ملفات وتقارير

غوطة دمشق الشرقية.. حين يغزوها الموت من كل مكان

هناك أكثر من 500 حالة صحية تحتاج للإخراج العاجل من الغوطة لتلقي العلاج- جيتى

"مصعب" طفل سوري زين الحزن ابتسامته البريئة، وكان الألم هو الأسمى في مسيرة حياته التي لم تتجاوز الأشهر الستة الأولى منها، شاء القدر أن يُولد في داخل حصار الغوطة الشرقية في ريف دمشق قبل حوالي سبعة أشهر، قدر هذا الطفل أنه وُلد وهو مصاب بآفة قلبية، شخصها الأطباء بالوسائل المتوفرة داخل الغوطة بأنها فتحة في القلب مع ارتفاع ضغط الدم الرئوي، لتبدأ معاناته مع أول نور يراه، و تبدأ معاناة والده في محاولتهم لإخراجه إلى مستشفيات دمشق لإخضاعه لتصوير شعاعي لتشخيص حالته بدقة و إخضاعه للعلاج المناسب.

قصة هذا الطفل المؤلمة رواها الإعلامي والمصور في الغوطة الشرقية، ضياء الدين العربيني لـ"عربي21"، قائلا: سعى والدا الطفل مصعب بشتى الوسائل لإخراج طفلهم إلى دمشق لتلقي العلاج المناسب دون فائدة بسبب الحصار الذي فرضه النظام على الغوطة، ليلقى الطفل حتفه أمام أنظار والديه، تاركا بصمة حزن في قلوب من يحيطون به، لكنها ليست المرة الأولى فقد سبقته "هاجر" شقيقته التي توفيت قبل عام ونصف تقريبا والتي كانت تبلغ من العمر سنتين، وكانت أيضا بحاجة للخروج إلى مستشفى في دمشق تتوفر فيه الإمكانيات اللازمة لتلقي العلاج.

 


مرارة الألم تتجسد بقصة هذين الطفلين، كما يقول ضياء الدين، حيث أن هناك أكثر من 500 حالة صحية تحتاج للإخراج العاجل من الغوطة لتلقي العلاج، فهي مهددة بالموت إذا لم يتم نقلها لمستشفيات ذات إمكانيات طبية مناسبة، مشيرا إلى أن الغوطة الشرقية تعاني من شح كبير في الدواء و إمكانيات العلاج بسبب الحصار المفروض عليها منذ أربع سنوات وتشديد الحصار الذي بدأ مع معركة إدارة المركبات في حرستا.

وأضاف العربيني، أن هناك حركات نزوح كبيرة من قبل الأهالي حدثت في بلدات مديرة وحرستا وعربين بعد بدء المعركة الأخيرة، حيث عمدت قوات نظام الأسد وحلفاؤه إلى قصف هذه البلدات، مضيفا أن الغوطة تشهد غلاء فاحش في الأسعار يصعب على غالبية أهل الغوطة الحصول على المواد الغذائية، حيث يبلغ سعر ربطة الخبز اليوم 2500 ليرة سورية، وكيلو السكر 2500 ليرة سورية بعد أن كان 15 ألف ليرة سورية قبل إدخال المواد الغذائية الأخيرة والتي لا تكفي سوى شهر واحد، وغيرها من المواد الغذائية التي أشار إلى أنها تزيد 10 أضعاف عن سعرها في دمشق.

وأشار العربيني في حديثه لـ "عربي21"، إلى أن نظام الأسد وافق على إدخال 5 آلاف طن من المواد الغذائية من قبل التجار لبيعها لأهالي الغوطة بأثمان باهضة جدا، مقابل دفع 5 دولار كإتاوة مقابل الكيلوغرام الواحد الذي سيدخل للغوطة، مركزا على أن هذه الكمية رغم غلائها المفرط لا تكفي سوى لمدة شهر واحد.

و في إطار سوء الأوضاع الإنسانية والطبية داخل الغوطة الشرقية، أفاد الدكتور فايز عرابي، مسؤول التعليم في مديرية صحة دمشق و ريفها، في حديث خاص لـ "عربي21" بأنه و بسبب الحصار الطويل وتشديده في الفترة الأخيرة فإن هناك العديد من حالات سوء التغذية مايسبب إلى تفاقم الأمراض البسيطة والتي تؤدي ببعض الحالات إلى الوفاة.

 


وأوضح عرابي، أن الهجمات الأخيرة لنظام الأسد زادت الوضع سوءا، حيث يوجد مئات الجرحى والعشرات الحالات التي تستوجب الخروج من الغوطة لتلقي العلاج، فالإمكانات الطبية الموجودة تعجز عن علاج العديد من الحالات، خصوصا في الحالات التي تستوجب علاجا شعايا أو عمليات القلب المفتوح، فضلا عن وجود العديد من حالات البتر والشلل عمليات القصف الهمجية التي تتعرض لها الغوطة اليوم وعلى مرأى العالم، بحسب كلام الطبيب.

وبحسب إحصاءات قدمها الدكتور عرابي لـ"عربي21"، والتي أعدها مكتب الإحصاء في مديرية الصحة، وتشمل الفترة منذ بدء الحملة الأخيرة في 14 تشرين الثاني الماضي حتى اليوم، فإن هناك 195 شهيدا، بينهم 131 رجلا و14 امرأة و50 طفلا، فيما وصل عدد الجرحى إلى 1075 جريحا من مختلف الفئات، منهم 60 بالمئة من الرجال، فيما أجرت المستشفيات الميدانية في الغوطة الشرقية 282 عملية جراحية بينها 107 عمليات عظمية، وأكثر من 10 حالات بتر لأعضاء عليا وسفلى، وحالتا شلل تام، مشددا على أن هذه نتيجة هجمات نظام الأسد الشرسة على الغوطة في الفترة المذكورة.

وفي إطار العمليات العسكرية الدائرة على أطراف الغوطة الشرقية، فقد أفاد "منذر فارس" المتحدث باسم حركة أحرار الشام في الغوطة الشرقية، في حديث مع "عربي21" بأنهم بدأوا معركة عسكرية ضد قوات الأسد وحلفائه في إدارة المركبات في حرستا في الرابع عشر من تشرين الثاني الفائت، أطلق عليها اسم "بأنهم ظُلموا"، والتي استطاعوا من خلالها ومنذ أيامها الأولى السيطرة على عدة أجزاء رئيسية من إدارة المركبات، من بينها مبنى القيادة العامة و مستودعات الأسلحة والذخائر.

وقال الفارس: "إنهم الوحيدون القائمون على هذه المعركة حاليا، مع تنسيق مع فصائل الغوطة الأخرى لمساندتهم في الأيام القادمة"، مشيرا إلى أنهم ألحقوا العديد من القتلى والجرحى في صفوف قوات الأسد وحلفائه من بينها قوات الحرس الجمهوري، الذي يقود قوات النظام، ولواء أبي الفضل العباس وغيرها من المليشيات، موضحا أن عدد القتلى في صفوف قوات الأسد وحلفائه تجاوز 130 بينهم ضباط برتب عالية.

وأضاف الفارس أن قوات الأسد وبعد فشلها في استعادة ما خسرته من إدارة المركبات، بدأت بشن عمليات انتقامية من أهالي الغوطة الشرقية، بقصف المباني السكنية والأسواق الشعبية وإيقاع عشرات الضحايا، كما حصل قبل بضعة أيام في المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد في مدينة مسرابا، والتي تجاوز عدد ضحاياها 20 شهيدا.