مقالات مختارة

نظام الأسد و«انتخابات الدم» السورية

أحمد الجربا
1300x600
1300x600
كتب أحمد الجربا: خلال هذا الأسبوع سيعلن بشار الأسد أمام العالم أنه أعيد انتخابه مرة أخرى رئيساً لسوريا، والحال أن الانتخابات برمتها ليست سوى عملية نصب واحتيال على الشعب والعالم، ونتائجها معروفة سلفاً، هذا ناهيك عن أن المستبدين لا يتم انتخابهم، بل يتمسكون بالسلطة، من خلال القوة والخوف، وهما الحفازان الوحيدان اللذان قد يدفعان السوريين للنزول، والمشاركة في المسرحية.

وليس خافياً أن محاولة الأسد التظاهر بأنه يشرف على انتخابات معترف بها قانونياً، بعد كل جرائم القصف والتجويع والذبح التي مارسها على شعبه طيلة السنوات الثلاث الماضية، إنما يرمي في الحقيقة إلى إسباغ لبوس من المشروعية على النظام الديكتاتوري، رغم ما ينطوي عليه الأمر من كذب وتضليل.

وفيما وصف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الانتخابات السورية بأنها «مسرحية سياسية مريبة»، اعتبرها نشطاء الديمقراطية السوريون بأنها «انتخابات الدم»، وهي تكشف للعالم أن من يحاول السعي إلى إنجاح المسرحية الممجوجة هما فقط روسيا وإيران اللتان أرسلتا «مراقبين» لمتابعة سير التصويت، ورغم أن المجتمع الدولي أدان «الانتخابات» بوصفها عملية هزلية وبعيدة عن المعايير الديمقراطية الحقة، فستكون لمناورة الأسد تداعيات خطيرة؛ فهي أولاً ستنسف البيان الصادر عن الأمم المتحدة في جنيف، والذي يطالب بإنشاء هيئة حكم انتقالية تتمتع بكافة السلطات التنفيذية، كما ستضفي على نظام الأسد واجهة مزيفة من المشروعية التي سيسعى هو ورعاته في موسكو وطهران إلى استغلالها على الساحة الدولية، والأكثر من ذلك فإن هذه المسرحية الهزلية ستعطي للأسد فرصة ادعاء تفويض شعبي لتصعيد عنفه، وتدميره ضد الشعب السوري.

لكن مهما بلغ عدد السوريين الذين يقتلهم الأسد، فلن تنجح دباباته ولا طائراته، ولا صواريخه في إجهاض ثورتنا، لذا يتعين على المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة إيصال رسالة واضحة للأسد مفادها أنه لن يتسامح مع آلة القتل والتنكيل المستمرة ضد السوريين، وأن الأمل في تحقيق نصر عسكري ليس قائماً، وإذا كنا جميعاً متفقين على ضرورة اجتراح حل سياسي للأزمة السورية، إلا أنه وحتى هذه اللحظة لا يملك الأسد من الدوافع ما يحثه على الانخراط في حوار جاد مع المعارضة، ليبقى السبيل الوحيد للوصول إلى حل سياسي هو تغيير ميزان القوة العسكرية في الميدان بما يكفي لدفع الأسد إلى التفاوض حول إطلاق عملية انتقال سياسي على نحو ما جاء في بيان جنيف.

وفيما يرى بعض المراقبين للشأن السوري أن الأزمة غير قابلة للحل، وأنه لا مفر من بقاء الأسد في السلطة، نقول لهم، لا الشعب السوري، ولا الولايات المتحدة يستطيعان القبول بهذا الموقف الانهزامي، فأي محاولة لفك الارتباط بالموضوع السوري، وترك البلد نهباً للأسد وزبانيته سيحولها إلى ملاذ لـ«القاعدة» والمتطرفين الآخرين المدعومين من إيران، مثل «حزب الله» وغيره، ليرتعوا بحرية في سوريا، ويخططوا لهجمات ضد الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما في الشرق الأوسط، لذا نؤكد دائماً بأن أميركا والمعارضة السورية المعتدلة هما في خندق واحد لدحر الأعداء المصرّين على الإضرار بنا معاً.

ولدعم شراكتنا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، قمت خلال الشهر المنصرم بزيارة لواشنطن على رأس وفد من المعارضة السورية، حيث كانت رسالتنا لشركائنا الأميركيين واضحة: معاً نستطيع تغيير الوضع وقلب الأمور، فلو أن الداعمين الدوليين الأساسيين لتطلعات الشعب السوري المشروعة، في صراعه ضد الظلم والاستبداد، لاسيما الولايات المتحدة، تحركوا سريعاً لإيصال المساعدات لقواتنا على الأرض، فسيصبح الميدان متساوياً أمام الجميع، ويضع المعتدلين في سوريا من جميع الأطراف على سكة التفاوض للوصول إلى حل سياسي دائم ينهي الصراع، ويفتح صفحة جديدة في سوريا المستقبل. وهنا لابد من الإشارة إلى أن ائتلاف المعارضة السورية لديه حكومة تستطيع تولي الإدارة المؤقتة للبلد، في انتظار كتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات ديمقراطية حقيقية لاختيار ممثلي سوريا وإرساء نظامها الجديد. كما أننا داخل سوريا نعمل على إنشاء أسلوب في الإدارة الميدانية، من خلال شبكة من المجالس المحلية التي هي عبارة عن هيئات تستند إلى قواعد على الأرض تساعد في إقامة مجتمع مدني وليد يتولى المسؤولية بعد عقود طويلة من حكم أسرة الأسد التي عملت على تدمير كل التنظيمات الاجتماعية والمدنية الخارجة عن سيطرتها، ويمكن الجزم بأن الخطط جاهزة والمعارضة مستعدة لإدارة الأمور وتسلّم السلطة الانتقالية.

وخلال وجودي مؤخراً في واشنطن، قمت بزيارة للنصب التذكاري للرئيس لينكولن. ومعروف أن أميركا نفسها مرت بفترة من الصراع الدامي قبل أن تخرج منها أكثر قوة وتماسكاً. وفيما تحدث لينكولن في خطاب «جيتسبيرج» الشهير، بعد انتهاء الحرب الأهلية، عن «ميلاد الحرية الجديدة» التي «ستجلب المساواة للجميع»، فإن هذه الكلمات هي ما يحاول الشعب السوري تمثلها اليوم في صراعه ضد الظلم والاستبداد. فنحن أيضاً مصرون على ضمان ألا تذهب دماء السوريين وتضحياتهم سدى، وبعد أن صارت خريطة الطريق نحو السلام وسوريا الجديدة معروفة وواضحة، وتم وضع الخطوات اللازمة للانتقال السياسي بالتعاون مع شركائنا وحلفائنا، فإن ما يحتاج له السوريون الآن هو الإجراءات الملموسة على الأرض التي تهيئ الظروف لإقامة هيئة الحكم الانتقالي في المناطق المحررة، لكن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه من دون قيادة أميركية، وهو ما يفسر مطالبتنا لشركائنا ممن نتقاسم معهم المصالح نفسها في إرساء الأمن والاستقرار والحرية في سوريا وعموم المنطقة، للمسارعة نحو تقديم الدعم والمساعدة.

(الاتحاد الإماراتية)
التعليقات (0)