كتاب عربي 21

عار في سوريا ومجد في فلسطين

1300x600

تجمّعت علينا الأحزان والشعور بالفخر في أيام واحدة بين عار ممتد في سوريا، ومجد لا يزال أهلنا في فلسطين يسطرون صفحاته على مدار 70 سنة دون كلل أو ملل، مدفوعين بحقهم في التحرير والعيش بكرامة كسائر شعوب الأرض، رغم تواطؤ القوى الكبرى والإقليمية ضدهم.


منذ يومين ارتقى العشرات في دوما السورية عقب هجوم جديد من نظام السفاح بشار الأسد بالأسلحة الكيميائية، وإجرام نظام "الممانعة" ليس جديدا على الأسد الذي قتل مئات الآلاف من أجل بقائه في منصبه، ولا يزال الشعب السوري يعاني منذ سبع سنوات لنيل خلاصه، وتقف العراقيل من القوى الدولية والإقليمية لمنع حل واحدة من أبشع معضلات القرن الحادي والعشرين الأخلاقية، التي كشفت زيف ادعاءات كاذبة عن "الأسرة الدولية" و"قيم الديمقراطية" وغير ذلك من الشعارات البراقة والكاذبة.


تجري المذابح في سوريا، ويغمض الكل أعينهم عنها، لأنها لم تمس رجلا غربيا، بل ماذا سيخسر العالم "المتحضر" إذا فَنِي الشرقيون كلهم إلا زمرة من الخدم؟ بل تشترك أطراف محلية وإقليمية ودولية في إبقاء الوضع على ما هو عليه، أو تعويقه لتحقيق مكاسب ذاتية دون اعتبار لوجود أرواح تُزهق بسبب هذا الانحطاط والاندفاع للمصلحة الشخصية، سواء كانت هذه المصلحة لمجرد محاربة فكرة الثورات أساسا كما تفعل الإمارات والسعودية والنظام المصري الحالي، أو وجود موطئ قدم في المنطقة كروسيا، أو الحفاظ على نظام تابع وحليف كتبعية النظام السوري لإيران، أو غير ذلك من أوجه المصلحة الدنيئة والمنحطة، التي أصابت كل الأطراف بالعار.


على امتداد الساحل السوري باتجاه الجنوب، يقوم أهل غزة -المدينة المحاصرة من العدو والشقيق- بكتابة صفحة جديدة من صفحات المقاومة ضد العدو المحتل لكل الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948، في مسيرات العودة التي اندلعت أول مرة عقب ثورات الربيع العربي 2011، وتحدد لها تاريخ ذكرى النكبة الفلسطينية الكبرى 15 أيار/مايو، لكنها تأتي هذا العام ممتدة لستة أسابيع لتوجع الاحتلال الإسرائيلي بحق، ولتوجّه رسالة لدول الانبطاح بأن تنازلاتكم لترامب عما يُسمى بصفقة القرن لن تتجاوز الحبر على الورق ولن يلتزم بها سوى موقِّعوها.


تحفّزت دولة الاحتلال ضد التظاهرات فأعلن رئيس أركان الاحتلال عن نشر 100 قناص معظمهم من القوات الخاصة ومصرح لهم باستخدام الذخيرة الحية "إذا شعروا بالخطر"، وأكد أن "الأوامر تقضي باستخدام الكثير من القوة"، واستشهد إثر ذلك 18 فلسطينيا في الجمعة الأولى للتظاهرات، فأبدع الفلسطينيون في المقاومة فكرة "الجدار الناري" الذي يعيق دُخَانُه رؤية قناصة الاحتلال للمتظاهرين في الجمعة الثانية، واستشهد فيها 9 فلسطينيين.

 

ما يثير قلق الإسرائيليين هو تدفق المتظاهرين على الحدود، وصرّح الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، والقائد السابق لشعبة التخطيط الإسرائيلية، غيورا آيلاند لموقع "إسرائيل اليوم" في الرابع من نيسان/أبريل الجاري: "لا يوجد لدي إجابة إذا حاول 300 ألف شخص إسقاط السياج ودخول إسرائيل، مع أعداد صغيرة، لنقل بضعة آلاف، بإمكانك الإمساك بهم، صدهم، إطعامهم، إعطاؤهم زهورا وإرسالهم إلى البيت. إذا كانت هناك عشرات الآلاف وأكثر، لا توجد لدي إجابة جيدة. لا أعرف عن وسائل لتفريق حشود يمكن أن تكون مفيدة وفعالة في ظروف كهذه، لا يسعني إلا أن أتمنى أن الجيش الإسرائيلي يجري تقييما ويعمل على إيجاد حل لمشكلة قد تكون أكبر بعشر مرات.


(...) وعندها يمكن أن ينتشر ذلك إلى لبنان، سيكون من الأسهل على حزب الله تنظيم ذلك؛ إن المسافة من الحدود إلى المناطق السكنية في إسرائيل تصل أحيانا إلى 300 مترا، والآن هناك أيضا بعض الاحتكاك المتزايد في الضفة الغربية بسبب القتلى، لقد سمحنا بحدوث ذلك.


نحن نعتمد أكثر من اللازم على قوة الردع الإسرائيلية، ولكنك بحاجة إلى جزرة وعصا، كانت أمامنا فترة ثلاث سنوات لابتكار جزرة، مع الاتفاق الفعلي للحكومة الإسرائيلية بالسماح للمجتمع الدولي بإعادة تأهيل غزة وبناء منازل ومحطات تحلية.


كان سيكون لدى حكومة حماس الكثير لتخسره، اليوم لا يوجد لديهم ما يخسرونه. قبل ثلاث سنوات انفجر الصراع الكبير الأخير لأنه لم يكن لديهم ما يخسرونه، لقد انفجر لأن محمود عباس توقف عن دفع الرواتب لمسؤولي السلطة الفلسطينية ومسؤولي حماس في غزة، الأمر نفسه يحدث الآن، إن قوة الردع الإسرائيلية غير كافية، لقد تصرفنا بصورة تصب في مصلحتهم. أنا صامت لأن ذلك يبدو قاتما ومقلقا للغاية".


هذا التصور الذي يطرحه الجنرال الإسرائيلي السابق وتخوفاته من تزايد الحشود يشبه التخوفات التي ترافقت مع مسيرات 2011، ولكن الوضع تغير خلال تلك السنوات، فوفقا لتقارير إسرائيلية سافر وفد أمني مصري وتوقّع وصول وفد آخر سعودي لمقابلة مسؤولين من حماس لوقف التظاهرات لا لدعمها، ولمساومة الفلسطينيين على المطالبة بوقف التظاهرات مقابل فتح معبر رفح، والمفترض أن يكون فتح المعبر لا يحتاج لمساومات، والمشاركة في الجرائم الدولية يُفترض أن يصيب صاحبه بالخزي لا أن يفاوض عليه، لكن الأوضاع بالفعل تغيرت بصورة جذرية عما جرى قبل سبع سنوات، وسُنة التاريخ أن دوام الحال من المحال، والتغير الذي جرى قبل سبع سنوات يمكن أن يعود بصورة أخرى تمحق نظم الاستبداد والانبطاح.


إن ما يجري من ترتيبات إقليمية لن يبقى أثره في المنطقة بل سيتجاوزها لإعادة ترتيب النظام العالمي بشكل جديد، ولو خرجت الأمور عن سيطرة الأطراف الممسكين بالمشهد، فربما لا يكون تصور انهيار أسس النظام الدولي كله مبالغا فيه.