابلة فجأة بسبب وفاة في القرية التي ينحدر منها، وركب سيارة بسرعة قائلا إن عليه الذهاب، وقال بعدها على الهاتف: (لقد قمنا بالعمل بحسب التمويل الذي وصل إلينا من الحكومة.. لن نقوم ببناء مراحيض من جيوبنا)".

 

وتذكر الصحيفة أن "قرية حضرتبور تعد قصة نجاح لحملة (هند نظيفة)، حيث بني فيها أكثر من 500 مرحاض منذ عام 2018، وأصبح لكل بيت تقريبا مرحاض، فهنا أيضا وجدت العائلات التي لم تشعر بحاجتها لمرحاض قبل أن تمنح مرحاضا من الحكومة مدى التحول الذي أحدثه المرحاض في حياتها".

 

ويورد التقرير نقلا عن شيف كومار، وهو مزارع عمره 45 عاما، قوله: "لم نقدر أثره حتى حصلنا على واحد... فأن تكون هناك وقاية من الشمس والأمطار وألا نخرج للحقول مهما كان الطقس، أمر له تأثير كبير، والقرية أصبحت أنظف بكثير، وفي السابق كان هناك براز في كل مكان".

 

وينوه الكاتبان إلى أن لدى قرية حضرتبور عددا كبيرا من طبقة البراهمين والذاكور العاليتين، مشيرين إلى أن حصول القرية على مراحيضها ضاعف غضب جارتها قرية بادوساراي، وأبرز الشرخ العميق بسبب النظام الطبقي، إلا أنه حتى في قرية حضرتبور فإن الفساد أدى إلى رداءة في بناء المراحيض، ما يعني أن المصارف قليلا ما تنظف، وهو ما أثار التهم بتخفيض النفقات من زعيم القرية. 

 

وتختم "التايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن كومار قام بعمل ثقب بإصبعه في إسمنت أحد المرافق القريبة، وأشار بالغبار على يده، وقال، "إنها نصف حقيقة أن الهند أصبحت خالية من التغوط في العراء، مودي يقوم بعمل جيد لكن التطبيق على الأرض بطيء، ويختصرون المصاريف ويبقون أموالا... هذا المرحاض عمره أشهر لكنه بدأ بالاهتراء، وخلال سنوات قليلة سينهار".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)