مقالات مختارة

في سوق السبايا

1300x600
هو عنوان كتاب للشاعرة العراقية دنيا ميخائيل (صدر في 2017 عن منشورات المتوسط، مدينة ميلانو، إيطاليا)، تسرد به بعض حكايات النساء الإيزيديات اللاتي نجون من داعش بعد سبي وسجن واغتصاب وتعذيب، حكايات لنساء من بلدة سنجار أو شنكال في العراق التي احتلها مجرمو داعش وحولوها إلى أرض للمقابر الجماعية، بعد أن قتلوا كبار السن والرجال وتناقلوا النساء وأطفالهن في سوق السبايا الممتد بين العراق وسوريا. لكلمات الناجيات بلاغة الألم والحزن، ومع بعض هذه الكلمات وكما دونتها ووثقت لسياقاتها البائسة دنيا ميخائيل أترككم الآن أعزائي القراء دون تدخل مني سوى بشيء من القفز بين أسطر «في سوق السبايا»، تقتضيه اعتبارات المساحة المخصصة لي هنا.
***
نادية ــ «سعر نادية، حسب قائمة أسعار السبايا لدى داعش، هو 100 ألف دينار؛ أي ما يعادل 85 دولارا أمريكيا، وذلك حسب عمرها، 28 سنة، ويمكن أن «تهدى» مجانا إلى أمير من أمرائهم «تقديرا لجهاده»، هدية تتمنى لو أنه لا يحتفظ بها».

تروى نادية للشاعرة حكايتها مع السبي قائلة: «أخذوا الرجال أولا، ثم النساء والأطفال في سيارات كبيرة، وتوجهوا بنا نحو الموصل... فصلوا البنات العذراوات عن النساء المتزوجات، وكذلك فصلوا الأطفال الذين فوق سن 12 سنة عن الآخرين... قالوا لنا إننا يجب أن نتزوج على طريقتهم، وإننا كافرات، ولابد أن نعتنق الإسلام... ثم نقلونا إلى بناية فى منطقة الرقة فى سوريا، وهناك وضعونا فى مزاد للبيع. كان الرجال يزايدون على أسعارنا أحيانا بدولار واحد أعلى من السعر الذى قبله حتى سمعت البائع ينادي: «200 دولار، من يزايد؟ لا أحد؟ بيعت». أعطوني ورقة عليها اسم المشتري، وقالوا هذه وثيقة زواجي. لم أعرف ماذا فعلوا بزوجي وبأبيه وأخيه وباقي أقاربنا الذين كانوا معنا فى القافلة. الرجل الذي اشتراني قال بأني أصبحت زوجته. قلت له: «أليس الزواج بالمتزوجات حرام؟!» فرد: «ليس إذا كن إيزيديات».
***
بديعة ــ «كان لابد من الحيل» أجابت بديعة الشاعرة دنيا ميخائيل حينما سألتها عن أسباب نجاتها من داعش. الحيلة الأولى كانت عدم الاستحمام لكي تنفر رائحة جسدها المشترين. الحيلة الثانية كانت الادعاء بأنها متزوجة ولديها أطفال؛ لأن تسويق المتزوجات بين مجرمي داعش أصعب من غير المتزوجات. أما الحيلة الثالثة فكانت التظاهر بأنها حامل لكي تتجنب الاغتصاب ولو لبعض الوقت. وكان في جعبة بديعة حيل أخرى.

تقول بديعة: «كنا عائلة كبيرة، نعيش في قرية كوجو، أمي وأبي وخمسة إخوة وخمس أخوات. في البداية سمعنا بأن داعش احتلوا الموصل، وأنهم يقتلون الناس، ويغتصبون النساء، وأنهم سيأتون إلينا، ويفعلون الشيء  نفسه بنا، فلم نصدق... هم لن يتمكنوا من القدوم إلى كردستان؛ لأن جنود البيشمركة لن يسمحوا لهم بذلك... في الساعة الرابعة عصرا من يوم 3 أغسطس (2014) جاء الدواعش إلى بيوتنا. أول صدمة لنا أننا رأينا بينهم رجالا نعرفهم... كان معنا مختار القرية، وقد خاطبه أبو حمزة الذي كان أمير داعش، وقال له: ارفعوا العلم الأبيض، ولن نؤذيكم... تركونا ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى المختار، ولم يكن أبو حمزة معهم. قالوا للمختار بأن علينا أن نصبح كلنا مسلمين... أشاع الحراس بين الناس قولا بأن جاءهم قرار من «أبو بكر البغدادى» بأن ليس شرطا أن يصبحوا مسلمين، ليسلموا.

 وبعدها جاءت جماعة أخرى من الدواعش، وقالوا للمختار: هل تريدون أن تصبحوا مسلمين، وتبقوا في بيوتكم؟ أم تغادروا إلى جبل سنجار؟ فأجابهم المختار: نغادر إلى سنجار... أخذونا إلى معهد في صولاخ، وهناك فصلوا البنات غير المتزوجات عن النساء المتزوجات. أنا كنت الوحيدة غير المتزوجة بين أخواتي، ولكن؛ كان معى ابن أخي الذى عمره ثلاث سنوات. قلت أنا متزوجة، وهذا ابني... في الليل، أخذونا إلى تلعفر... وهناك في مدرسة أزاهير البنات في تلعفر، التقينا العوائل الثلاثين الذين كانوا قد خرجوا من القرية أولا... أخذونا إلى قريتين قريبتين من تلعفر؛ هما كسر المحراب وقزل قيو. أغلب سكان تلك القرى من الشيعة الذين فروا وتركوا بيوتهم، فاستولى عليها الدواعش. أخذونى مع عشرين امرأة أخرى إلى مدرسة كسر المحراب، وهناك جاء شخص يسمونه «الخليفة»، وأعلن بأننا يجب أن نتزوج المقاتلين. قلنا: نحن متزوجات. قال الخليفة: نحن قتلنا رجالكم كلهم، وأنتم الآن في السوق معروضات للبيع.
***
شكرية ــ هي طفلة عمرها 14 سنة، كانت أصغر من ذلك حين اختطفها الدواعش وسبوها ودنسوا جسدها الطاهر وهددوا روحها البريئة.

«كنت مع أختي شكيبة وأمي وأبي. لم يكن أخي معنا؛ لأنه كان خارج المنطقة. أخذونا من بيتنا في كوجو في سيارات كبيرة، ونقلونا إلى الموصل... ثم أخذوني مع شكيبة وبنات أخريات إلى بناية في سوريا، وهناك وزعونا على المقاتلين بأسعار محددة. المقاتل الذى أخذنا باعنا بالمفرد. الرجل الذي اشتراني بالقوة من دون أختي كان من طاجكستان... وبعد بضعة أيام، باعني إلى شخص آخر تركي، اسمه أبو دجان. وهذا أخذني إلى منطقة رقة؛ حيث سجنني 45 يوما، وكان يغتصبني كل يوم. أخذ لي صورة، وأنا عارية، وعمل صفقة بيع من خلال الصورة مع واحد سعودي، اسمه أبو فرقان. بعد 42 يوما، باعني أبو فرقان لسعودي آخر، اسمه الدشامي، وهذا كان عنيفا جدا في اغتصابه لي. وبعد 27 يوما، باعني إلى آخر، اسمه أبو حمزة، وهو عراقي... كان أبو حمزة قد جرح في القتال... انتهزت فرصة غيابه، فسرت في الشارع على غير هدى. بقيت أسيرة حتى شعرت بأني صرت بعيدة جدا عن ذلك المبنى البغيض. كنت في غاية التعب، فطلبت من امرأة كانت واقفة أمام منزلها أن تساعدني... قالت المرأة أنت ــ إذن ــ من الكفار. دفعتني إلى غرفة، ثم أخذت تضربني بعصا خشبية... وحين جاء زوجها إلى البيت، ورآني، نادى على زوجته «أم عبدالملك، من هذه؟» قالت له «هذه كافرة، هربت من المجاهدين.» كنت هناك منكمشة في زاوية الغرفة حين عاد الرجل بخرطوم مياه. ظل يضربني به حتى سالت الدماء من جسدي... حاول أبو عبدالملك بيعي، ولكن؛ لم يوافق أحد على شرائي... اغتصبني أبو عبدالملك بمباركة زوجته».

الشروق المصرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"