كتاب عربي 21

مسيرة.. بعد مسيرة

طارق أوشن
1300x600
1300x600
"مصطلح (احتلال) الذي استعمل لوصف حضور المغرب في صحرائه، هراء قانوني وخطأ سياسي جسيم". هذا ما جاء في بيان للخارجية المغربية صدر بعد لقاء وزيرها ببان كي مون في نيويورك غداة الأزمة التي نشبت بعد زيارة الأخير للمنطقة المغاربية وما رافقها من شد وجذب بين الطرفين.

لأجل ذلك، قرر المغرب في خطوات تصعيدية أولى "تقليصا ملموسا خلال الأيام المقبلة لجزء كبير من المكون المدني، وخاصة الشق السياسي، من بعثة المينورسو، وإلغاء المساهمة الإرادية التي تقدمها المملكة لسير عمل المينورسو، وبحث صيغ سحب التجريدات المغربية المنخرطة في عمليات حفظ السلم". كما شجب البيان المغربي "إقدام الأمين العام الأممي على إنكار الحق الشرعي لشعب وقواه الحية في التعبير بحرية عن آرائهما وردود أفعالهما".

وكان مكتب الأمين العام للأمم المتحدة قد اعتبر في بيان سابق أن ثمة سوء فهم لاستخدام الأمين العام عبارة "الاحتلال" لوصف وضع الصحراء الغربية جغرافيا والمغربية واقعا، باعتبار أن الأمر كان "رد فعل شخصي منه على الظروف الإنسانية المزرية التي يعيشها اللاجئون الصحراويون منذ فترة"، وهو تبرير ما كان ليقنع أحدا باعتبار أن زيارة السيد بان كي مون لم تكن شخصية بل رسمية مثل فيها مؤسسة دولية، بحجم الأمم المتحدة، يفترض من أمينها العام تحري الدقة في اختيار المصطلحات والتدقيق في الحركات والسكنات خصوصا وأن الأمر متعلق بنزاع حساس لم يفلح سابقوه في فك طلاسمه منذ أربعة عقود.

ولم يكن تعبير "الاحتلال" المأخذ الوحيد على كي مون بل تعدى الأمر ذلك إلى الانحناء لعلم "دولة وهمية" غير قائمة الذات وزيارة منطقة بئر لحلو في المنطقة العازلة الواقعة شرق الجدار الأمني المغربي، ما قد يشجع جبهة البوليساريو على الدخول إليها وقتما شاءت بما يعنيه ذلك من "إعلان حرب" ترجمه تصريح وزير الخارجية المغربي الذي اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة "موقد نيران".

الجديد في بيان مكتب الأمين العام هو تعبيره عن غضبه من التظاهرة التي نظمت بالرباط يوم الأحد الماضي، وهو الذي لم نألف منه على امتداد ولايتيه غير التعبير عن القلق، معتبرا أنها "استهدفته شخصيا" وأنها تعد "إهانة له وللأمم المتحدة أيضا"، بل وصل الأمر به إلى المطالبة" بإيضاحات بخصوص مشاركة وزراء من الحكومة فيها" ودعوة المغرب إلى "ضمان أن تحظى الأمم المتحدة بالاحترام في المغرب".

لا يمكن فهم التوتر الذي حول زيارة أمين عام أممي إلى الأطراف المؤثرة في قضية الصحراء المغربية واستثنى المغرب منها، وهو البلد المعني أكثر من غيره بالموضوع، إلى مسألة كرامة شخصية دون العودة إلى السياق الذي سبق الإعداد لها. فقد اقترح المغرب شهر نوفمبر الأخير موعدا فرفضه بان كي مون كما رفض اقتراحا ثانيا لشهر يناير قبل أن يفاجئ المغرب بتحديد موعد زيارته في مارس شهرا قبل موعد تقديم تقريره السنوي إلى مجلس الأمن، وهو ما رفضه المغرب معتبرا أنه موعد لا يتوافق مع أجندة ملك البلاد ولا يمكن بالتالي القبول بفرض موعد الزيارة على رئيس الدولة، بل كان هناك من المتتبعين للملف من حذر قبلا من أن الهدف من الزيارة كان التحريض على المغرب وإحداث مشكلة بينه وبين الأمم المتحدة، وكذلك كان.

تألم بان كي مون من مسيرة الرباط التي استطاعت الدولة ومعها الأحزاب ومختلف الفاعلين حشد مئات الآلاف فيها في وقت عصيب تجتاحه مختلف دول المنطقة وتتجنب خلاله السماح بالتجمعات مهما صغر شأنها. والأكيد، رغم كل ما قد يقال عن وسائل نقل وتغذية مجانية، أن المغرب نجح في إظهار الدعم الشعبي الذي تحظى به القضية الوطنية الأولى.

نجاح الدولة في تأمين التظاهرة فتح الشهية لنقل الاحتجاج الشعبي إلى داخل الأقاليم الصحراوية بالعيون في تحد غير مسبوق يتناسب وخطورة الموقف الذي دخلته قضية الصحراء، إذ لم يسبق للأمم المتحدة أن اعتبرت المغرب في أي من مقرراتها أو تصريحاتها "بلدا محتلا"، بل إن مجلس الأمن ساير المقترح المغربي المقدم في العام 2007 تحت مسمى الحكم الذاتي الموسع بديلا ممكنا عن الاستفتاء. والنتيجة أن الصحراويين الوحدويين صاروا يطمحون للتحول إلى رقم صعب في أي معادلة للحل بعد أن كان الانفصاليون هم أصحاب المبادرة ولو على المستوى الإعلامي على الأقل. في مسيرة العيون تواصل التعريض بشخص الأمين العام.

تصل المخرجة الإسبانية مايتي إلى مطار مدينة العيون حيث ينتظرها الشاب الصحراوي دحمان الذي سيرافقها في المراحل الإنتاجية لفيلمها الوثائقي بالصحراء المغربية.

دحمان: جيد أنك ستشتغلين على هذا الوثائقي. الكل يتحدث عن الانفصاليين وكأننا نحن الذين اخترنا البقاء داخل المغرب غير موجودين.

مايتي: هذا بالضبط ما أسعى إليه. أود معرفة ما تفكرون فيه. لكن هل تملكون الحرية للحديث في الموضوع؟

دحمان: كيفما كان الحال فنحن أكثر حرية من المتواجدين بتندوف. أطلب منك أن تستمعي دون إبداء آرائك الشخصية. نحن أعلم منك بحملات الانفصاليين.

كان هذا مشهدا من فيلم (حدود وحدود) للمخرجة المغربية فريدة بن اليزيد المنتج في العام 2013، ويروي حكاية مخرجة أفلام وثائقية إسبانية من خلفيات يمينية مهتمة بأوضاع "الشعب الصحراوي" تحاول إنجاز فيلم عن أوضاعهم وهي محملة بأفكار مسبقة مكنتها زيارة الأقاليم الجنوبية المغربية من إعادة النظر في كثير منها. مشكلة الفيلم أنه غيب أيضا صوت من يدعون "انفصاليي الداخل" واكتفى بتقديم وجهة النظر الموالية للانتماء للدولة المغربية.

الصحراويون الوحدويون ظلوا دوما على هامش الأحداث الكبرى بالمنطقة حيث احتكرت الجهات الرسمية ملف الصحراء لعقود قبل أن تتنبه أخيرا لأهمية إعلاء الصوت الجماهيري وفتح النقاش مشرعا حتى للانفصاليين ولو بجرعات لا تنفتح حتى تغلق من جديد. ولعل في المشاريع التنموية الكبرى التي أعلنت خلال الزيارة الملكية الأخيرة للمنطقة دافع كبير لإعادة الاعتبار للمنطقة على أساس تنموي أبعد ما يكون عن منطق الريع الذي ساد طويلا وأفرز نخبة نفعية اغتنت على حساب الغالبية العظمى من السكان. وتلك كانت نقطة سوداء عرفت الدعاية الانفصالية النفاذ منها خصوصا مع ما تعد به من توزيع عادل لثروات المنطقة التي ستتحول في نظرها إلى نموذج البحبوحة الاقتصادية لدول الخليج العربي.

تحصين الجبهة الداخلية كان شعارا تناقلته الحكومات المتعاقبة على تسيير الشأن العام لفترات طويلة بالرغم من أن الماسك الحقيقي بأوراق ملف الصحراء كان ولا يزال القصر الملكي. لكن الواضح أن التعامل مع الملف عرف كثيرا من التغير رغم استمراره في اعتماد رد الفعل بدل الفعل الاستباقي. فقد رأينا كيف أن المغرب قلب الطاولة على المبعوث الشخصي للأمين العام كريستوفر روس، السفير الأسبق للولايات المتحدة بالجزائر، وسحب منه الثقة قبل أن يتراجع عن ذلك، وكيف أنه استطاع التأثير قبل شهور في موقف الحكومة السويدية التي كانت تسير في اتجاه الاعتراف ب"الجمهورية الصحراوية"، ثم موقفه الأخير من قرار المحكمة الأوربية إلغاء اتفاقية التبادل الحر للمنتجات الزراعية بين الرباط وبروكسل بدعوى شموله منتجات إقليم الصحراء المتنازع عليه، حيث قرر المغرب وقف جميع اتصالاته مع الاتحاد الأوربي إلى حين تصحيح هذا القرار.

الآن، وبعد كل البيانات والبيانات المضادة والتصريحات التصعيدية من هذا الجانب أو ذاك، ينتظر الجميع من الأمين العام، الذي أكد متحدث باسمه أنه لا توجد نية لديه للتراجع عن استخدم كلمة (احتلال) في توصيفه للأوضاع التي يعيشها النازحون في مخيمات تندوف، تقديم تقريره السنوي لمجلس الأمن شهر أبريل القادم، الذي سيحدد لا محالة بوصلة التحرك الأممي في التعامل مع الملف، ومعه ينتظر المغاربة أكثر من غيرهم ترجمة تصريح رئيس الحكومة الذي قال أن المغرب سيقوم "باتخاذ ما تمليه عليه مصالحة الاستراتيجية وفي مقدمتها الوحدة الوطنية والترابية "، وهو ما يتطلب تحركا ديبلوماسيا استباقيا غير تقليدي. والواضح أن المغرب مستعد لكل الاحتمالات بما فيها إخراج الملايين مرة أخرى للشارع باعتبار الشعب الضمانة الأقوى في مواجهة أية خطوات مناوئة لمصالح المغرب في قضية لخصها ملك البلاد في خطاب المسيرة الخضراء في مقولة :"المغرب باق في صحرائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".

وكلنا يتذكر كيف خرج المغاربة بمئات الآلاف مرة أخرى أواخر شهر نوفمبر من العام 2010 ضد الحزب الشعبي الإسباني بسبب مواقفه المعادية وقتها لمصالح المغرب أيام كان في المعارضة. مواقف تغيرت جذريا منذ استلامه السلطة حتى صارت المواقف الإسبانية في أفضل حالاتها علما أن الحزب الشعبي وريث لأفكار الفرانكوية بما لها من رمزية في مسار قضية الصحراء. فالوجود المغربي بالصحراء ليس منة من أحد أو عطية من عطايا ترسيم حدود ما بعد تصفية الاستعمار.

يدعو دحمان المخرجة الإسبانية تايمي لتشاركه ومجموعة من الأصدقاء الصحراويين حفلة سمر شريطة ألا تحضر معها الكاميرا. يخرج الاثنان من الحفلة ليلا.

تايمي: كنت محقا. ما كان من داع لإحضار الكاميرا فأنتم مستمتعون بحياتكم. خمور ومأكولات بحرية.. إنه أمر صادم.

دحمان: أمر صادم؟ تجدين صادما أننا نستمتع بحياتنا؟ ما الذي تريدينه بالضبط؟ أن نكون جميعا فقراء وبؤساء؟ هذا ما تريدينه؟

تايمي: لا تصرخ هكذا. تمهل قليلا.

دحمان: هذا ما كان يقوله المستعمرون، لقد جئنا لننقذكم. هذا ما تفعلينه بالضبط.

تايمي: لا تقل عني استعمارية. نحن من وقفنا ضد تسليم فرانكو الصحراء الغربية للمغرب بدل الشعب الصحراوي.

دحمان: ماذا تحكين؟ ما الذي تملكونه لتعطوه لغيركم؟ الصحراء ليس ملكا لكم ولا لفرانكو.

هذا بالضبط أساس المشكلة وبداية الحل، فرمال الصحراء تتحرك من جديد والتصعيد آت آت لا محالة.

 
التعليقات (0)