صحافة دولية

الغارديان: المعارضة لم تعد قادرة على هزيمة الأسد.. ولكن

الغارديان: من المتوقع تواصل خروج سكان الغوطة حتى نهاية الأسبوع- جيتي

كتب مراسلو صحيفة "الغارديان" جوليان بورغر في واشنطن وكريم شاهين في اسطنبول، ومراسلها في الشرق الأوسط مارتن شولوف، تقريرا عن الحصار المفروض على الغوطة الشرقية، التي باتت على حافة الانهيار، وأوشكت على الوقوع تحت سيطرة النظام التابع لنظام الأسد

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن نحو 15 ألف شخص فروا من منطقة المعارضة، بعد ثلاثة أسابيع من القصف الوحشي، وسبع سنوات من الحصار، عقب سلسلة من الاحتجاجات السلمية، التي أدت إلى تمرد على مستوى البلد وحرب مدمرة. 

ويقول المراسلون إن حوالي 15 ألفا فروا من بلدة الحمورية، بحلول ليلة الثلاثاء للمناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، وساعد على إجلائهم الروس وقوات النظام، التي تحاصر المنطقة طوال الأزمة، في وقت تتلاشى فيه مقاومتهم مع حلول الذكرى السابعة للثورة السورية، التي حلت يوم أمس الخميس، مشيرين إلى أنه تم تقسيم الغوطة بسبب القصف المتواصل إلى ثلاثة أقسام، فيما كان يحاول من بقي في هذه المناطق الحصول على ضمانات لتأمين حياتهم من المسؤولين الروس.

وتقول الصحيفة إنه من المتوقع تواصل الخروج طوال الليل ونهاية الأسبوع، ما يمثل بداية النهاية لواحد من أهم معاقل المقاومة ضد نظام الأسد، بشكل يمنحه وحلفاءه القدرة على السيطرة على معظم العاصمة، لافتة إلى أن احتمالات سقوط الغوطة وضعت المجتمع الدولي أمام تحديات تتعلق بكيفية إطعام وإسكان الذين بقوا في المنطقة، حيث يبلغ عددهم حوالي 400 ألف نسمة. 

ويلفت التقرير إلى أن سوريا أصبحت حرب أرقام، حيث شرد ثلثا السكان الذين كانوا قبل الحرب، فيما قتل أكثر من نصف مليون شخص، وهناك أكثر من 100 ألف في سجون النظام أو اختفوا قسريا، بالإضافة إلى وجود جيل من أطفال الحرب، الذين يواجهون، بحسب وصف الأمم المتحدة، "دمارا نفسيا". 

ويفيد الكتّاب بأن حصيلة القتل في الغوطة الشرقية بحسب التقديرات، وصلت إلى 1500 شخص، معظهم لا تزال جثثهم تحت الأنقاض، حيث تمت تسوية الكثير من الأحياء بسبب القصف العشوائي والوحشي، مشيرين إلى أن عمال الإغاثة طالبوا بالسماح لهم بتوصيل المواد الغذائية للسكان، الذين تقول روسيا والنظام السوري إنهم تحت قيادة الإرهابيين، و"هؤلاء هم أنفسهم الذين كان النظام يتفاوض معهم لتسوية حول كيفية خروجهم". 

وتنقل الصحيفة عن طبيب في الغوطة، قوله إن الكثير من السكان غير متأكدين مما يجب عليهم عمله، وبأن هناك قلة من السكان يبدو أنها تثق بالضمانات للخروج الآمن من القوات التي تقوم بقصفهم ذاتها، وأضاف: "بصفتنا أطباء فإننا سنواصل العمل، فنحن من المجتمع ولو بقوا فسنبقى هنا، وإن اختاروا الخروج إلى مكان آخر فسنقوم بإعادة تقييم خياراتنا"، وتابع قائلا: "يقومون بالسيطرة على بلدة تلو الأخرى، وكل شيء احترق، وهو دمار منظم، وهو ما يعني هدم المنطقة كلها على رؤوس أهلها، ولا مكان للهروب، والناس خائفون من تعرضهم للذبح". 

ويورد التقرير نقلا عن صحافي في المنطقة، قوله: "اليوم هنا تحركات من المدنيين، يطالبون بضمانات من الأمم المتحدة لخروجهم"، وأضاف أن "الآلاف الذين خرجوا من وسط الغوطة الشرقية فعلوا هذا دون ضمانات، ودون إشراف من أي منظمة تابعة للأمم المتحدة، وهم في مناطق النظام". 

وينقل الكتّاب عن الطالب محمد البدواني، قوله: "ماذا سيحدث غير انتهاكات حقوق الإنسان والتشريد هو أنهم سيعتقلون من هم في سن الخدمة العسكرية، والذين على قائمة المطلوبين، وهذا المشهد يدفعني للبكاء، ونحن بحاجة لمن يقف أمام النظام وروسيا". 

 

وتجد الصحيفة أنه مع أن هجوما مضادا أدى إلى استعادة المقاومة بعض المناطق في الحمورية، إلا أن هناك شعورا بالتسليم في المناطق التي تعد مهمة للمعارضة ضد نظام الأسد، مشيرة إلى أن الاحتجاجات بدات في 15 آذار/ مارس 2011، حيث تكونت قاعدة المتظاهرين من أبناء الطبقة العاملة في البلد. 

وينوه التقرير إلى أن الغوطة الشرقية لا تبعد عن القصر الجمهوري في جبل قاسيون سوى 15 دقيقة، وظلت صامدة على خلاف معاقل الثوار في الزبداني وحمص وحلب، وقصفها النظام في عام 2012، وبعدها كانت مسرحا لهجوم غاز السارين في آب/ أغسطس 2013، لافتا إلى أن سكان الغوطة يخشون من عمليات انتقامية ضدهم لو أجبروا على الخروج لمناطق واقعة تحت سيطرة النظام. 

ويعلق مراسلو الصحيفة قائلين إنه "نظرا للحصانة، التي تمتع بها النظام خلال الحرب، فإن هناك خوفا من الانتقام وعمليات اختفاء، حيث أعاقت روسيا والصين 11 محاولة لفرض عقوبات على سوريا في مجلس الأمن".

وتذكر الصحيفة أن مستشار الأمن القومي الأمريكي أتش آر ماكماستر  حمّل روسيا وإيران مسؤولية القتل في الغوطة، ودعا لدفعهما ثمنا اقتصاديا وسياسيا بسبب دعمهما للأسد، وقال إن المقاتلات الروسية شنت 20 طلعة في اليوم على الغوطة الشرقية، وأضاف في كلمة ألقاها في متحف الهولوكوست التذكاري في واشنطن، إن إيران زودت النظام خلال السنوات الماضية بمساعدات وصلت إلى 16 مليار دولار، بالإضافة إلى نقل المقاتلين الشيعة والأسلحة إلى سوريا، وقال: "حان الوقت لفرض تداعيات سياسية واقتصادية جدية على كل من موسكو وطهران". 

ويبين التقرير أنه في حال سقوط الغوطة الشرقية فإنه لن يبقى في يد المعارضة سوى محافظة إدلب، التي يعيش فيها 2.6 مليون نسمة، منهم مليون مهجر نقلوا من مناطق المعارضة المختلفة في البلد، لافتا إلى أن في إدلب 15 ألفا من المقاتلين الموالين لتنظيم القاعدة ويؤثرون عليها مع أنه جرى طردهم من مناطق عدة. 

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا تحليليا لمراسلها مارتن شولوف، تحت عنوان "مدنيون دون أمل وقائد دون بلد، فهل هذا انتصار؟".

ويقول شولوف في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إن "بداية النهاية في الغوطة جاءت على شكل مجموعات قليلة من النازحين اليائسين والخائفين والجوعى، في آخر حملة من حملات النزوح السوري إلى المجهول، حيث مروا من الشرطة العسكرية الروسية باتجاه القوات الموالية للنظام، التي بدأت بفحص الأسماء".

وتعلق الصحيفة قائلة إن "هذه هي طقوس المهزومين ذاتها التي حدثت في أماكن أخرى من حمص وحلب والقصير وأماكن أخرى من البلد، حيث بدأت أولى معالم التحدي المفتوح تهز النظام الوحشي لبشار الأسد قبل سبع سنوات، وقد مضت سنوات الثورة هذه دون عودة، وحل التسليم محل الترقب، واستبدل الخوف بالأمل". 

ويستدرك الكاتب بأنه رغم أن تظاهرات الشوارع كشفت عن هشاشة النظام، ونظر إليها على أنها عصية على القهر، إلا أنها تحولت الآن إلى أنقاض أمام المعارضة المضروبة والمنقسمة على نفسها، التي خرجت من رحم التظاهرات، فلم تعد قادرة على الانتصار في الحرب. 

ويبين شولوف أنه "لم يبق من الدولة سوى ظلها الذي كانت عليه قبل أن تتحول الثورة إلى تمرد عسكري، ولأن النظام لم يكن قادرا على حماية نفسه بنفسه، فإنه استعان بالروس والإيرانيين، واستطاع استعادة السيطرة وتدمير البلاد في الوقت ذاته، وعقد تحالفات مع فصائل دون علم راعيها". 

 

ويلفت الكاتب إلى أن "بشار الأسد زعم بأنه أعاد السيادة، التي تركته مثل إمبراطور دون عرش، ففي معظم أنحاء سوريا تم استبدال خطوط القتال الواضحة أكثر من مرة مع تطور الحرب إلى نزاع لم يمر مثله منذ 50 عاما، حيث أصبح الجيش الوطني مثل جيش ظل وجماعات جهادية وقوى إقليمية قوية، وقوى كبرى تحاول إعادة تشكيل النزاع لخدمة مصالحها، ومن ينتصر في الحرب فإنه سيكون نصرا فارغا". 

وينوه شولوف إلى أنه في الوقت ذاته فإن السكان تعرضوا للوحشية والخوف، والقتل والشريد، تاركين النظام الدولي، الذي من واجبه منع الدمار الذي حدث، يبدو مشلولا وعاجزا.  

ويذكر الكاتب أنه بالإضافة إلى نصف مليون قتلوا، فإن مدنا وبلدات وقرى كاملة دمرت، وتحطمت معها الأواصر الاجتماعية، وحرم جيل من الأطفال من التعليم، فيما بات يعتمد نصف السكان على الإغاثة.  

ويتساءل شولوف عن الكيفية التي ستتم فيها إعادة بناء سوريا التي دمرتها الحرب، رغم أنه لا يمكن تحقيق أي شيء ملموس في وقت يخشى فيه ثلثا السكان من العودة إلى بلادهم.

ويفيد الكاتب بأن الحرب في سوريا تحولت إلى مواجهة إقليمية مستعصية، والقتال على التأثير، الذي أدى إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي الأولى منذ الحرب الباردة، وكذلك إلى مواجهة بين إيران وإسرائيل وسوريا وإسرائيل وتركيا والأكراد. 

ويبين شولوف أن "القوى التي أطلق لها العنان أصبح من الصعب التحكم بها، ولم يعد أي من المشاركين في الحرب راغبا في تجاوز مصالحه ليتعامل مع الخطر، وهذه الأمور لا تعد مهمة للموجة الجديدة من المهجرين السوريين الجدد من الغوطة، الذين خرجوا إلى المجهول، حيث يخشى الكثيرون من عمليات انتقامية ترتكبها الدولة، التي ظلت عدوانية ضدهم طوال سنوات الحصار الطويلة".

 

ويجد الكاتب أنه "عندما تخرج سوريا من عقالها فإنها تأخذ معها الأمل بالمصالحة، فالمظالم لدى المهزوم والمنتصر لا تزال عميقة، ولم يتم التعامل معها أو معالجتها، وفي النهاية لا يهم الذين يقومون بدفن أعزائهم ويقيمون خيما جديدة كيف سيعاد بناء البلد، كما لا يهم هذا الأمر من يخوضون حروبا جديدة في هذه الأرض المدمرة". 

ويختم شولوف مقاله بالإشارة إلى قول اللاجئ المقيم في إدلب محمد عطوان: "قال بشار الأسد عام 2012 إنه لو استمرت الحرب فلن يكون هناك سلام من المحيط الهادئ إلى الأطلسي.. وكان هذا تهديدا، وهذا صحيح".