كتاب عربي 21

لماذا تُسرق الثورات؟

حلمي الأسمر
1300x600
1300x600
هو سؤال كبير يلح على الجميع، ما الذي حل بحركة الشعوب وثوراتها، بعد أن بدا أن الأمة تتجه إلى فجر جديد، تحطم فيه قيود الظلم والطغيان، وتهدم قلاع الدكتاتورية؟ أين ذهبت تلك الأماني والأحلام الوردية التي داعبت خيال الغلابى والمحرومين والمقهورين؟ لماذا اصطبغت ثورات الربيع العربي بلون أسود، وارتبطت بالفوضى والدم، وذهاب الأمن؟ بل كيف وقر في أذهان الكثيرين أنها لم تكن غير مؤامرة على الأوطان، أو حركة مسرحية، لتحقيق مآرب "الآخرين" وقد رأينا إسرائيل تحديدا ترتعد فرائصها، خوفا، وتبدأ بإعادة حساباتها، وتعد العدة لـ "مواجهة" طويلة مع شعوب حرة منتفضة، بدا أنها امتلكت قرارها، وبدأت رحلة الصعود إلى الحرية؟ كيف يستقيم خوف إسرائيل من ثورات الربيع العربي، مع اعتبارها مؤامرة على الأمة، "مصنوعة" في مراكز صنع القرار الاستعماري؟ وكيف نفهم اعتبارها مجرد "سايكس-بيكو جديد، وفق تعبير أحد أكثر الكتاب الصحفيين شهرة في العالم العربي على مدار عقود؟ وكيف نفهم –أيضا- اعتبارها لعنة على الأمة، في الوقت الذي تحرك كل المتضررين، لإجهاضها والتآمر عليها، بكل السبل الممكنة؟

يقال، إن الثورة لم "تُعط" فرصة للنجاح، وهذا الكلام بائس ورديء، لسبب وجيه وخطير، وهو: لم تُعط الفرصة أصلا، وهي تهدد مصالح، وتقوّض مكتسبات، وتقلب معادلات؟ أليس من البديهي أن ينهض "المتضرر" وينتفض للدفاع عن مصالحة بكل شراسة؟ لم كانت "الثورات المضادة" أصلا على مدار التاريخ؟ ويقال أيضا، أن هؤلاء المتضررين "تآمروا" على الثورات وعلى الشعوب! حسنا، ماذا كنتم تنتظرون منهم؟ هل يمدون لكم أيها الثوار رقابهم للذبح؟ أو يحنون لكم ظهورهم لتركبوها؟

وسط هذا الشلال من الأسئلة، قرأت رؤية للدكتور محمد الغزالي، رحمه الله، في كتابه "الحق المر" يقول فيها: سمعت قائلا يردد في ألم : نحن متفرقون على حقنا، وهم مجتمعون على باطلهم! فقلت له: ما أحسب المتفرقين على حقهم أصحاب حق، فطبيعة الحق أن يجمع أهله! إن أعدادا كبيرة من السائرين تحت لواء الحق تكمن في بواطنهم أباطيل كثيرة، فهم يحتشدون بأجسامهم فقط تحت رايته، ويبدو أن المآرب الكثيرة، والأغراض المختلفة، تجعل لكل منهم وجهة هو موليها، وذاك في نظري ما جعل ثورات عديدة تسرق من أصحابها، ويسير بها الشطار إلى غاية أخرى! حتى قيل: الثورات يرسمها المثاليون وينفذها الفدائيون ويرثها المرتزقة!! ترى لو كان المثاليون والفدائيون على قلب رجل واحد في الإيثار والتجدد أكان يبقى للمرتزقة موضع قدم؟. إن أخطاء خفية، نستخف بها عادة، هي التي تنتهي بذلك المصير!

هكذا تحدث الغزالي، رحمه الله، وهو ينكأ جرحا، أو يفتح ملفا لا يريد أصحاب الثورات أن يتحدث به أحد، بحجة أنه "مش وقته" ترى متى وقته إذًا؟ لم لا يبحث الثوار في قلوبهم عن أسباب سرقة ثوراتهم؟ لماذا يعلقون الفشل، أو قل الاضطرابات التي أعقبت ثوراتهم، على مشجب الآخرين؟

لماذا تسرق الثورات؟ ترى لو كانت هذه الثورات في "حرز" مصون، هل يتمكن من سرقتها أحد؟ ثم، أي الأموال المرشحة للسرقة؟ أليست تلك المتاحة للحرامي؟ ألم يُنتج العقل الجمعي الشعبي ذلك المثل الرائع، الذي يجيب عن السؤال ببساطة شديدة حين قال: المال السايب يعلم الناس السرقة؟

لماذا تسرق الثورات، وتختطف؟ قبل أن نبحث عن إجابة لدى الطرف الآخر، يتعين علينا أن نبحث عنها لدى من ثار، وتوقع أن تكون طريقه مفروشة بالورود، ويستقبله الطغاة والمتضررون بأكاليل الغار، وأقواس النصر!
التعليقات (0)