مقالات مختارة

الفتى حمد

1300x600
أمضى العامين الأخيرين من الحرب العالمية الأولى في حماة، مدينة أمه، التي لجأت إليها بعد وفاة زوجها. وراح اليتيم الفقير يهيم في أنحاء مدينة النواعير، ويذهب غالبا إلى محطة القطار، يتفرج مع رفاقه على عساكر الأتراك والألمان وهم ينسحبون أمام جيش الحسين.

وذات يوم خرج مع رفاقه يتفرج على جيش البدو القادم، والناس تهزج له. ولكن فجأة ظهرت ثلاث طائرات حربية راحت تقصف الجميع برشاشاتها، فأخذ الجميع يهربون، وهرب معهم. ولوَل البعض، فوَلوَل معهم. وما إن أصبح القوم في البادية على طرف المدينة، حتى انتبه بدوي إلى الصبي الأشقر الأزرق العينين، فسأله ماذا جاء به، فقال رأيتكم تعدون، فعدوت معكم.

فقال الأعرابي: لا تجزع يا بنيّ، لكنك تبدو منهكا وجمالنا قليلة. ثم حمله ووضعه على ظهر الجمل الذي تركبه ابنته. ومن شدة التعب وكثرة الهدهدة، نام الصبي وهو يتأمل جمال البدوية الفتاة. ووصل الركب إلى المضارب، فرأوا بينهم يافعا أزرق العينين يرتدي اللباس الغربي. وأدركوا مخاوفه، فسارعوا إلى طمأنته. وقالوا له سوف تقيم بيننا، فقال: ما تشاؤون. وقالوا: سوف نسميك حمد، فقال: الحمد لله، وقالوا: سوف تلبس القميص وتحلب الشاة وترعى النعاج ونعلمك ركوب الخيل.

وأحب حمد حياته الجديدة، ونسي حياته الماضية. وأحبته القبيلة، وطربت لحكاياته وعذاباته ومغامراته في الأرض، وكيف ذهب مشيا من لبنان إلى حماة، وكيف سرق جماعة من اللصوص أرغفة أمه. وكان يلون الحكايات كلما شعر أن السامعين يزدادون تلهفا. وفي ضوء القمر الساحر، كان يسترق النظر إلى عيني ابنة زعيم القبيلة، فتزداد مخيلته غنى، وحكايته تجويدا.

وفي الليل، صار حمد ينسى حياته الماضية وحياته الحالية، ولا يفكر إلا في العينين الساحرتين. وكانت صاحبة العينين تحسن معاملته بصفته مرعيا في كنف والدها لا أكثر. لكن ضوء القمر وخضرة العينين ورحبة الفلاة زينت لليافع ما ليس زينا في المضارب على الإطلاق. فلما خلد الجميع إلى النوم، قام حمد مرتعدا إلى خيمة العينين الخضراوين، ظانا أن صاحبتهما لن تفيق وهو يطبع قبلة على يدها.

لكنها أفاقت مذعورة تصرخ. وأيقظت صرختها الجميع. وهتف الرجال: اقتلوه، خائن الأمانة هذا. ورددت النسوة: أحرقوه. لكن الزينة وحدها طلبت من أبيها أن يعفو عنه: «فليعد إلى حماة». ولو لم يعد الفتى إلى حماة تلك الليلة، لما كان للصحافة العربية تلك «الجعبة» من حكايات سعيد فريحة، أخصب بساتين الصحافة العربية في القرن الماضي.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"