بورتريه

البرهان أمام طريقين: سوار الذهب أو البشير

بورتريه عبد الفتاح البرهان - علاء اللقطة

يقع على طريق تتضارب فيه المصالح بين الدول العربية والإقليمية، أو كأنه نصب خيمته وسط صحراء تعبرها القوافل والخيول التي تخلف وراءها الغبار والفوضى.


منذ الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير فإن المجلس العسكري الانتقالي يبدو في وضع مربك وشائك، فهو يتلقى رسائل التأييد والغزل الصريح من دول عربية لا تلتقي مصالحها معا.


قاد البشير السودان نحو 30 عاما لعب مع/ ولعب على الجميع، أما خليفته، وزير الدفاع ونائبه أحمد عوض بن عوف، فقد قاد البلاد لحوالي 30 ساعة تنحى بعدها عن منصبه رئيسا للمجلس العسكري الحاكم، بعد قيادة انقلاب ضد البشير، وسارع إلى تعيين جنرال آخر بديلا عنه، هو عبدالفتاح عبدالرحمن البرهان.


الحاكم الفعلي الحالي في السودان، الفريق البرهان، ينظر إليه بوصفه عسكريا لم ينغمس في السياسة، ويصفه رفاق الجندية بأنه "مهني".


لا يميل إلى ما يسمى "الإسلام السياسي" وربما جماعة "الإخوان المسلمين" فهو من أسرة دينية تدين بالولاء للطريقة "الختمية" وهي إحدى الطرق الصوفية في السودان، المقربة من حزب "الاتحادي الديمقراطي"، و"الصوفية" في الوطن العربي عادة ما يقفون مع القوي.

 

يقول عسكريون خدموا معه إنه "صارم" وجندي "متمرس" في التزامه العسكري، وليست لديه أي توجهات فكرية واضحة، فهو لم يختبر سوى الحياة العسكرية.


ولم يعرف عنه أنه كان على علاقة بحزب "المؤتمر الوطني"، الحزب الحاكم في البلاد منذ انقلاب عام 1989 برئاسة البشير.


عبد الفتاح البرهان، المولود في عام 1960 في قرية قندتو بولاية نهر النيل شمال السودان، خريج الكلية الحربية، عمل مباشرة بعد تخرجه ضمن وحدات الجيش السوداني وشارك في جبهات القتال في حرب دارفور وفي جنوب السودان ومناطق أخرى، وهي فترة إشكالية غامضة، كما أنه قضى فترة من حياته المهنية كملحق عسكري في العاصمة الصينية بكين.


التحق البرهان بدورات تدريبية في المجال العسكري في مصر والأردن أهلته فيما بعد لموقع قائد القوات البرية للجيش السوداني. ومع انطلاق عمليات "عاصفة الحزم" التي أطلقها "التحالف العربي" بقيادة السعودية في اليمن كلفه البشير بالإشراف على القوات السودانية بالتنسيق مع قائد قوات الدعم السريع  محمد حمدان دقلو الشهير باسم"حميدتي".


وتقول مؤلفة كتاب "الانتفاضات المدنية في السودان الحديث" أستاذة التاريخ في جامعة "نيوكاسل" ويلو بيردج، إنه بموجب توليه الملف اليمني، عمل البرهان عن قرب مع قائد قوات الدعم السريع السودانية "حميدتي"، وتؤكد أن دعم هذه المجموعة أوصله الآن إلى السلطة، على ما يبدو.


وأضافت أن دور قوات الدعم السريع التي يصفها كثيرون بأنها نسخة معدّلة لـ"مليشيات الجنجويد" في دارفور، في التحرك الأخير "سيثير ريبة الكثيرين".


واندلع النزاع في دارفور في العام 2003 عندما حمل متمردون السلاح ضد حكومة الخرطوم، متهمين إياها بتهميش المنطقة اقتصاديا وسياسيا. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 300 ألف شخص قتلوا في النزاع بينما نزح الملايين.


وفي خضم التحرك الشعبي السوداني الأخير نقل الرئيس البشير، البرهان من موقعه كقائد للقوات البرية، وعينه بمنصب المفتش العام للجيش في محاولة منه لإعادة ترتيب أوراق النظام، أمام تصاعد الحركة الاحتجاجية ضد حكمه.


وتقول تقارير إعلامية إن البرهان كان واحدا من ثلاثة أبلغوا البشير بعزله من رئاسة البلاد، وكانت التكهنات تشير إلى أن البرهان هو من سيلقي بيان عزل البشير من منصبه بعد أن كان أول الواصلين إلى مقر الإذاعة والتلفزيون السوداني، لكن ابن عوف هو من قرأ البيان.


البرهان عمد منذ بدايات تسميته رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي  إلى التحدث إلى المتظاهرين الذين اعتصموا خارج مقر القيادة العامة للجيش، والتقى في هذا السياق الأحزاب السياسية، ودعاها إلى التوافق على "حكومة مدنية" ترأسها شخصية مستقلة.


وتعهد البرهان بـ"الاجتثاث الكامل لكل مكونات النظام ورموزه"، وأصدر قرارا بتعيين أعضاء المجلس العسكري على أن ينوب عنه قائد قوات الدعم السريع  "حميدتي".


وعلى ضوء هذه التطورات استقال مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الفريق صلاح قوش، من منصبه، بعد ساعات من استقالة وزير الدفاع ابن عوف، فكان السقوط الثالث لرموز النظام.


ويرى مختصون في الشأن السوداني أنه من الصعب أو ربما من المستحيل أن يلجأ الجيش إلى العنف مع المحتجين؛ لأنه سبق أن أعلن قبل تنحي البشير عدم استعمال العنف من أجل الحفاظ على الأرواح.


ويستبعد كثيرون تكرار السيناريو المصري في السودان بعد سيطرة الجيش على الحكم في القاهرة، ويتوقعون أن يبقى الجيش بعيدا عن الحياة المدنية، دون أن يبتعد كثيرا عن المشهد، فمعظم قادة الجيش حاليا هم من رفاق البشير، ومن الذين شاركوا في حرب دارفور المثيرة للجدل في الغرب.


ولا يتوقع أن يصطدموا مع أي تيار سياسي في البلاد، ولن يعمدوا إلى إقصاء أي طرف، فالتجربة المصرية قاتمة وقاحلة ودموية، وربما تحاول أطراف عربية جذب العسكر في السودان إلى جانبها، لكنه سيكون تدخلا محفوفا بالمخاطر..

فالعملية الانتقالية في السودان لن تكون خيارا سودانيا بحتا فالبلاد ستشهد سعي أطراف فاعلة خارجية للتأثير فيها بطريقة تدعم مصالح تلك الأطراف. 


ومع أن الحكومات الغربية دعت السودان إلى التحول إلى الديمقراطية وتسليم السلطة إلى المدنيين بعد إقالة البشير، فإنه لم يكن مفاجئا أن مصر والسعودية والإمارات سرعان ما أعربت عن دعمها للجيش السوداني.


كان ثمة قلق في بعض العواصم العربية بشأن العلاقات المتنامية بين الخرطوم وتركيا وقطر في السنوات الأخيرة. ومع فشل الدول التي تقاطع قطر في استمالة السودان إليها منذ اندلاع أزمة مجلس التعاون الخليجي في منتصف عام 2017، فقد أوضحت الخرطوم حرصها على الحفاظ على علاقات دافئة مع جميع دول شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك قطر..


فهل تمارس تلك الدول نوعا من الضغط على الخرطوم لتبتعد عن الدوحة وأنقرة ومن بينها الضغط باتجاه إنهاء استخدام تركيا جزيرة "سواكن" موطئ قدم عسكريا لها في البحر الأحمر؟


وتشعر عواصم عربية كثيرة بقلق بالغ من أن الأحداث في السودان قد تشعل نسخة ثانية من الربيع العربي في أنحاء المنطقة، مثلما تسببت ثورات الربيع العربي في شمال أفريقيا في اضطرابات واسعة في العام 2011، أدت إلى سقوط زعماء عرب في مصر وتونس واليمن.


هل يوحي صعود برهان بابتعاد النظام السوداني عن قطر وتركيا، اللتين ترتبط كل منهما بعلاقات مع "الإخوان المسلمين" في المنطقة، وبتكرار لتجربة الجنرال خليفة حفتر في ليبيا؟


حتى اللحظة لم ترشح معلومات كافية عن توجه البرهان الخارجي، ويبدو أنه يحاول أن يبقي علاقته مع جميع دول المنطقة على "مسافة واحدة"، لكن المجلس العسكري قد يجد نفسه في مأزق، في ظل سعي أطراف إقليمية هامة لجذبه إلى صفها.


ويرى مراقبون في "حيادية" البرهان مؤشرا على نجاحه في مهمته الصعبة والمعقدة، لكنها مهمة محفوفة بالمخاطر قد لا تسمح له بأن يكون رجل المرحلة أو "زول المرحلة" بحسب التعبير السوداني، التي تحتاج إلى شخصية ذات قدرات خاصة، فميزات الرجل العسكرية ليست كافية لقيادة البلاد.


التنبؤ بما يفكر به المجلس العسكري لا تزال في مرحلة الحدس والانطباعات، فالسودان مر بانقلابين أحدهما قاده عبدالرحمن سوار الذهب وتنازل عن السلطة بعد عام فدخل التاريخ، والآخر قادة البشير وتمسك بالسلطة حتى الرمق الأخير.