مقالات مختارة

جلد الذات العربية

أحمد الحناكي
1300x600
1300x600
تصيبك حال من الأسى عندما يبرز بين الحين والآخر من يتلذذ بالتنصل من هويته العربية وثقافته، متنكرا لكل ماض مزدهر أو مستنير لها، بل ويحاول التقليل منه والسخرية، ملقيا بالتاريخ إلى أقرب هاوية.
من جانب آخر، فهؤلاء المطنطنون يظنون أنهم خارج دائرة التخلف التي يتوهمونها أو يصنعونها، فعندما يكررون في كل مناسبة جلد الذات العربية ويتحدثون بأننا متخلفون، وبلا حضارة، وغزاة، ودمويون، وتاريخنا أسود، ومراحلنا انحطاط، ونعاني من الجهل، فهم بذلك يتجاهلون أنهم أنفسهم من تلك البيئة، ويتحدثون وكأنهم خارج هذه الدائرة، بينما نحن داخلها.
لا تظنوا أنني أبالغ، فهناك كثيرون ممن يشعرون بالملل من حال التخلف التي يرونها في حالنا، شاطبين بذلك كل مراحل الازدهار العلمي التي عاشها العرب، وفي الوقت نفسه انبهار بالغرب بكل مراحله، ومنها استعماراته التي يندبون حظهم أنها لم تستمر ولم تتوسع، أما مراحل الانحطاط فهي تخصنا فقط، فيما يتجاهلون بشكل تام الحملات العسكرية التي بدأت منذ العصر الميلادي ومازالت، وهدفها الرئيسي هو غزو واحتلال ونهب ثروات، إذ إنه لم يعرف عن غازٍ يوما أنه يريد الارتقاء ببلاد احتلها، حتى تلك التي ضمها بحكم القوة، فإنه يتعامل مع أبنائها بمفهوم عنصري، فهم من الأدنى طبقيا بالنسبة له. انظر إلى أمريكا وما عملته للهنود الحمر، وانظر إلى الكيان المحتل وما يعمله مع اليهود من الجنسيات غير الأوروبية، ناهيك عن الفلسطينيين أهالي البلد الأصليين.
يقول أحد المفتونين بالغرب في أحد الحوارات «الحضارة الغربية هي الحضارة الوحيدة التي حررت الإنسان من أوهامه وأصفاده واعترفت بفرديته، ووفرت له الإمكانات والفرص لبناء ذاته وتحقيق طموحه، و(أنسنت) السلطة ووضعت من الآليات ما يكفل المساواة النسبية ويحقق العدل النسبي، ويمنع الجور ويستسخف العدو»، من الواضح أنه مغرم بأفلام هوليود التي تجعل من التراب ذهبا أحيانا.
كل الحضارات بلا استثناء لها بصماتها ولها هفواتها، وعجلة التاريخ تثبت أن هناك نوعا من التداور والتمازج والتلاقح والتأثير بين هذه الحضارات، سواء ما قبل الميلاد إلى ما بعده إلى عصرنا الحالي، نعم هناك فترات خمول وفترات انحطاط وفترات تنوير، لكنها تمر على جميع الحضارات وليست قصرا على الحضارة الغربية التي يريد هؤلاء منا أن نركل ما عداها وأن نلفظ كل ما يمت بصلة إلى عروبتنا؛ لعل الغرب يتفضلون بضمنا إلى فتات موائدهم.
أحيل «الفاغرين أفواههم» انبهارا بالغرب إلى اليابانيين والصينيين والهنود، ناهيك عن تجارب الأتراك والماليزيين والإيرانيين، بل وحتى المكسيكيين والكوبيين وغيرهم الكثير الذين يتشبثون ويقاتلون للحفاظ على هويتهم، ومع احترامي لآرائهم فهناك فرق كبير بين أن نقتدي بالغرب أو نتعلم من ثورتهم العلمية، وبين أن نستسلم لغزوهم الثقافي.
المثير للسخرية أن هناك من يتحدث كثيرا عن بنية العقل العربي وأنه جاهل! بينما الخلل هو في من يعتقد ذلك. نحن شاؤوا أم أبوا أبناء هذا الوطن بصحاريه وجزره وعلى ترابه نشأنا وهنا عشنا طقوس التقلبات والأزمات والفقر والجهل والمرض والعلم، وكافحنا كما يكافح الملايين من بنات وأبناء هذا الوطن وسنرتقي بوطننا الذي دفنا فيه أجدادنا ونفتخر بما قدموه، وما نحن إلا امتداد لهم من دون أن ننتظر غزوا استعماريا يدمر هويتنا وثقافتنا وقيمنا.
لا ريب أننا عشنا قرونا طويلة تتفاوت ما بين ازدهار وتنوير وانحطاط، لكن المؤكد أن المقابل وهو الغرب كان لا يقل عنا سوءا إن لم يكن أسوأ، وإذا كان للإنسانية عدو فهم ليسوا من حضارة عينها أو من مجتمعات بعينها، كما لا يعني من كل ما سبق أنني معجب بما وصل إليه حالنا، فالسعي لتطوير ذاتنا ومواكبتنا للعصر لا يعني الانسلاخ، وأن نصبح نسخة باهتة لحضارة قامت على الجماجم.
 
نقلا عن الحياة اللندنية
0
التعليقات (0)