قضايا وآراء

"الإخوان".. وأسئلة الذات

بشار غنّام
1300x600
1300x600
يمكن للمأزوم أن يضلل نفسه وجمهوره بحجم المؤامرة الكونية جوابا وحيدا على سؤال الإخفاق، ويمكنه أيضا أن يقف إزاء لحظة الحقيقة ويبدل خطته ويفوز، لو صدق نفسه ومنحها نعمة النقد والمراجعة.

جوهر أزمة الإخوان في اليوم أنها ذاتية، ساهموا في صناعتها ثم كانوا ضحاياها، ويبدو ذلك قاسيا ومبشرا في آنٍ؛ فالوجه الآخر لفرضية الفشل الذاتي هو أن النجاح بمتناول اليد، أما تعليق الفشل على المحيط فلا يستدعي إلا أمنيات التدخل الإلهي ويستعذب ثقافة التوهم ويعمق الماسوشية السياسية.

لم تعد ثورة التجديد الإخوانية الشاملة شرطا لامتلاك أهلية المدافعة السياسية فحسب، بل شرطا لأهلية الاستمرار. وهي ثورة تبدو بعيدة حتى الآن في ضوء أن مشاهد زلزال الربيع العربي وعواقبه لم تكن كافية لدفع القيادات التقليدية  للمراجعة – وهي التي اعتادت مجاملة دعوات التجديد ثم احتواءها وإهمالها. إن من لم ينتفع بعينيه فغالبا لن ينتفع بأذنيه! ومن تعامى عما أبصر فسيجد ألف تبرير لتجاوز ما يسمع، والهروب الدائم للأمام إنما يترك الناس في العراء أمام خيارات التطرف في كل اتجاه.
 
وعودة لتاريخ الجماعة فرغم مساهمتها الطويلة في تحصين المجتمع ضد التبعية، وحفظ تدينه، وإدامة قابليته للنهضة، إلا أنها وخلال 8 عقود من عمرها لم تنجح في استثمار فرص التغيير – فضلا عن صناعتها -  ولم تحقق أياً من الغايات الثلاث المعلنة التي نشأت عليها وهي:  مواجهة الاستعمار وإفرازاته، وتحقيق الوحدة، واستئناف الحياة الاسلامية. في المقابل نجد مجاميع شعبية ناشئة قد نجحت في إطلاق الموجة الأولى للربيع العربي، ما يطرح تساؤلا حول أزمة المشروع الإخواني التي لم يعوضها اجترار الشعارات، ما جعل مشروعهم الإصلاحي أسير تحديات ذاتية كبرى:

- تحدي الهوة بين المهمة والأداء: فأدبيات الاخوان تقدم الجماعة على انها ذات مهمة شاملة ( دعوية وسياسية وتربوية واقتصادية) لكن مفردة من بين كل هذه المفردات التنظيمية طغت على غيرها وهي المفردة التربوية - وذلك بسبب الانهماك في تسيير الجسم الضخم للتنظيم، ما أدى إلى:

-  اختلال ميزان المشروع الإصلاحي: فبمقياس التربية تصبح "أسلمة" السلوك الفردي هي مدار العمل والاهتمام؛ ويتم ضمنيا إهمال بناء ثقافة المجتمع ومؤسساته وخطابه المشترك. إن رؤية تفترض أن "إصلاح" الأفراد سيوصلنا إلى صلاح المجتمع هي قراءة مغرقة في التسطيح؛ فالمجتمع ليس هو حاصل المجموع الجبري لأفراده؛  و"صلاح" جميع الافراد لا يكفي لصلاح المجتمع. المجتمع هو القيم المجتمعية وهو المؤسسات المدنية وهو الثقافة المشتركة وهو الرؤية الموحدة للعلاقات البينية والخارجية فضلا عن أنه مجموع أفراده وجماعاته، وحين نرى اليوم انقسام مجتمعاتنا حول أولويات الاصلاح، واختلافها العميق حول مستقبلها وسبل عيشها، وحين نرى مثلا أن أكثر من 60% من المجتمع العربي اليوم لا يرى في الأحزاب الإسلامية بديلا مناسبا للحكم (المؤشر العربي 2014) – حين نرى ذلك ندرك أن الإخفاق قد أصاب قدرة الجماعة على التحشيد النظري كما أصاب من قبل قدرتها على الإنجاز على الأرض.

-  تشوه ميزان العمل بحيث أصبحت مراكمة الكوادر ضمن الأطر التربوية هي مقياس النجاح وليس الإنجاز التراكمي نحو الأهداف الكبرى.

-  تشوه مخرجات التربية نفسها، فالمصلحون الحقيقيون يصنعون في ميادين الاحتكاك والمخالطة والعمل وليس في محاضن الانعزال والتنظير المنفصل عن الواقع.

-  تشوه تعريف الخلية التنظيمية ( الأسرة- وفق أدبيات الاخوان) ففيما يفترض بديهيا أن تكون الخلية تنفيذية تبشيرية انسجاما مع نوع التنظيم وتعريفه لنفسه بأنه تنظيم دعوي، نجدها في الواقع تنظيرية وهي تبدو أقرب إلى حلقة دراسية لأفراد ناد تجمعهم اهتمامات مشتركة أكثر من كونها وحدة فعالة في مشروع طليعي يسعى للتغيير.

تحدي المشروع: في المشروع يملك الاخوان إجابةً ما – شكلية- حول الهدف النهائي الذي يريدونه، لكنهم لا يملكون اجابة واقعية أو متفقا عليها أو حتى معروفة على السؤالين الآخرين الذين يكتمل بهما.

مثلث التخطيط: أين نحن الآن، وكيف نصل الى هدفنا النهائي.

إن نظرة فاحصة في التاريخ تنبئنا أن أمام حركات التغيير السلمي طريقان معروفان: 

الأول: تحقيق كتلة شعبية وازنة – يقدرها منظرو التغيير بين 2- 5 % كحد أدنى - تنتج التغيير عن طريق حراك نوعي جماهيري تسانده غالبية مجتمعية، وهو ما نجده في نماذج الثورات الشعبية عبر العالم.

الثاني: التغلغل في النخب المؤثرة (المثقفون، الاعلاميون ، أصحاب رؤوس الأموال، العسكر..) وإحداث التغيير من خلالها. 

الواقع اليوم أن نسبة الاخوان قليلة لا تزيد على 4 بالألف في معظم مناطق تواجدهم - وفق تصريحات اخوانية متفرقة - وهي نسبة يصعب معها إحداث التغيير الجماهيري. وقد يحصل أن مجاميع  صغيرة يمكن أن تنجز التغيير لو كانت شديدة الفعالية وامتلكت المشروع المناسب والبيئة الحاضنة المتعاطفة، لكننا إذا وضعنا في الميزان افتقادهم للتخطيط الواقعي ولحجم الانتشار المناسب يتضح أن فعالية وتأثير
الإخوان في المجتمع  لا يؤهلان لإحداث التغيير عبر الطريق الأولى – أي التغيير الجماهيري.

أما عن تطوير خطاب مقنع للنخب المؤثرة فيبدو جليا – ولأسباب ذاتية بالأساس - أنه الطريق الأصعب أمام "الجماعة" للتغيير، والحديث حول أسباب ذلك يطول. 

إن عدم تبني قيادات الإخوان المتعاقبة طوال عقود أياً من الطريقين  يضع علامات استفهام حول جدية مسارهم التغييري.

 وبالعودة إلى الواقعي والممكن أمام الإخوان من طرق التغيير السلمي فإن وصول الإخوان لكتلة التغيير الحرجة  لن يحصل دون مراجعة شروط ومراحل العضوية والتي أضحت طويلة وغير مثمرة وتناسب ناديا نخبويا أكثر مما تناسب حركة تغيير شعبي، وهي – أي الشروط - تخالف ما كان عليه جيل المؤسس البنا، ونجدها تعقدت نتيجة التجمد عند تحدي الدولة القمعية منذ ستينات القرن الماضي، وكذلك نتيجة الرغبة بإرضاء الغرور التنظيمي عبر الإيهام بممارسة عملية محترفة لـ "الانتقاء والتمحيص". 

وكان خلال حقب سابقة قد ساد داخل الاخوان نقاش طفا إلى السطح حول أولوية الكم أم النوع، ورغم أنهما خياران يمكن التوفيق بينهما فقد تم التضحية بالكم بدعوى التركيز على النوع وفق ما آل إليه واقع الأمر؛  وهو ما أنتج بعد عدة عقود كادرا يبدو نخبويا من حيث عدده لكنه بسيط  من حيث نوعه وكفاءته؛ والمحصلة تنظيم قليل العدد – بمقاييس التنظيمات الشعبية المؤثرة- وكوادره قليلة الفعالية بالغالب.
 
إن التكلس على ذات الآليات والشكليات في حياة التنظيمات هو طريق مضمون للفشل، وفي السيرة نجد من جلس مع الرسول عليه السلام في دار الأرقم تختلف مواصفاته تماما عمن بايعه تحت الشجرة وتختلف أكثر عن مواصفات من شهد معه فتح مكة، فلكل مرحلة متطلباتها، ولولا استلهام  تلك الحكمة لكان عدد مقاتلي القسام اليوم في غزة لا يزيد عن بضعة عشرات– وفق حيثيات مرحلة النشأة – فيما عددهم اليوم عشرات الآلاف.

-  تحدي البنية؛ وتجاوز الالتباس بين البنية التنظيمية والمهمة المتبناة: 

فتنظيمات الإخوان اليوم تبدو أقرب الى "النادي" منها الى "التنظيم التبشيري" أو "الإصلاحي" إذ هي تصرف معظم جهودها وأوقاتها مواردها على أعضاءها وليس محيطها، والأخطر أن يتسرب ذلك إلى الممارسة الفردية واليومية لكوادر التنظيم الذين يقضون معظم أوقاتهم في مناشط داخلية منعزلة بينما ينقطع احتكاكهم وتأثيرهم بمحيطهم،  وهو ما يجعلهم بالنتيجة أسرى تصوراتهم الخاصة حول الآخر ويحرمهم من فوائد ملامسة الواقع، ونلحظ ذلك في غياب رواية الإخوان وتأثيرها على قطاعات واسعة من المجتمع فيما هم موجودون نظريا في هذه القطاعات.

تاريخيا اعتمد اليساريون على مجاميع العمال، واعتمد القوميون على العسكر؛ وانغمسوا بتحدي اللحظة واستثمروا الفرص، أما الاخوان فاعتمدوا على الطلاب كمصدر شبه وحيد لتجنيد الأعضاء ما شكل تأجيلا دائما للحظة التغيير( بدعوى إعداد الجيل)، ومع التأجيل المستمر لاستحقاق المواجهة تم استهلاك أربع نسخ – نظرية- من " جيل النصر القادم " على مدار عمر الجماعة !... كان الجيل دوما مستعدا للبذل لكن ذلك لم يكن أبدا كافيا.

وهذا لا ينفي ان الاستثمار الصحيح في الحركات الطلابية أنتج تغييرا جذريا في تجارب اخرى.. لكن مع فرق جوهري وهو ان تلك التجارب تناسبت اهدافها مع ادواتها فاعتمدت آليات ثورية غير تقليدية لشعاراتها الثورية، ولم تضيع الفرص والجهود في تكرار محاولات استخراج الزبدة من خض المياه.

-  تحدي الإفادة من التراث الإصلاحي الضخم للجماعة، وعدم دفن نقاطه المضيئة بين أكوام التفاصيل والإخفاقات، إذ الملاحظ أن تجارب إخوانية واعدة تظهر ثم لا تلبث أن تنطفئ وتدفن في سيل الواقع الإخواني وإشكالاته،  فمثلا وجدت يوما ما في الأردن تجربة مجتمعية وبرلمانية مشهودة، وفي السودان وجدت يوما ما تجربة تنظيمية مميزة - قتلها لاحقا بؤس تجربتها السياسية...  وتجارب أخرى كثيرة ما لبثت أن انطفأت جذوتها تحت ركام الجسم التنظيمي المترهل وتقليديته. وثمة إشكالية أخرى مزمنة هي استحواذ التنظيمات العربية المشرقية على الحالة الإخوانية وعلى صياغة أدبياتها ومناهجها ما حرم التجربة ككل من تنوع ضروري ومطلوب؛ فالتنظيم بحاجة لتجربة المغاربة في التنظير الحركي والفقهي، ولتجربة الماليزيين في التنمية ولتجربة الأتراك في السياسة، وبحاجة أيضا لأن يتم تجاوز فكر الستينات الطاغي والمعزز بفقه المراوحة والرفض، وأن يتم بالمحصلة إغناء الثقافة الإخوانية دون التشرنق ضمن جغرافيا أو مرحلة.

-  تحدي الفصل بين المتوهم والواقعي في العمل السياسي : وذلك بأن تصل حركات الاخوان الى ان تكون تيارا شعبيا واسعا أو جماعة ضغط كبرى تدعم قوى وأحزاب وتحالفات سياسية دون أن تعمل مباشرة بالسياسة، وهذا سيمنحهم الفرصة للتركيز في بناء المجتمع والتحلل من الضرائب المباشرة للعمل السياسي التي لا تناسب دعوة قيمية تسعى لبناء الإجماع حول غايات الدين ومعاني الدعوة، وهو ما يتعارض مع مماحكات السياسة واصطفافاتها ونسبية أخلاقها وتذبذب مواقفها. إن إفساح المجال لأحزاب وتحالفات مستقلة تدعمها الجماعة سيضمن أسباب نجاح الجانبين: الدعوة والسياسة، على أن يعمل الحزب باستقلالية تامة وبأدوات السياسة ونسبيتها لا بعقلية الجماعة وقطعياتها. ورغم تشبثها بالعمل السياسي المباشر فإن ابتعاد "الجماعة" عن الواجهة لن يجعل قياداتها تخسر العمل السياسي، بل لن يخسروا سوى ما كانوا يظنون أنهم يفعلونه – فالوعظ السياسي ليس له علاقة بالعمل السياسي! وطالما أن الحقوق الدستورية المتعارف عليها تضمن للأفراد والمجموعات  حرية التعبير عن رأيهم السياسي وحرية ممارسة ومساندة أو معارضة مختلف المفاعيل السياسية فهذا لا يختلف عما كان الاخوان يقومون به طوال الوقت، سوى أنه سيمنحهم الفرصة لأن يركزوا فيما برعوا به أكثر من غيره.

-  تحدي تفعيل أهم مكونين داخل الحركة الإسلامية: الشباب والنساء، عبر إطلاق طاقاتهم  وعدالة تمثيلهم القيادي وتعزيز دورهم؛ فالواقع اليوم أن الشباب – وهم  الرافد الرئيسي للتنظيم والفئة الأكثر عطاء وتضحية – غائبون بالمجمل عن قيادة التنظيم بغض النظر عن تواجدهم الشكلي، أما "الأخوات" فليست إلا جسما تابعا أو طرفيا على هامش المعادلة التنظيمية وليست إلا مساحة دعوية وأداة تنفيذية  وخزانا انتخابيا ووقودا للمعارك، وهذا يخالف السيرة العطرة للرسول – صلى الله عليه وسلم-  ويتعارض مع مدارس الادارة والتنمية الحديثة التي تؤكد أن تحقيق التنمية والنهضة يستلزم تفعيل المرأة والشباب؛ فالنبي بايع نساء الصحابة عيانا وفرديا ما يشير لثورة اجتماعية يعلنها الرسول القائد ومفادها أن للمرأة مسؤوليتها وخيارها السياسي الذي ليس هو بالضرورة خيار زوجها أو عشيرتها رغم وجودها  في مجتمع قبلي بامتياز، وهو ما يعري خطاب التبرير الإخواني والذي مفاده : ("الأخوات" مهمات لأنهن زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا ولا غنى عنهن.. الخ ) لأن هذا الخطاب يعمق المشكلة ولا يحلها إذ يربط أهمية "الأخت" بعلاقتها ب "الأخ" ومؤداه أن دورها مهم لأن لها علاقةً ما به... فهو المركز وهي التابع، وما هكذا تبنى العلاقات في حركات التغيير التي تسعى لتفعيل كل طاقاتها المتوفرة، فكيف بها إذ تقيد طاقة شطر التنظيم ؟!  

-  تحدي الخطاب: هناك  طغيان للمركب العاطفي على المركب المنطقي في الذهنية الإخوانية – وهي سمة موجودة في الشعوب المشرقية لكنها لا تليق بحركة إصلاحية يفترض بها أن تتقدم خطوة  أو تسمو درجة عن الذهنية السائدة التي تريد تغييرها، وذلك يتضح في:

• الإحالة على الآخر، فنظرة بسيطة إلى البيانات المنشورة لحركات الاخوان على مدى الأعوام الثلاثين الأخيرة يرينا بوضوح أن جلها يتمحور حول ما يجب على الآخرين أن يفعلوه دون أن تشير الى ما يفعله الاخوان أو ما يريدون حقا فعله، وسنجد مرارا وتكرارا تعابير مطالبة الحكومة أو الشعب أو المؤسسات أو الناس أو العالم أو المجتمع الدولي وبألفاظ : ندعو، ونبارك، ونشجب، ونؤكد،... وغيرها من تعابير الانسحاب من الفعالية والاستقالة من العمل، والجهل بسنن المدافعة والتغيير.

• التمترس خلف الشعارات واستثارة عواطف المناصرين وملاحقة الصورة الذهنية الطهرانية بعيدا عن الواقع.

• إدمان الاجوبة السهلة على الأسئلة الكبرى؛ فسبب تأخر الأمة وفشل نخبها هو تكالب الاعداء عليها، وحل الأزمات هو بالعودة الى الموروث التنظيمي، وواقعنا هو نتيجة حقد الآخرين على مشروعنا، وهكذا.. سلاسل من الاجابات المعلبة تختصر ألوان العالم بالأبيض والأسود ضمن ثنائيات مريحة : إما أو.

• طغيان الرغائبية والتبرير والضبابية والتردد؛ فالخطاب عاطفي مبني على ما يرغب القائل بحصوله أو ما يرغب الجمهور بسماعه بغض النظر عن الواقع، وهو خطاب تبريري يدافع عما كان.. دون أن يجيب عما يجب أن يكون، وهو خطاب ضبابي خجول، يخشى مثلا أن يقول صراحة ان الدولة وفق التجربة النبوية هي اقرب لدولة المواطنة الحديثة منها الى اي نوع آخر من الدول؛ وذلك خجلا من مواجهة الخطاب التعبوي الموروث الذي عبأ شباب الجماعة  لعقود بشعار الخلافة – كشكل - دون بذل جهد في تعريف هذه الخلافة! وهو الجهد الذي لو بذل لأوصلهم إلى التصريح بما يتجنب كثير منهم الافصاح عنه  في دائرته الضيقة، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

• القراءة العاطفية للتاريخ وحتى لسيرة الرسول ولسير المصلحين ، فمع أن الإخوان يبدون الأكثر وعيا من بين حركات الإسلام السياسي في قراءة التاريخ إلا أن قراءتهم تبقى عاطفية وانتقائية،  فحين يقرؤون مثلا سيرة صلاح الدين لا يستحضرون كم مرة اضطر فيها للتعايش سياسيا مع ما يخالف قناعاته  – وهو السني الشافعي الذي عمل سنوات طويلة ضمن منظومة الخلافة الفاطمية قبل أن يسقطها، وكم من المؤامرات التي عايشها حتى يستتب له الأمر وكم من الحروب البينية التي دخلها وسفك فيها دم المسلمين، وكم من الأخطاء التي ربما يكون وقع فيها ! ومثله حين يتغنون بالتجربة التركية الحديثة التي يريدون استنساخ ثمارها دون دفع ضرائبها ويتغافلون عن أن حزب العدالة والتنمية حسم أمره مثلا مع العلمانية، وقبل بدولة العدالة هدفا وتنازل عن شكلية الحكم الإسلامي عوض تحقيق روحه؛ أي العدل  وعمارة الأرض وتحقيق مصالح الناس ومنحهم حرية الاختيار.

• فقدان الخطاب الدعوي عوامل قوته وميزاته  نتيجة الاخفاقات المتوالية وضغوط القواعد اليائسة والحائرة، فيبدأ التنظيم بالخلط بين أصوله التي نشأ عليها والتجارب الأخرى والنظريات وأنصاف النظريات وأرباعها فتفقد الحركة تدريجيا فرادة المنهج الذي ميزها عن غيرها. 

• الوعي السطحي بدهاليز السياسة والعلاقات الدولية وسنن التغيير وتجارب الشعوب المختلفة، وافتراض أن خطاب الثوابت والمبادئ كفيل بالنجاح دون بذل جهد في المبادرة وإحداث الاختراقات وصناعة الفرص ومراكمة الانجازات، والاكتفاء بإنشائيات من نوع ( حتى يشهد التاريخ أننا قلنا..)، فيما التاريخ يشهد للذي يفعل لا الذي يقول وللذي  يصنع الفرص لا الذي يبددها.

• أن تصبح القيادات التنظيمية أسيرة للخطاب العاطفي مدمنة عليه، وكل محاولة لعقلنة الخطاب أو إنزاله على الارض توصم بالتنكر لتراث الجماعة وبطولاتها وتعتبر حيادا عن النهج وتؤدي بالمحصلة لإدانة قائلها.

-  تحدي القيادة، فمن الواضح غياب القيادات الملهِمة صاحبة الرؤية في معظم تنظيمات الإخوان الحالية، مع غياب الصناعة المنهجية للقيادات، ما جعل من آليات الدفع الذاتي  والطموحات الشخصية، واحتلال المنصات والمنابر، وتهييج عواطف الجمهور، وحجم العلاقات التنظيمية، والقدرة على التزام اللاموقف بين المحاور الداخلية تصبح أكبر عوامل الفرز القيادي، ضمن متوالية مدمرة من التضحية بالكفاءات لتدعيم الولاءات.

لقد ركنت قيادات الاخوان المتعاقبة الى 3 دعائم هشة لإدامة عمل الماكنة التنظيمية : خطاب رغائبي، وجمهور عاطفي، وغياب للمنافسين.  وانشغلت بالحفاظ على المعادلة القائمة خارجيا وداخليا: خارج التنظيم بالحفاظ على الوضع القائم مع الدولة الوطنية - التي تعاملت مع واقع كونهم حركة المعارضة الاولى - لكن دون السماح لهم بالوصول الى عتبة التأثير، والوضع القائم داخل التنظيم اي السيطرة على مفاصله والحفاظ على مكتسباته دون مقاربة لمشروع تغيير حقيقي. في الأثناء - وبالأساس كنتيجة لغياب المشروع الحقيقي وغياب أدوات الرقابة الفعالة -  تسرب لبعض مستويات القيادة الإخوانية عدد ممن كان فرزهم نتيجة توازنات هشة ومعادلات مريضة مما جعل المؤهل الوحيد لبعضهم أنه لا لون أو رأي له أو أنه " على قد الإيد " أو أنه ببساطة " أخ معروف لدينا " أو أنه مضمون التصويت... ما أوصل لمستويات اتخاذ القرار عددا ممن تفوق طموحاتهم إمكانياتهم، ودون الحاجة لاستفاضة يبدو واضحا أنه تحدث الكوارث عندما يوجد في موقع قيادي من تفوق طموحاته امكانياته.

أزمة الاخوان بالأساس هي أزمة ثلاثية: أزمة مشروع وأزمة خطاب وازمة قيادة، والحل أيضا ثلاثي : الواقعية ... والواقعية، ثم الواقعية ! فوحده النزول من علياء الشعارات والاشتباك بالواقع هو ما سيفكك هذه الأزمة المركبة.

مازالت حركات الإخوان تملك الكثير لتقدمه لأوطانها وجمهورها الذي وثق مرارا بشعاراتها، ويبدو أنه ليس وحدهم أبناء الجماعة من ينتظرون صحوتها. في الأثناء تتصاعد محفزات الموجة الثانية من الربيع العربي، وهي الموجة التي ستطلقها الشعوب وتلحقها "النخب" – كما حدث في الموجة الأولى – والمؤمل من "النخب" السياسية والدعوية والثقافية والاجتماعية أن تصحح ذاتها لئلا تكون مجددا سببا في تعطيل مسيرة الشعوب نحو الحرية والنهضة. 
التعليقات (18)
حسن الحسيني
الجمعة، 24-04-2015 03:27 ص
1_ الكاتب يحتاج لمراجعة أدبيات الإخوان لمزيد من الفهم لهم ....علي سبيل المثال نحن مرتبطون بأوثق عري الارباط بالر ؤية القرآنية للتغيير وآلياته وليس بالرؤي الماركسيةأو الفوضوية أوالليبرالية ... نلخصها هكذا(.إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ) فمراحل التغيير عندنا لا يمكن القفز عليها ويجب ألا يستخفنا الذين لا يوقنون في صحة طريقنا.... كيف تغير أوضاعا سياسية لسعب غيه نسبة مؤثرة مؤتلفة مع مع الطغيان وبطول العشرة ألفت الاستقرار علي عصاه و جزرته..........كفاية كده النهار ده
عبدالرحمن رضا
الأربعاء، 08-04-2015 07:28 م
مقال ممتاز : أكثر ما أعجبني هذه العبارة : "أزمة الاخوان بالأساس هي أزمة ثلاثية: أزمة مشروع وأزمة خطاب وازمة قيادة" ..... صدقت
احمداني محمد
الثلاثاء، 07-04-2015 01:36 ص
اومسلمون وأمة أشلاءو - لاميتون ولاهمو احياءو
أبو زياد
الأربعاء، 01-04-2015 08:41 م
? فض فوك لقد هرمنا من أجل هذا النقد الموضوعي البناء الذي ?مس واقعا ركنا إليه عقودا
@HarvardDr
الأربعاء، 01-04-2015 05:20 ص
كلام عامة صحيح. لكن فيه خطأ بنياني انه نسي او تناسي فترة 1981 ل 1988 حيث الجماعة كانت تقر العنف لكن فقط تؤجله و كان التلمساني يقول لنا سرا انه موافق علي قتل السادات و ثورة كإيران عنيفة لكن بعد تكوين عدد كافي. لكن توحة و جيله رفضوا هذا. امنوا بخزعبلة الثورة السلمية. مات التلمساني في 86 و اكتشفنا اننا نصف مليون شاب بالجنازة. لكن توحة- ابو الفتوح و جيله مسكوا زمام الامر من 88 و دجنوا الجماعة حتي 2014. دي شهادتي شخصيا.