سياسة دولية

ما أسباب انهيار الريال اليمني غير المسبوق أمام العملات الأجنبية؟

الريال اليمني - العملة اليمنية- أ ف ب

سجل الريال اليمني انهيارا غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، في اليوميين الماضيين، في ظل مساع يبذلها الرئيس عبدربه منصور هادي لوقف هذا الانخفاض التاريخي لعملة بلاده، بعد إطلاق رئيس الحكومة، أحمد بن دغر، نداء استغاثة لقيادة التحالف العربي الذي تقوده السعودية بهذا الشأن.

وترافق صعود سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني ارتفاعا جنونيا في أسعار المواد الغذائية، مع واقع مرير يعيشه اليمنيون؛ جراء استمرار الحرب، وانقطاع الأجور، وتدهور أوضاعهم بشكل كارثي.

تساؤلات كثيرة أثيرت حول بلوغ الانخفاض للعملة المحلية أرقاما قياسية، فيما حذر خبراء اقتصاديون من أن قيمة الدولار قد يتجاوز حاجز ألف ريال يمني، في حال لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة في السياسة النقدية للبلاد.

أسباب عدة

مدير البنك الأهلي اليمني، محمد حلبوب، قال إن التدهور الحالي لسعر صرف الريال اليمني يعود لانخفاض العرض من العملات الأجنبية وارتفاع الطلب عليها، وذلك لأسباب أساسية وموسمية وأخرى طارئة.

وسرد المسؤول المصرفي اليمني أبرز تلك الأسباب، والمتمثلة بـ"تفاقم الصعوبات الناتجة عن الانقلاب (انقلاب جماعة الحوثي)، والحرب التي أدت إلى انخفاض كبير في عائدات الصادرات من العملات الأجنبية.

وأضاف في منشور له بموقع "فيسبوك" أن انخفاض عائدات التصدير من (المنتجات الزراعية )، التي تصدر بعضها، ويهرب البعض الأخر إلى السعودية، كنتيجة لموجة البرد الشديد.

ومن ضمن الأسباب، كما يقول مدير البنك الأهلي اليمني، "انخفاض تحويلات المغتربين من المملكة؛ جراء الصعوبات الاقتصادية والإدارية التي يواجهونها؛ بسبب تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتطبيق رسوم الإقامة عليهم وعلى أسرهم من السلطات السعودية.

وبحسب حلبوب، فإن تغطية مدفوعات واردات السلع والخدمات، وتدفق رأس المال إلى الخارج، وتغطية مدفوعات هروب ذلك المال إلى الخارج بعد أحداث صنعاء (الاشتباكات بين قوات مواليه صالح والحوثيين كانون الثاني/ ديسمبر الماضي، التي انتهت بمقتل الأول)، بالإضافة إلى تغطية مدفوعات سفر اليمنيين لإداء العمرة، كلها أسباب تقف وراء هذا الانهيار للعملة الوطنية.

واعتبر المسؤول اليمني أن سعر صرف العملات الأجنبية في اليمن أصبح شديد الحساسية (صعودا) لأي تغييرات في حجم العرض أو الطلب مهما كانت صغيرة.

انهيار متوقع وفشل

من جهته، قال الأستاذ في الأكاديمية العربية للعلوم المالية المصرفية، رياض الغيلي، إن هذا الانهيار غير المسبوق للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية، ومنها الدولار، كان متوقعا؛ نتيجة استمرار الحرب، وفي ظل سياسية نقدية غير سوية تعتمدها الحكومة الشرعية.

وأضاف، في حديث خاص لـ"عربي21"، أن الحكومة الشرعية (تتخذ من مدينة عدن مقرا لها جنوبي البلاد)، فشلت في سحب كافة الخدمات المصرفية والنقدية من البنك المركزي في صنعاء، عقب قرار الرئيس هادي نقل مقره إلى المدينة الجنوبية في 19 من أيلول/ سبتمبر 2016.

وأمام هذه المسار، وفقا للغيلي، عجزت في السيطرة على سعر صرف الريال مقابل العملات الأخرى.

ولفت إلى وجود أسباب أخرى أيضا تقف وراء هذا الانهيار المستمر، أهمها "توقف بيع المشتقات النفطية والغاز منذ بداية الحرب وحتى اللحظة، وهو ما أدى إلى خسارة الميزانية للدولة إلى 70 في المئة من مواردها. مؤكدا أنه في ظل هذا الوضع، فإنه من الطبيعي استمرار هذا ارتفاع سعر العملة الصعبة في ظل هذا العجز، وربما يصل إلى أرقام قياسية.

وبخصوص الأسباب أيضا، فإن الإدارة النقدية التابعة الشرعية ليس لديها الخبرة الكافية في التعامل مع النقدية العامة في الأزمات، وهذا أمر مهم جدا، لعب دورا في هذا التدهور.

بالإضافة إلى ذلك، غياب السيطرة التامة من قبل البنك المركزي في عدن على الصرافين المتواجدين في المحافظات المحررة وغير المحررة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بحسب الغيلي.

وأورد الأستاذ في الأكاديمية العربية للعلوم المالية المصرفية سببا إضافيا، وهو تعمد الحوثيين سحب العملة الصعبة من السوق المحلية، إدراكا بأن سلطتهم آيلة للسقوط، وبالتالي يقومون بتحويل ما بأيديهم من سيولة نقدية محلية إلى عملة صعبة، وتهريبها إلى خارج الوطن.

توقعات

وتوقع الخبير المصرفي اليمني بوصول الانهيار للريال اليمني إلى أرقام قياسية، وقد يبلغ سعر الدولار الواحد ألف ريال، في نهاية العام الجاري، إذا لم تحسم الحرب مع ما وصفها بـ"قوى الانقلاب" سريعا في العام نفسه.

وكان رئيس الوزراء اليمني قد دق جرس الخطر، في نداء استغاثة وجهه إلى قيادة التحالف العربي، لإنقاذ اليمنيين من جوع محتم جراء الانهيار الذي وصفه بـ"التام" للعملة الوطنية.

إنقاذ اليمنيين من الجوع


وقال بن دغر: "إن كانت هناك من مصالح مشتركة بين الحلفاء ينبغي الحفاظ عليها ترقى إلى مستوى الأهداف النبيلة لعاصفة الحزم (العمليات العسكرية التي تقودها السعودية)، فإن أولها وفي أساسها إنقاذ الريال اليمني من الانهيار التام، الآن وليس غدا، فهو إنقاذ لليمنيين من جوع محتم".

ووفقا لرئيس الحكومة اليمنية، فإن الريال تحاوز سقف خمسمئة ريال للدولار الواحد. مشيرا إلى أن مرتب الجندي والموظف العادي أقل من مئة دولار.

واقترح حلولا لإنقاذ الريال اليمني واليمنيين، تتمثل في "الوديعة" (اثنين مليار دولار تعهد بها ولي عهد المملكة خلال لقائه الأخير بالرئيس هادي في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي)، بالإضافة إلى توفير المشتقات النفطية للكهرباء فقط.

ووفقا لرئيس الوزراء، فإن تلك إجراءات كافية لإنقاذ الريال اليمني واليمنيين من الانهيار، كما تعزز التحالف في مواجهة الأعداء والخصوم، تلك حقائق من الأهمية بمكان إدراكها.

وأوضح أنه بسبب الانهيار الاقتصادي" ستتعالى الأصوات الخافتة التي تطالب اليوم بوقف إطلاق النار، والاعتراف بالأمر الواقع غدا، وسيسمعها العالم وستشكل ضغوطا قوية على موقف الشرعية، وعلى التحالف الداعم لها. محذرا أن من شأن ذلك أن يغير الموقف الدولي من الأزمة في اليمن، وعلينا أن نتحمّل ما سيحدث بعدها.

وخاطب التحالف بالقول: "إن كان لدى الأشقاء من ملاحظات حول أداء البنك المركزي أو الحكومة، فإنني أقولها بوضوح لفخامة الأخ الرئيس: الشعب اليمني أبقى، وإنقاذ اقتصاد ينهار أولى، والله من وراء القصد".

اتصالات مكثفة مع القيادة السعودية

وفي السياق ذاته، يجري الرئيس اليمني اتصالات مكثفة بالقيادة السعودية، للحصول على وديعة بملياري دولار كان محمد ابن سلمان، ولي عهده الرياض، قد تعهد بها في تشرين الثاني/ نوفمبر؛ بهدف "تحقيق استقرار العملة التي سجلت مستويات جديدة منخفضة هذا الأسبوع".

مدير مكتب الرئيس هادي، عبدالله العليمي، بعث برسائل تطمين للشارع اليمني عبر حسابه بموقع "تويتر" مساء الثلاثاء.

وكتب العليمي يقول: إن الرئيس لن يدخر أي جهد لمواجهة حالة الوضع الاقتصادي، سواء على مستوى التواصل المكثف مع الدول الصديقة والشقيقة أو في الترتيبات الداخلية.

وأضاف أن فخامة الرئيس يطمئن الشعب في كل ربوع الوطن، بأنه سيقوم باتخاذ كافة التدابير والقرارات لمواجهة هذا التحدي.

ويجدر الإشارة إلى أن الريال اليمني يسجل انهيارا كارثيا، ليتجاوز حاجز 500 ريال مقابل الدولار الواحد، وهو ما يفقده قيمته أكثر من 100 في المئة، مسببا ارتفاعا كبيرا في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية.