ملفات وتقارير

بعد أن سوته بالأرض... السعودية تضخ استثمارات بحي شيعي

سُوي الحي القديم ببلدة العوامية والتي كانت يوما مركز احتجاجات الأقلية الشيعية بالأرض في 2017- واس

سُوي الحي القديم ببلدة العوامية في شرق السعودية المنتج للنفط، والتي كانت يوما مركز احتجاجات الأقلية الشيعية، بالأرض في 2017 بعد حملة أمنية ضد مسلحين تقول السلطات إن لهم صلات بإيران.

 

وحل مجمع تجاري وقاعة مناسبات ومتنزهات واسعة تتناثر فيها أشجار النخيل محل الأزقة والبيوت المصنوعة من الطوب اللبن، التي كان "المتشددون" يستخدمونها على مدى سنوات لشن هجمات مباغتة على الشرطة.


وتأمل حكومة الرياض في أن يؤدي ضخ الاستثمارات في منطقة القطيف بوجه عام بعد عقود من مزاعم الإهمال إلى تهدئة العنف.


وتمثل هذه المساعي اختبارا لسياسات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تبنى نهجا تصالحيا تجاه الأقلية الشيعية في المملكة، في الوقت الذي يواجه فيه إيران في صراع مستمر منذ عقود على النفوذ في الشرق الأوسط.

 

وكثيرا ما اشتكى الشيعة من التمييز الذي يقولون إنه يحول دون توليهم مناصب مهمة في الحكومة، ويقلص الاستثمار الحكومي في مناطقهم ويؤدي لإغلاق دور العبادة الخاصة بهم.


وسحقت قوات الأمن مرارا احتجاجات حاشدة في القطيف، بدءا من انتفاضة استلهمت الثورة الإسلامية الإيرانية في العام ذاته. وفي ذلك الوقت، دمر حي آخر في العوامية وتحول بعد ذلك إلى مرأب للسيارات.


وفي 2011، أججت احتجاجات الربيع العربي بدول عربية أخرى الاشتباكات في القطيف وأدت في نهاية المطاف إلى تدمير حي في العوامية يعرف باسم المسورة.


وأنفقت الحكومة أكثر من 60 مليون دولار لإعادة بناء حي المسورة الممتد على مساحة 45 فدانا و230 مليونا أخرى لتعويض السكان عن مئات المنازل التي سويت بالأرض. ويجري ضخ الكثير من الأموال لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات ومراكز التسوق والشواطئ وكذلك سوق الأسماك وحصن قديم.


وقال أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد بن محمد الجبير إنه واثق من أن السكان سيسعدون بمبادرة الحكومة.


وأضاف "بوسعك أن ترى كيف غيّرنا هذه المنطقة، وهذا تحدٍ (من حيث) الوقت، تحدي تغيير وكر إرهاب إلى منطقة ثقافية. (إنه) جيد جدا وجاهز لاستقبال السياح، جاهز لأي شخص (من الزوار) كمركز ثقافي، مزود بمكتبة وسوق وبيوت تقليدية. لذلك نحن هنا، تكلف 239 مليون ريال سعودي (حوالي 60 مليون دولار) على مساحة تقدر بنحو 180 ألف متر مربع".


وقال مدير المشروع إن المصممين تشاوروا مع السكان المحليين للحفاظ على النظام المعماري التاريخي للمنطقة وسط مخاوف بشأن تدمير مبان عمرها قرون في منطقة نادرا ما يتم المحافظة على التراث فيها.


وأضاف حسام الصمادي، مدير مشروع المسورة "المصمم أخذ بعين الاعتبار العناصر الرئيسية في المكونات الأساسية زي الشبابيك، الأبواب، المداخن، المساحات. وراعينا المواد أنها تكون مواد قريبة جدا من المواد اللي كانت مستخدمة أساسا، المواد القديمة أو الشعبية. الأخشاب المستخدمة في المشروع كلها أخشاب طبيعية تحاكي برضه (أيضا) الأبواب والشبابيك، كلها تحاكي الطابع الشعبي والتقليدي للمنطقة".

 

ونال الأمير محمد استحسان الغرب بسبب إصلاحات اجتماعية واقتصادية تشمل الالتزام بنهج إسلامي أكثر اعتدالا من الفكر الوهابي، الذي تعرض كثيرا لانتقادات بوصفه فكر المتطرفين الإسلاميين في أنحاء العالم.


لكن الإصلاحات صاحبتها حملة ضد المعارضة وعملية تطهير لكبار الأمراء ورجال الأعمال بتهم الفساد.

 

وزاد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر  الماضي الشكوك في مدى جدية ولي العهد تجاه التغيير الحقيقي.


ويقول دبلوماسيون ومحللون غربيون إنه بعد عقود من القمع، ستستغرق أي محاولة لرأب الصدع الطائفي وقتا طويلا ومن المرجح أن تقابل بتشكك من الشيعة.

 

وقال توبي ماثيسن الباحث بقسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة كمبردج "إذا كانت الحكومة تلاحق أشخاصا مثل خاشقجي والنخبة من رجال الأعمال بهذه الطريقة القاسية، فتخيل كيف ستلاحق بعض الشيعة الذين يثيرون مشاكل".

ومنذ أصبح وزيرا للدفاع في 2015، اتخذ ولي العهد موقفا أكثر صرامة من إيران، فشن حربا على حركة الحوثي المتحالفة مع طهران وقطع العلاقات مع قطر لأسباب منها اتهامات بالتقرب من الجمهورية الإسلامية.


وحاول الأمير محمد أن يفصل ذلك عن الاضطرابات الداخلية، قائلا لمجلة أمريكية العام الماضي إن مشكلة الرياض مع فكر النظام الإيراني وليس الشيعة. لكن منتقدين يقولون إن أساليب الحكومة المتشددة لم تتغير.


وقد عبر أهل العوامية وحي المسورة، الذي سُمي حاليا وسط العوامية، عن سعادتهم بما جرى من تطوير. وقال منير النمر، أحد سكان العوامية "شتان ما بين الحياة في ديك (تلك) الفترة (فترة الأحداث الأمنية)، تكون أنت قلق أساسا في الساعة اثنين من الليل تسمع أصوات رصاص إلى آخره، تكون في قلق، أنت قلق مع أسرتك، مع أطفالك إلى آخره. الآن الوضع لا يقارن، يعني الآن الأهالي جميعا يشكرون الدولة ويشكرون القيادة الرشيدة على تسوية هدا الموضوع".


ويواجه خمسة من نشطاء حقوق الإنسان من القطيف، بينهم امرأة، عقوبة الإعدام في محاكمة نددت بها الأمم المتحدة وجماعات حقوقية.

 

"شعور بالإحباط والإنهاك"

 

على مشارف حي المسورة، الذي أصبح اسمه وسط العوامية، تتمركز مركبة عسكرية تعيد للأذهان معارك الشوارع التي تركت بصماتها على المباني المليئة بآثار طلقات الرصاص.


وقبل يوم من زيارة رويترز للحي في جولة إعلامية نظمتها الحكومة الأسبوع الماضي، قتل ستة في عملية أمنية في منطقة أخرى بالقطيف، الأمر الذي أثار مخاوف من أن المتشددين الذين يتم سحقهم في منطقة سيعاودون الظهور في مناطق أخرى.


وعبر فهد الجبير أمين المنطقة الشرقية عن ثقته في أن السكان سيتبنون مبادرة الحكومة.


وقال الجبير "أتوقع أن يكون (للمبادرة) تأثير السحر في تغيير المنطقة من مأوى للإرهابيين إلى منارة للحضارة". وعبر عن أمله في أن تختفي كل آثار العنف "قريبا جدا".


وقال مدير أحد المشاريع إن المصممين تشاورا مع السكان لإعادة بناء المباني التاريخية بشكل دقيق في ظل مخاوف بشأن هدم مبان تعود لقرون في منطقة يعتبر الحفاظ فيها على التراث أمر نادر.


واختفت الأزقة التي لم تكن تسمح بمرور السيارات وحل محلها مساحات خضراء واسعة.


وقال ماثيسن، الباحث الذي ألف كتابا عن الطائفية في الخليج، إنه حتى لو كان السكان غير راضين فمن غير المرجح أن يُظهروا مقاومة في ظل تزايد القمع.


وأضاف "هذا لا يعني أن الأمور تسير على ما يرام بشكل ما أو أن هذا نهج جديد تجاه الشيعة. هناك شعور عام بالإحباط والإنهاك".

 

اقرأ أيضا: هكذا قرأ "هندرسون" العملية الأمنية السعودية بالقطيف