مقالات مختارة

فشل الإسلام السياسي.. حقيقة سياسية أم مخاتلة استئصالية؟

1300x600

منذ صدور كتاب المفكر الفرنسي الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أوليفييه روي "فشل الإسلام السياسي" في مطلع التسعينيات من القرن الماضي (1992) ومقولة "فشل الإسلام السياسي" تتردد في دوائر كثيرة وبدوافع مختلفة، ولا تكاد تنقطع حتى تتجدد. فبين باحثين ومراكز ترصد الظاهرة في إطار بحثي لفهمها وفهم تعقيداتها وحقيقة مآلاتها، وقوى سياسية داخلية وخارجية تعرّف نفسها عدوا لدودا أو خصما للإسلام السياسي، فتحاربه وتشيع فكرة فشله، بغرض محاصرته.

من البديهي أن تكون حالة "الإسلام السياسي" محل اهتمام كبير في الساحة العربية والإسلامية والدولية، خصوصا أن هذا التيار يلعب وبأشكال مختلفة أدوارا أساسية في المشهد العربي، تصاعدت بشكل لافت مع ثورات "الربيع العربي"، كما تغيرت هذه الأدوار من المعارضة إلى الحكم. بيد أن ثمة تركيزا في دوائر وأوساط واسعة على فكرة "فشل الإسلام السياسي"، لا توخيا للبحث في الظاهرة ورصدها وتحليلها علميا في سياق الاجتماع السياسي، والتحولات التي تشهدها الشعوب العربية من حقبة إلى أخرى، وإنما يتعلق الأمر باستعمال هذه الخلاصة غير النهائية للإقصاء وتبريره.


آلاف المقالات والدراسات تُكتب، ومئات الندوات والمؤتمرات والورشات تقام، هدفها الأساسي شيطنة فكرة "الإسلام السياسي" وتاليا إثبات فشله والتحريض عليه إقصاء واجتثاثا. ورغم اللبوس العلمي والموضوعي الذي أخذته هذه الدراسات، فإن هذا التماشي يعكس في حقيقته بعدا تسلطيا تتوخاه أنظمة عربية كثيرة، ونخب تدور في دائرتها أو متقاطعة معها في هذا التماشي، مسكونة بعداء أيديولوجي، رغم أنها هي نفسها كانت في لحظة تاريخية ما ضحية لهذه الأنظمة التسلطية. فكل تيار سياسي صاعد يستهدف بالشيطنة والمطاردة والإقصاء، واجتثاث عبر الملاحقة القضائية والأمنية.
 حرب بلا هوادة المعادلة فيها صفرية، لا تتوقف حتى تحقيق الهدف بالكامل. هدف عبثي في العادة لا يبسط استقرارا، ولا يحقق تنمية، ولا يقوي مجتمعا.


لقد خسرت بلداننا الكثير في سياق هذه السياسات المستهدفة للتيارات السياسية الأساسية في المنطقة. كان بالإمكان التعاطي مع ظاهرة "الإسلام السياسي" بشكل أكثر عقلانية باعتبارها ظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية، لا تختلف من حيث سياقاتها على ما شهدته المنطقة قبلا من بروز تيارات اكتسحت الفضاء العربي لسنوات وعقود، كالتيار القومي بمختلف مدارسه، والتيارات اليسارية بمختلف اتجاهاتها، وهي تيارات كانت وليدة تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية في المنطقة وفي العالم، وصلت ذروتها في حقبة ما. وسادت حتى في الحكم، ثم تراجع مدها تباعا، ليحل محلها التيار الإسلامي، كتعبير اجتماعي وسياسي وثقافي.


عاشت كل هذه التيارات بقومييها ويسارييها قبلا ثم بإسلامييها بعدا حقبات من النجاح والتوسع الشعبي والجماهيري، ووصل بعضها للسلطة، نجحت حينا وفشلت أحيانا، انتصرت بعضا من الوقت وانكسرت في أوقات أخرى، لم تكن شرا محضا ولا خيرا محضا، وإنما تجربة تاريخية بنجاحاتها وخيباتها، كغيرها من التجارب في الفضاءات الحضارية الأخرى. وعندما عجزت هذه التيارات القومية واليسارية عن التكيف مع المتغيرات والتجدد، انحسرت وخرجت من السلطة. وهذه الحتمية التاريخية في الصعود والانحسار، كما سرت على القوى القومية واليسارية تسري اليوم على القوى "الإسلامية"، وهي حتميات لا تستثنيهم تفاضلا، ولا تتجاهلهم تغافلا، لو بعد حين.


"الرسمية العربية" دأبت على التخوين والإقصاء لكل التيارات الكبرى في المجتمعات العربية، بل إعلان حرب عليها لا هوادة فيها لإنهائها.


وكما لم تكن التيارات القومية واليسارية الواسعة الانتشار لعقود طويلة تيارات الشعب المختارة، لن تكون التيارات الإسلامية في المرحلة الراهنة من تاريخ المنطقة تيارات الله المختارة، وإنما هي كلها بمختلف خلفياتها الفكرية قومية ويسارية و"إسلامية" تعبيرات اجتماعية، تعكس دينامكية مجتمعية لمنطقة تتلمس طريقها للنهوض، ولا تألو جهدا في البحث عن شبكة الخلاص من حالة الدونية والتخلف التي عاشتها لعقود، عززها الارتهان للغرب لحقبة طويلة مع الاستعمار، ثم مع نظام دولي غير عادل وغير متوازن، أخضع المنطقة لنفوذ القوى الكبرى.


وكما أفرز المجتمع قوى حية في لحظة تاريخية ما للدفاع عن حقه في النهوض والتنمية، أفرز في أوقات أخرى قوى بديلة عندما انحسرت الأولى، وسيظل هذا المجتمع يفعل في دينامكية اجتماعية وثقافية وسياسية لا تقبل السكون.


والتعاطي مع "الإسلام السياسي" كخطر بدل التعاطي معه كحالة مجتمعية كغيرها من الحالات في البحث عن النهوض والتقدم، لا يعدو أن يكون محاولة جديدة قديمة لتكرار خطاب الاستئصال والإقصاء، الذي استهدف التيارات القومية واليسارية، التي كانت تحمل الهم النهضوي والتنموي، تماما كما تحمله التيارات الإسلامية اليوم، ولا اختلاف حقيقي إلا في شكل التعبير عن هذا الهم التغييري والنهضوي.


والمؤسف أن "الرسمية العربية" دأبت على التخوين والإقصاء لكل التيارات الكبرى في المجتمعات العربية، بل إعلان حرب عليها لا هوادة فيها لإنهائها. وتستفيد الرسمية العربية في كل مرة من موقف القوى الخارجية، التي تحرص على الإبقاء على تحالفاتها التقليدية مع أنظمة سلطوية متحكمة، تتحفظ على أي تغيير يمكن أن يمس مصالحها في المنطقة، وتعطي الأولوية لاستمرار النظم القائمة مع ممارسة الحد الأدنى من النقد لها والحد الأقصى من حمايتها. وتستغل "الرسمية العربية" الحرص الدولي على الاستقرار، والتعامل بريبة وشكوك مع هذه القوى المطالبة بالتغيير، لمزيد شيطنة هذه القوى وتصويرها باعتبارها عامل توتر وعدم استقرار، بل تدمغها بالتطرف والتشدد والإرهاب، تبريرا لسياسات الإقصاء والتسلط الذي تمارسه عليها.

 

قد تستمر الحرب على "الإسلام السياسي" حينا من الدهر، كما استمرت قبلا ضد تيارات أخرى، لكن هذه الحرب المعادة والمتكررة، وكما أهدرت سابقا الكثير من الجهد والطاقات، في غير وجهتها الحقيقية، ستهدر إن استمرت المزيد من الطاقات والوقت والجهد المستنزف لإمكانات المنطقة، بدون أن تكون بناءة أو مثمرة، فهي في نهاية المطاف وفي وجهها العميق احتراب مع الذات.


تحتاج المنطقة أن تنتهي من هذه المعارك والحروب الذاتية العبثية، فكما جرى التنويه نحن أمام قوة اجتماعية، هي جزء من سيرورة تاريخية، وليس حالة طارئة أو ظاهرة مسقطة. وهذا التيار تماما كغيره من التيارات له ما له وعليه ما عليه. فبدل الحرب والاحتراب الداخلي في إطار معادلات صفرية للنفي والإقصاء والاجتثاث، تحتاج المنطقة لدينامكية حوار متواصل للتفاعل بين مختلف التيارات والقوى الفكرية والسياسية، لبناء اجتماع سياسي جديد، قائم على الاعتراف والحوارية والتواصل. ديناميكية الإقصاء متعددة الأبعاد والمسارات، قد تعطل تبلور مسارات نهضوية، وتطلعات في التغيير والتحول، ولكنها لا يمكن أن تنهي ظواهر هي تعبيرات مجتمع نابعة من همومه وتطلعاته.


يواجه «الإسلام السياسي» كما واجهت التيارات السياسية الأخرى امتحانات وتحديات واضحة، تحديات ارتفع منسوبها مع موجة "الربيع العربي" التي انطلقت من تونس في 2011. وبقدرة ما حقق الإسلاميون في بعض المحطات نجاحات معتبرة، إسهاما في الدفع بعملية التغيير والتحرر من أنظمة استبدادية، ومشاركة في تسهيل عملية الانتقال الديمقراطي وتعزيزها.

 

إلا أنه فشل في أحيان أخرى كثيرة في مواجهة التحديات، وفشل في الاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة في إقامة نموذج حكم أكثر عدالة، أو نظام سياسي أكثر رشدا واستقرارا. واتضح في كثير من الأحيان أن "الإسلام السياسي" لا يحسن قراءة الواقع وتحدياته ببصيرة، بل يدمن تكرار الأخطاء والوقوع في المطبات نفسها، كما أبان عن محدودية في القدرة على الخروج من بوتقة الجماعة إلى الفضاء الأوسع للمجتمع، ومن التيار التغييري المناهض للأنظمة، إلى قوة تجيب على استحقاقات الحكم الرشيد والعدالة والبناء لا على التجاذبات الأيديولوجية والصراعات الهووية.


و"الإسلام السياسي" بهذا المعنى بإنجازاته وإخفاقاته تيار داخل المجتمع، وليس المجتمع كله، له أنصاره وله منافسوه، وبدل حمل مؤسسات الدولة وأجهزتها على التصدي له والتعبئة في مواجهته، يكفي أن ينظر له كجزء من المشهد السياسي والمجتمعي، يختبر من خلال أدائه السياسي ومدى قدرته على تقديم الحلول لما يعانيه المجتمع من صعوبات وما يواجهه من تحديات.


تواجه منطقتنا انكسارات كبيرة في السياسة والاجتماع والثقافة، وتتوسع وتتعمق لتطال كل شيء، حتى لا نكاد نعرف حالة سابقة من التفكك والتشرذم كالتي نعيشها اليوم. لم يعد مجديا أن تظل حروبنا داخلية على الدوام، نوزع فيها الحرب على التيارات السياسية والاجتماعية التي يفترض أنها في محصلتها مجتمعة عصارة لديناميكية مجتمعية، بحثا عن النهوض والتقدم، وبدل استثمارها في تحفيز المجتمعات للفعل والتعبئة الجماعية خلف مشروع نهضوي، تُشن عليها حروب لا هوداة فيها، تطال كل شيء، فتفسده وتقوّض استقراره ومساره.


فشل اليساريون وفشل القوميون وفشل الليبراليون، ويمكن أن يفشل الإسلاميون، لكنهم يظلوا جميعا تعبيرات أصيلة عن حاجات واستحقاقات مجتمعية، من راجع وقيّم منهم ذاته، قد يمد لنفسه حبل النجاة، تجددا واستئنافا أكثر رشدا وتألقا، ومن قعدت به الهمة، فسيبقى حالة باهتة في مشهد متحرك. فالمجتمع طموح ويطلب باستمرار قوى حية تعبّر عنه وعن تطلعاته في النهضة والتقدم.

 

والتفاعل منه مع أي من هذه القوى والتيارات الاجتماعية والسياسية، يكون من خلال الاستثمار في الحي والمتجدد منها، والاعتبار من الضامر فيها، لا حربا على هذا أو ذاك، للحفاظ على نظم بالية لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع أو على تلبية حاجياته. آن الأوان لكتابة بيان جديد من أجل الحق في الاختلاف والعيش المشترك لحماية أوطاننا والنهوض بها، فخلاصها جماعيا يساهم فيه الجميع.. ويكتبه الجميع.. إنه بيان من أجل الحاضر والمستقبل.