كتاب عربي 21

الفراولة المصرية وثقافة الأجنبي أولا

مصطفى محمود شاهين
1300x600
1300x600
تغير العالم كثيرا، فكلمة قرية صغيرة أصبحت لربما لا تعبر عن الوصف الصحيح لتشابك المجتمعات والاقتصادات بطريقة لم نكن نحلم بها من قبل، فمن كان منا يتخيل أن المواطن في مصر يستطيع أن يعرف سعر التكييف الذي يشتريه من الصين أو جهاز الكمبيوتر المصنع في أمريكا، يمكن له أن يعرف أسعاره أو يستطيع أن يتابع الحرب الاقتصادية التي تضرب بين دول العالم المختلفة. 

ورغم كل مصادر المعرفة المتاحة فإن الحكومة في مصر المنوط بها تحريك عجلة الإنتاج وتنشيط الاقتصاد وزيادة الصادرات تعمل كأنها لا يعنيها شيء ولا تفرق معها إن كانت تدافع عن إنتاجها من عدمه، وتعمل كأن لها "ودن من طين وودن من عجين" فيوم الجمعة الماضي أعلنت وزارة الصحة بولاية فيرجينيا الأمريكية عن تأكدها من تعرض 10 من مواطنيها للإصابة بالتهاب الكبدي الوبائي A، وذلك بسبب تناولهم عصير فراولة مجمدة من إحدى المحلات الشهيرة للعصائر، مصدره الفراولة المستوردة من مصر.

وأكدت وزارة الصحة أن الاصابات تأكدت من 5 إلى 8 اغسطس وطلبت من المواطنين التوجة إلى أقرب مركز صحي لتلقي العلاج بأسرع ما يمكن، وطلبت من كل المواطنين الذين ترددوا على هذه المحلات خلال 50 يوما الماضية بعمل التحليلات اللازمة للتأكد من خلوهم من المرض. 

فترى الحكومات المنتخبة تسارع إلى حماية مواطنيها وإرشادهم نحو الوقاية من الأمراض والسعي نحو الحد من انتشار الأمراض، نجد أن الأمر على مستوى الحكومة المصرية لم يحظ بأي اهتمام يذكر على الإطلاق، فقد نفى رئيس الإدارة المركزية للحجر الزراعي بوزارة الزراعة وصول أية إخطارات من الحجر الزراعي الأمريكي بوجود أية أخطار للفراولة المصرية، وأكد أن وزارة الصحة المصرية هي المسؤولة عن صحة الغذاء، المهم عند المسؤول أن يرفع الأمر من على عاتقه ويرميها على عاتق شخص آخر.

ففي مصر لن تجد مسؤولا يعلن أنه يتحمل المسؤولية ويسعى لعلاج الخلل أو يتخذ قرارا من أجل الإصلاح، فقلي بالله عليك هل اتخذ قرارا لعلاح مشاكل حوادث الطرق في مصر أو الوقاية من أمراض قاتلة لا تصيب الإنسان فقط بكوارث صحية بل تصيب الاقتصاد بكوارث أيضا، فلك أن تتخيل أن مصر تصدر بـ 140 مليون دولار سنويا، يعني ببساطة يمكن لمصر أن تفقد كل حصتها من التجارة العالمية في ظل هذا السلوك السيء في إدارة التجارة الدولية.

فرغم تسارع وانتقال الأنباء إلا أن المسؤولين في مصر ما زالو في غيهم وفي انتظار من الطرف الآخر أن يبلغهم بتحقيقات الأمر مع أنه لا يوجد في مصر حتى هذه اللحظة مركز للتأكد من سلامة الغذاء، فالمصريون يأكلون لحم الحمير ويشربون من ماء المجاري وتنتشر أمراض مثل الالتهاب الكبدي الوبائي سواء من زيارتك لطبيب الأسنان أو ذهابك لقص شعرك أو تبرعك بالدم لأحد من أهلك فتجد أن المواطنين يصابون بأمراض مثل فيروس "سي" للكبد أو أمراض تنتقل بنقل الدم ولا يحرك ذلك ساكنا.

إن العالم لن ينتظر طويلا من مصر أو من موظيفها التأكد من صحة الغذاء الذي يأكلونه أو يصدرونه، فهناك آلاف المصدرين من دول عديدة يمكن أن تحل محل المنتجين المصريين ولربما بجودة أعلى وبأسعار أرخص. 

إن الأزمة في مصر أزمة عقلية مصرية ترهلت وتخلفت عن إدراك كيف يسير العالم، والانقلاب العسكري وعسكرة الاقتصاد يدفعان إلى تكلس الشخصية المصرية وانزوائها والسعي وراء تملق الآخرين ونفاق المسؤولين وكله تمام يا افندم، هذه الثقافة مهلكة للاقتصاد المصري لأنها ستقضي على أي إبداع للشخصية المصرية، لأن ذلك مخالف لما تعلمناه دروس في الاقتصاد، إنه إذا أرادت تجربة التنمية الاقتصادية أن تنجح في دولة ما فعليها أن تشبع احتياجات مواطنيها وتهتم بجودة منتجاتها لأهلها أولا، أما ما يحدث في فمصر هو ثقافة الأجنبي أولا، فهو مفضل على ابن البلد والتي أودت بالمصريين واقتصادهم إلى الهاوية. 
التعليقات (0)