سياسة عربية

"الأسد" يسوّي وضع "المفقودين" في جيشه.. ما علاقة روسيا؟

قتلى النظام

عزت مصادر حقوقية سورية معارضة التعديلات القانونية الأخيرة التي أجراها نظام الأسد حول تسمية المفقودين والقتلى في صفوف قواته وتعديل قوانين المعاشات، إلى الضغط الكبير الذي يتعرض له النظام، من قبل الموالين الذين يطالبون بالكشف عن مصير ذويهم المفقودين من العسكريين.

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، قد أصدر، الأربعاء، مرسوما تشريعيا يقضي بإضافة مواد جديدة إلى قانوني الخدمة العسكرية و الخدمة في قوى الأمن الداخلي (الشرطة، والمخابرات).

ووفقا لما ذكرته وكالة أنباء النظام "سانا"، فقد عرّف المرسوم الجديد المفقود بـ"العسكري الذي لم تعرف حياته من مماته، أو أن حياته محققة ولكن لا يعرف له مكان وذلك بسبب الحرب أو العمليات الحربية أو الحالات المشابهة لها أو على يد عصابة إرهابية أو عناصر معادية أو بسبب الخدمة العادية"، في حين عرف "الشهيد" بـ"العسكري الذي قضى نحبه إثر إصابته بسبب الحرب أو العمليات الحربية أو على يد عصابة إرهابية أو عناصر معادية مباشرة أو نتيجة تفاقم إصابته".

واعتبر المرسوم أن "كل مفقود تحققت واقعة فقدانه اعتباراً من تاريخ 15/3/2011 (تاريخ اندلاع الثورة السورية) بسبب الحرب أو العمليات الحربية أو على يد عصابة إرهابية أو عناصر معادية، شهيد بعد أربع سنوات من فقدانه وصدور حكم بوفاته".

وشمل المرسوم تعديل بعض المواد من قانون المعاشات العسكرية وقانون معاشات "قوى الأمن الداخلي"، المتعلقة بالأحكام التفصيلية الخاصة بمعاشات المفقود بجميع حالاته، والراتب الذي يتم على أساسه حساب المعاش المستحق لذويه وفقا لتاريخ الفقدان، حيث تضمن المرسوم الجديد تعديل بعض المواد من قانون معاشات العسكريين وعناصر قوى الأمن الداخلي، وذلك بتخصيص معاش للمفقود الذي مضى أربع سنوات على فقده ليستفيد منه المستحقون عنه، "بعد انقضاء سنة واحدة تبدأ من أول الشهر الذي يلي تاريخ الفقدان".

وقبل صدور هذا المرسوم، كان النظام لا يعطي رواتب لعائلات المفقودين في صفوف قواته، بحكم عدم معرفة مصيرهم، متجاهلا كل الأصوات المطالبة بالكشف عن مصير المفقودين العسكريين، الذين تقدر أعدادهم بالآلاف.

وفي معرض تعليقه على ذلك، وضع الخبير القانوني، القاضي خالد شهاب الدين، المرسوم في إطار تهرب الأسد من الاستحقاقات المتعلقة بتسليم الجثث لذوي القتلى في صفوف قواته، مؤكدا أن "أعدادهم تقدر بالآلاف".

 

إقرأ أيضا: أنباء عن إطلاق الأسد سراح العشرات من عناصر تنظيم الدولة بدرعا

وقال شهاب الدين لـ"عربي21" إن نظام الأسد، بتطبيقه أحكام الأشخاص المفقودين من المدنيين على العسكريين منذ اندلاع الثورة، إنما هو يتهرب من المطالبات الدائمة بالكشف عن مصير القتلى من العسكريين والشرطة وتحديدا من الطائفة "العلوية" التي ينحدر منها الأسد، بإغلاق هذا الملف، واعتبارهم في عداد الموتى.

ووفق شهاب الدين، فإن نظام الأسد تعمّد في كثير من الحالات عدم تسليم جثث قتلى قواته إلى ذويهم، وذلك خشية من الغضب الشعبي، وخصوصا القتلى من أبناء طائفته العلوية، وذلك خشية من انقلابهم عليه.

ويشاطره الرأي حقوقي سوري آخر، قائلا لـ"عربي21" إن "النظام، وخصوصا في العامين 2014 و2015، كان يتبع أسلوب امتصاص الصدمة مع حاضنته الشعبية، نظرا لارتفاع حصيلة القتلى في صفوف قواته في حينها، حيث كانت المعارك مع المعارضة تدور على كامل الجغرافيا السورية تقريبا".

وأضاف، مفضلا عدم الكشف عن اسمه، أنه "غالبا ما كان يتخلص النظام من جثث قتلى قواته بطريقة ما، ويوهم الأهالي بأن هؤلاء ما زالوا على قيد الحياة، لكن مصيرهم غير معروف، حيث يشير بشكل غير مباشر إلى احتمال وقوعهم أسرى بيد المعارضة".

وأشار في هذا الخصوص، إلى تجاهل إعلام النظام الحديث عن القتلى من الطائفة العلوية، لتجنب إثارة المزيد من الغضب في أوساط طائفته، مقابل التركيز على القتلى من السنّة والطوائف الأخرى، وذلك لكسب تأييد الأخيرة، وإظهار دعمها للنظام.

استرضاء للموالين

وتغيب الأرقام الرسمية التي تحصي عدد قتلى قوات النظام من العسكريين والمتطوعين في المليشيات المحلية، غير أن التقديرات غير الرسمية التي اطلعت عليها "عربي21" تقدر العدد الكلي للقتلى (جيش، شرطة) بنحو 125 ألف.

ويعود غياب الأرقام الدقيقة، وفقا لمراقبين إلى تعتيم النظام على أرقام الخسائر البشرية في صفوف قواته، كما هو الحال مع أرقام البطالة والفقر.

وبالعودة إلى المرسوم الأخير، أوضح الحقوقي أن المرسوم الأخير يعتبر أن كل مفقود مضى على فقدانه أربع سنوات، ميت، وعلّق بقوله: "قد يكون وقع الخبر الآن بعد مضي كل تلك الفترة أسهل على ذوي القتلى، خصوصا أن ذلك يترافق مع البدء بتقديم المعاشات والتعويضات المالية".

وتابع بقوله: "من الواضح أن المرسوم برمته، هو استرضاء للموالين، وذلك على خلفية أنباء تشير إلى ارتفاع منسوب الغضب بين أوساط الطائفة العلوية، بسبب كثرة أعداد القتلى من الشباب، حيث تشير إحصائية إلى مقتل ثلث العسكريين من أبناء الطائفة العلوية، منذ اندلاع الثورة السورية".

ما علاقة روسيا؟

ويبدو واضحا، من وجهة نظر القاضي خالد شهاب الدين، أن لروسيا يدا في إصدار هذا المرسوم، وقال: "تعتقد روسيا أن الحل السياسي بات قريبا، ولذلك فهي تعطي أوامرها لإغلاق الملفات العالقة تباعا، وذلك لتهيئة المناخ لتطبيق شروط الحل السياسي دون شوائب".

وقال إن "النظام تخلص سابقا من ملف معتقلي الرأي في سجونه، حين أصدر الآلاف من شهادات الوفاة، والآن جاء الدور على ملف المفقودين العسكريين".

ولفت شهاب الدين، إلى أن إصدار الأحكام المتعلقة بالمفقودين من مدنيين وعسكريين، يتطلب وجود قضاء عادل وغير مسيّس، ما يعني أن التحقيق بكل هذه الوقائع سيكون هامشيا، وسيتم إصدار وثائق الوفاة وفق توجيهات موسكو ودمشق.

وقال: "معلوم مدى تغوّل السلطة التنفيذية في سوريا، وعدم الفصل بينها وبين السلطة القضائية، حيث تقود السلطة التنفيذيةالتي تتعامل مع البلاد على أنها مزرعة خاصة يمتلكها النظام"، وفق قوله.

ومنذ منتصف العام الماضي 2018، بدأ النظام السوري بإرسال قوائم المعتقلين (قوائم الموت) الذين قضوا تعذيبا داخل سجونه السرية إلى دوائر السجل المدني في المدن والبلدات السورية، حيث وصل عدد القتلى إلى ما يزيد على 8 آلاف، من قرابة 14 ألفا قتلوا تحت التعذيب منذ بداية الثورة السورية في العام 2011، وفق إحصائيات حقوقية معارضة.

من جانبه، ألمح الخبير الاقتصادي، والمفتش المالي المنشق عن النظام، منذر محمد، إلى رغبة روسيا في التخلص من كل الملفات الإشكالية التي تعرقل بدء مرحلة إعادة الإعمار، وتحديدا المتعلقة منها بملف المعتقلين والمفقودين، الملف الذي يحظى باهتمام أوروبي، على وجه التحديد.

وتساءل خلال حديثه لـ"عربي21" عن أسباب تزامن هذا المرسوم، مع البدء بالجولة الـ13 من مباحثات أستانا، وكذلك مع صفقة لتبادل الأسرى بين المعارضة والنظام.

وقال محمد: "روسيا تتعمد تحريك هذه الملفات، والانتهاء منها، لأنها ترى في ذلك بداية للحل السياسي في سوريا، وهي تعمل في اتجاهين معا لفرض ذلك، فمن جهة تواصل ارتكاب المجازر في شمال غرب سوريا وتهدد باجتياح إدلب، لدفع المعارضة على القبول بشروطها للحل، ومن جهة تعمل على حل الملفات الإشكالية وعلى رأسها ملف المعتقلين والمفقودين".