مقالات مختارة

أحزان حرية الصحافة

1300x600

يحتفل العالم في الثالث من مايو من كل سنة باليوم العالمي لحرية الصحافة، وعادة ما يكون هذا اليوم فرصة لتقييم الذات والوقوف على أهم الإنجازات وأهم المشاكل والعراقيل والتصفيات الجسدية وغيرها التي يتعرض لها الصحفيون في مختلف دول العالم. مراجعة الذات هنا تستوقفنا عن أهم الإنجازات وهل تغيرت دار لقمان أم بقيت على حالها أم أنها زادت سوءا وتدهورا.

 

تجدر الإشارة هنا أن دراسات عديدة أكدت في نتائجها أن الصحفي يعمل في المعدل أكثر من 50 ساعة في الأسبوع وبعض الأحيان يصل عدد الساعات إلى أكثر من 60 ساعة. الصحفي إذا هو مرآة المجتمع وهو شاهد عيان يومي لما يجري وما يحدث في المجتمع في العلن أو في الخفاء أو في الكواليس. الصحفي أو القائم بالاتصال مطالب في المجتمع بالتأريخ اليومي لمجريات الأحداث والأمور، مطالب بالوقوف عند كل كبيرة وصغيرة، مطالب بكشف الحقائق وإبراز الإيجابيات والسلبيات وخاصة التركيز على السلبيات، لأن السلبيات هي التي تضر بالمجتمع وخاصة بالمحرومين والمهمشين. الصحفي هو حلقة الوصل بين الحاكم والمحكوم بين المشّرع والمنفذ، بين السلطة والشعب وهذا ما يجعل من دوره دورا إستراتيجيا وحساسا في أي مجتمع.


دراسات وتقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم و "مراسلون بلا حدود" والاتحاد العالمي للصحف والمنظمة العالمية للصحفيين وغيرها من المنظمات الحكومية وغير الحكومية تبعث على التشاؤم، والحسرة والحزن العميقين للمشاكل والمتاعب والخطورة التي تكتنف مهنة الصحافة.


ففي كل سنة هناك عشرات الصحفيين يموتون قتلا ويغتالون، ومئات منهم يسجنون، ومئات يحاكمون ومئات يتعرضون لمضايقات ولإهانات هذا لا لشيء إلا لأنهم حاولوا القيام بواجبهم وبرسالتهم على أحسن وجه، حاولوا أن يكشفوا الحقيقة ويحاربوا الرشوة والمحسوبية والوساطة والعمولة وتبييض الأموال وتهريب المخدرات … إلى غير ذلك من الآفات والأمراض التي يدفع ضريبتها وفاتورتها الغالبية العظمى ممن لا حول لهم ولا قوة.


المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد على حرية الرأي والتعبير لكن في معظم دول العالم "مافيا " المال والسياسة لا تؤمن بهذا المبدأ وبهذا الحق، وأصبح من يملك المال والنفوذ والسلطة له حق التعبير والرأي أما باقي شرائح المجتمع فتكتفي باستهلاك ما يقدم إليها بدون مساءلة و لا استفسار.


إخبار الرأي العام وإيجاد سوق حرة للأفكار أصبحت من المهام الصعبة في معظم دول العالم.
والقائم بالاتصال يجد نفسه في هذه المعادلة بين المطرقة والسندان، فهو أخلاقيا ومهنيا وعمليا مطالب بإعلام وإخبار الرأي العام ومن جهة أخرى يجد نفسه تحت ضغوط لا ترحم ولا تشفق لإرضاء أصحاب النفوذ والمال وأصحاب السلطة.


السؤال الذي يطرح نفسه هنا وخاصة بالنسبة لنا في الوطن العربي وأمام كل هذه المهام والمسؤوليات هل يتمتع الصحفي في دولنا العربية بالحصانة الكافية؟ هل يتمتع بحماية قانونية وبتشريعات تحميه من جبروت السلطة والمال؟ هل ظروف عمل الصحفي في دولنا مهيأة ومواتية للقيام بالعمل الصحفي على أحسن وجه، ماذا بالنسبة للرضا عن العمل والعلاقة بمصادر الأخبار؟ ماذا عن الراتب؟ والحوافز و الامتيازات؟ هل في نهاية الأمر نطلب من الصحفي الكثير ونقدم له القليل.
في الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة يجب علينا كعرب أن نتوقف لحظة من الوقت ونحاول أن نجيب على هذه التساؤلات وغيرها، أما الجهات المؤهلة للإجابة على هذه الأسئلة فهي وزارات الإعلام والثقافة ووزارات الداخلية والهيئات التشريعية والقضائية.


مع الأسف الشديد وفي معظم الدول العربية مازال ينظر للصحافة - والمقصود بالصحافة هنا المهنة بصفة عامة سواء بالنسبة للإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة المطبوعة من جرائد ومجلات ودوريات - على أنها وسيلة في يد السلطة تتصرف فيها كما تشاء ووفق خطها السياسي والمسار الذي تحدده لها. وهكذا بدلا من أن تكون الصحافة في الوطن العربي نعمة للشعوب وللرأي العام جاءت نقمة وعلة تزيّف الواقع وتلمّع كل ما تقبل عليه.


فلماذا يا ترى في الوطن العربي لا نجعل من المؤسسة الإعلامية مؤسسة مسؤولة وحرة ولا نثق فيها، ولا نعطيها الإمكانيات اللازمة حتى تلعب دورها الإستراتيجي والفعال في المجتمع، لماذا ننظر دائما للمؤسسة الإعلامية على أنها خطر وبإمكانها أن تسبب مشاكل عديدة ومتنوعة للسلطة؟ لماذا لا نثق في الصحفي ونتركه عند ضميره يقوم بمهمة الإعلام والإخبار والتحقيق والكشف عن المساوئ والتناقضات والأمراض الاجتماعية بمختلف أنواعها وأشكالها ومهما كان صاحبها ومصدرها، بكل حرية ومسؤولية وشجاعة.


ينعم الصحفي في أي مجتمع بمكانة مرموقة وإستراتيجية يحسد عليها بحيث يستطيع أن يصل إلى الرأي العام بكل سهولة وبسرعة فائقة كما يستطيع أن يصل إلى صاحب القرار ومصدر الخبر وأي إدارة أو مؤسسة في المجتمع دون عناء، هذه الامتيازات بطبيعة الحال تقابلها مسؤولية كبيرة يجب أن يتحلى بها القائم بالاتصال ويضع في ذهنه أنه مسؤول على كشف الحقائق ومحاربة الفساد والرشوة.


وفي الدول النامية تبرز أهمية المؤسسة الإعلامية ومسؤوليتها الاجتماعية أكثر من أي مجتمع آخر وهذا نظرا للدور الإستراتيجي والفعال الذي تلعبه وسائل الاتصال الجماهيري في مجتمعات بحاجة إلى تعليم وتوعية صحية وبيئية وسياسية وغيرها من المهام الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة والخروج من التخلف والفقر والجهل وغير ذلك من المشاكل العديدة والمتنوعة في مثل هذه الدول.

 

عن صحيفة الشرق القطرية